Home | About LCPS | Contact | Careers
February 26, 2020
هل ينبغي أن يمتنع لبنان عن تسديد ديونه؟

لبنان بحاجة إلى استراتيجية موحّدة لإعادة هيكلة الدين العام ترافقها إعادة رسملة المصارف.
 
ندى مورا، محاضرة في الجامعة اللبنانية وزميلة أقدم في المركز اللبناني للدراسات

مع اقتراب موعد استحقاق سندات اليوروبوند الدولارية في التاسع من آذار/مارس، يجد لبنان نفسه أمام خيار عدم تسديد دينه الخارجي. لكنّ الذهاب إلى مثل هذا الخيار يستوجب أوّلًا تقييم المنافع والتكاليف. ولمن ليسوا على اطّلاع بالمصطلحات المالية التي ظهرت مؤخراً في أحاديثنا اليومية، نشير إلى أنّ التعثر في سداد الديون السيادية أو التعثر السيادي يعني إعادة هيكلة الدين السيادي بشروط أقل ملائمة بالنسبة إلى الدائنين، بدلاً من التخلف الصريح عن السداد. وعندما لا يعود الدين العام في بلد ما مستداماً، تعمد حكومته إلى خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، وإن لم تكن هذه الإجراءات كافية، تلجأ إلى إعادة الهيكلة. ويُعتبر التعثر السيادي أمراً شائعاً، فقد سُجّلت أكثر من 180 حالة من إعادة هيكلة الدين الخارجي منذ العام 1970، وعادةً ما تعاود البلدان الدخول إلى أسواق رأس المال بعد فترة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات.
 
ما هي إذاً المنافع التي قد ترافق إعادة هيكلة الدين؟ كلّما ازدادت قدرة بلد ما على المساومة في التفاوض على دينه، ازداد حجم خسائر المستثمرين التي يمكن لهذا البلد فرضها، وذلك عن طريق الاقتطاع من قيمة الدين الحقيقية (أو يُعرف بمبدأ "قصة الشعر" أو "هيركات" Haircut). وتحدث هذه الخسائر حتى في الحالات التي تعاد فيها جدولة الدين من دون انخفاض قيمته الاسمية. وتقدّم إعادة هيكلة الدين فوائد متعددة، كانخفاض الدين، وصرف أموال خدمة الدين على مدفوعات بديلة (مثل الواردات)، وتخفيف إجراءات التقشف المالي في فترات الركود، وعلى المدى الأطول، انخفاض تكاليف الاستدانة في حال تراجع الدين إلى مستويات مستدامة واستئناف النمو.
 
وتشدد نظرية التعثر السيادي على التكاليف المتعلقة بالسمعة التي يمكن أن يتكبّدها البلد نظراً إلى فقدان القدرة على الدخول إلى السوق و/أو ارتفاع تكاليف الاستدانة في المستقبل. وتشير الأبحاث الأخيرة إلى أنّ العمل بمبدأ الـ "هيركات" يزيد هذه التكاليف ويطيل أمدها لسنوات عدّة (على سبيل المثال، ترتفع الفوارق في معدلات العائد على السندات بـ 250 نقطة أساس في السنة الأولى التي تلي إعادة الهيكلة عند فرض "هيركات" بمتوسط نسبته 37%، وتبقى أعلى بـ 100 نقطة أساس في السنتين الرابعة والخامسة). وتسلط نظرية أخرى الضوء على العقوبات وتنفيذ الاحكام الصادرة، غير أنّ التنفيذ (التطبيق) في حالة الدين السيادي يبقى محدوداً. فالسندات السيادية، كالسندات اللبنانية، تصدر في مراكز المال العالمية مثل نيويورك وتخضع لقوانين أجنبية. ومع أنّ الدعاوى القضائية التي يرفعها حاملو السندات الذين يرفضون المشاركة في مقايضة الديون تشهد تزايداً، إلا أنها لم تنجح في تنفيذ الأحكام الصادرة (عدم إمكانية وضع اليد على أصول مثل الممتلكات السيادية وأصول المصرف المركزي). لكنّ حاملي السندات هؤلاء ينجحون في الضغط على البلدان ودفعها إلى إجراء تسوية خارج إطار القضاء. بالإضافة إلى ذلك، تزداد التكاليف المحلية، ولا سيما التكاليف الواقعة على النظام المصرفي المحلي، عندما تكون حصة كبيرة من الدين بالعملة الأجنبية في حيازة المصارف المحلية، كما هي الحال في لبنان. وبالتالي، إذا لم تكن هذه المصارف مُرسملة بما يكفي، يؤدي شطب الديون إلى زعزعة الاستقرار وارتفاع الخسائر المحتملة بالنسبة إلى المودعين.
 
