Home | About LCPS | Contact | Careers
April 22, 2020
طاولة مستديرة حول احتمال تدخّل صندوق النقد الدولي في لبنان

 
نتيجةً للنقص في رأس المال الأجنبي في لبنان، أعلنت الحكومة اللبنانية مؤخراً أنها ستوقف سداد جميع سندات اليورو المستحقة في المستقبل. بالتوازي، عمدت الدوائر الحكومية والمالية الى تكثيف المناقشات حول الحاجة الى حزمة من صندوق النقد الدولي لتأمين غالبية رأس المال المطلوب. في هذه الطاولة المستديرة التي تشارك في تنظيمها المركز اللبناني للدراسات وجدلية، قدّم ثلاثة محللين وجهات نظرهم حول مقدار رأس المال المطلوب، والآثار المحتملة لتدخّل صندوق النقد الدولي، وما يجب أن يكون مختلفاً هذه المرة من ناحية الاقتراض الدولي.
 
المركز اللبناني للدراسات وجدلية: ما هو مقدار رأس المال الأجنبي الذي يحتاجه لبنان ولأي غرض؟
محمد فاعور: سيحتاج لبنان إلى رأس مال لا تقل قيمته عن 30 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة لمواجهة العاصفة الاقتصادية الحالية، على أن تُستخدم هذه الأموال لخمسة أغراض. أولاً، تأمين السيولة بالعملة الأجنبية لميزان المدفوعات، وهذا أشدّ ما يحتاج اليه لبنان بخاصةٍ في ظل الأزمة النقدية الرهيبة والاحتياطيات المتضائلة في بيئة حيث ستكون تدفقات رأس المال المنتظمة المتوقعة ضئيلة في المستقبل المنظور، هذا إن وُجدت. ثانيًا، المساعدة في إعادة رسملة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي يعاني من عسرٍ فعلي. ولوضع الأمور في نصابها، وعلى أساس موحّد، تبلغ قاعدة رأس مال القطاع المصرفي حوالي 20 مليار دولار. لكن هذا يستند الى تقديرات متفائلة للغاية ومُبالغ في تقديرها ولا تأخذ في الاعتبار حجم تدهور القيمة السوقية لهذه الأصول. ولو شاءت المصارف إعادة تقييم أصولها بناءً على قيمتها السوقية الحالية، لزال رأس المال كلياً.
 
لذلك، من الضروري حصول رسملة كاملة قد تأخذ شكل ضخ لرأس المال و/أو عمليات لإنقاذ المودعين. من المرجح أن يُعتمد مزيج من ضخ رأس المال وإنقاذ المودعين الكبار، لكن توسيع نطاق ضخ رأس المال يساهم في الحدّ من الضرر الذي من المتوقع أن يتكبده المودعون نتيجةً لعملية الإنقاذ. أما الغرض الثالث من التمويل الأجنبي فهو المساعدة في تخفيف الألم الذي سيرافق فترة التكيّف. والغرض الرابع هو توجيه إشارة إلى الدائنين بأن المصداقية موجودة في خلال المفاوضات التي من المتوقّع أن يجريها لبنان لإعادة هيكلة ديونه. فمع فاتورة تبلغ الفوائد عليها حاليًا حوالي 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي السنوي و47٪ من الإنفاق الحكومي السنوي، يكتسب برنامج إعادة الهيكلة الجذرية للديون أهمية قصوى. وقد يكون ذلك ممكناً فقط بوجود برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي يوجّه إشارة الى الدائنين عن جديّة لبنان. أما الغرض الخامس والأخير فهو استعادة ثقة المستثمرين لإعادة جذب رأس المال إلى البلاد، من خلال توفير التمويل الذي تشتد الحاجة إليه للتكييف والاستقرار الاقتصادي التدريجي.
 