وهنا نطرح السؤال الآتي: هل يجب أن يلجأ لبنان إلى إعادة الهيكلة؟ وإذا قرّر ذلك، كم يجب أن تكون نسبة الـ "هيركات"؟ أولاً، عند أخذ كلّ العوامل بالاعتبار، يمكن الإجابة على السؤال الأول بنَعم لإنّ عجز لبنان عن تحمّل هذا المستوى من المديونية يفتح أمامه الباب على إعادة الهيكلة كأحد الخيارات المُتاحة. لكن من الافضل إعادة الهيكلة عبر استراتيجية موحّدة – أي الدين بالعملة المحلية واليوروبوند معاً – على أن تقترن هذه الاستراتيجية بإعادة رسملة المصارف. فمن شأن ذلك أن يوفّر درجة أعلى من الوضوح بشأن الحجم المُتوقع لعملية شطب الديون، وبالتالي حجم إعادة الرسملة المطلوب لتجنّب الوقوع في أزمة مصرفية شاملة.
 
عند التفاوض على حجم الـ هيركات"، يفاوض لبنان أيضاً على شروط الاستدانة المستقبلية بما أنّ تكاليف الاستدانة المستقبلية سترتفع بسبب التكاليف المترتبة عن السمعة المُتراجعة، غير أنّ الأثر الصافي على المدى الطويل يمكن أن يكون أقلّ إذا أصبح الدين مستداماً. وبالتالي، سيجني لبنان منافع أكبر إذا رفع نسبة الـ "هيركات"، لكنه سيتكبد في الوقت نفسه تكاليف أعلى على صعيد السمعة، وسيكون نظامه المصرفي عرضة للمخاطر، وستزداد احتمالية نشوء دعاوى قضائية. ونشير هنا إلى أنّ قدرة لبنان على المساومة في المفاوضات مرهونة بقدرته على السداد، وعلى الوصول إلى أشكال أخرى من المساعدة المالية، وعلى قدرة البلد لتحمل المقاضاة، بالإضافة إلى متى يريد لبنان معاودة الدخول إلى أسواق رأس المال.
 
لقد أثبتت الأبحاث أنّ حصر التخلف عن الوفاء بالالتزامات بالدائنين الخارجيين ليس ممكناً لأن سندات اليوروبوند يتمّ تداولها في الأسواق الثانوية حيث يستطيع الدائنون الأجانب بيع سنداتهم إلى وكلاء محليين. قد يكون من الممكن تقديم شروط أقل ملائمة إلى المصارف اللبنانية بسبب عدم قدرتها على بيع حيازاتها الكبيرة من الدين "بالجملة" ولأن الحكومة تملك سلطة أكبر عليها. لكنّ وكالات التصنيف الائتماني ستظلّ تصنّف ذلك تعثّراً انتقائياً. وقد سارت عملية إعادة هيكلة الدين اليوناني في العام 2012 في هذا الاتجاه لتجنب دعاوى قضائية عبر دفع السندات المستحقة إلى الدائنين الذين لم يشاركوا في مقايضة الديون.
 
في الواقع، تعتمد المنفعة الاقتصادية الوحيدة الناجمة عن تأخير التعثر على قدرة لبنان على تأمين مساعدة مالية في المدى المنظور لكي يخوض إعادة الهيكلة بشروط أفضل. فبالنسبة إلى إمكانية حدوث التعثّر في نيسان/أبريل بدلاً من آذار/مارس، تجدر الإشارة إلى إنّ ذلك سيخفّض المنافع من دون التوفير في التكاليف بما أنّ التكاليف طويلة الأمد وقد ترتفع إذا عمدت الصناديق "الانتهازية" (أو Vulture) إلى زيادة انكشافها الاستراتيجي على الدين اللبناني.
 
قراءة المزيد هنا.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.