علياء مبيض: قد يحتاج لبنان إلى حوالي 30 مليار دولار من رأس المال الخارجي في السنوات الثلاث المقبلة. وسيعتمد ذلك على مصداقية عمليات التكييف المالية والتعديلات في سعر الصرف المخطط لها، وإعادة هيكلة الدين العام في العمق، وإعادة الرسملة الناجحة للقطاع المصرفي. ويغطي مبلغ 30 مليار دولار ثلاثة أنواع من الاحتياجات:
 
 •أولاً، ضرورة إعادة بناء موضع إيجابي صافٍ لصرف العملات الأجنبية في البنك المركزي. في الواقع، يعاني لبنان منذ فترة من عجز كبير في الحساب الجاري، بمتوسط 18٪ من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للفترة 2002-2018 (أو 14 مليار دولار في عام 2018). وقد تم تمويل هذا العجز عن طريق الاقتراض الخارجي، عبر جذب تدفقات الودائع من غير المقيمين (بما في ذلك ودائع المغتربين اللبنانيين) واستنفاد احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية. وعلى الرغم من انحسار العجز في الحساب الجاري نتيجة الانكماش الاقتصادي، من المرجح أن يبقى مرتفعاً ليشكّل 13٪ من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 5 مليارات دولار) سنويًا في السنوات القليلة المقبلة (2020-2022). ونظرًا للتوقف المفاجئ في تدفقات رأس المال، سيكون على لبنان تأمين حوالي 7 مليارات دولار سنويًا لتمويل هذا العجز وللتعويض عن الخروج المستمر لتدفقات رأس المال (1 - 2 مليار دولار خلال 2020-2022) بالإضافة إلى إعادة بناء الاحتياطي تدريجيًا.
 
ثانياً، ضرورة إعادة رسملة نظام مصرفي أصغر بعد إعادة الهيكلة. وقد تبلغ قيمة إعادة رسملة القطاع المصرفي المطلوبة في ظل سيناريو تخفيض الدين بشكل كبير (60-70٪ من الدين العام) حوالي 27 إلى 30 مليار دولار، يمكن تمويل جزء كبير منه محليًا من خلال برنامج إنقاذي يستخدم أموال كبار المودعين. أما الجزء المتبقي، أي حوالي 4 إلى 6 مليارات دولار، فيتطلب رأس مال خارجي جديد للحدّ من تأثير الخسائر على صغار المودعين (أي الذين يملكون أقل من مائة ألف دولار).
 
أخيراً، ضرورة دعم النمو وفرص العمل. على ضوء الانكماش الاقتصادي، لا بدّ من استثمار مليارين الى ثلاثة مليارات دولار سنويًا لدعم إحياء النمو مع العناية بالنقص الحاد في البنية التحتية.
 
ناصر السعيدي: يجب النظر إلى حجم التمويل الأجنبي ضمن برنامج إصلاحي شمولي ينطوي على عملية تكييف تمتد على سنوات، على أن يتناول قطاعات مختلفة، منها الاقتصاد الكلي، والقطاعات الضريبية والمصرفية والمالية والنقدية. ولهذا البرنامج أربعة مكوّنات: إصلاح الاقتصاد الكلي والإصلاح الهيكلي؛ إعادة هيكلة القطاع المصرفي؛ إعادة هيكلة الدين العام (بما في ذلك دين البنك المركزي)؛ والرفاه الاجتماعي.
 
وفقًا لتقديرات الحكومة (التي اطّلع عليها المستثمرون مؤخراً)، بلغ الدين العام 178٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2019. وتبلغ تكلفة خدمة الدين أكثر من 10 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 22٪ من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 65٪ من الإيرادات الحكومية. في الواقع، لم يعد الوضع يُحتمل حتى قبل أن تقع البلاد فريسة جائحة كورونا. من جهة أخرى، يدين البنك المركزي بمبلغ 120 مليار دولار للمصارف المحلية. فقد تعرّضت حيازات العملات الأجنبية للبنك المركزي لضغوط عالية، حيث انخفضت إلى حوالي 29 مليار دولار في كانون الثاني 2020، بينها سيولة بقيمة 22 مليار (18 مليار منها هي احتياطي القطاع المصرفي الإلزامي الموجود بحوزة البنك المركزي). من الواضح أن النظام المصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة.
 
نظراً للدين العام وعدم الاستدامة المالية، انخفضت أسعار الديون السيادية بمتوسط 50٪ تقريباً منذ نهاية عام 2019. ومع حوالي 70٪ من إجمالي الأصول المصرفية المستثمرة في الديون السيادية وديون البنك المركزي، فإن شطب الديون يعني أن أسهم المصارف قد زالت كلياً. تحتاج عملية إعادة رسملة المصارف وإعادة هيكلتها إلى ما بين 25 و30 مليار دولار، وحسب تقديري، حوالي 10 مليارات منها سيأتي من التمويل الأجنبي. بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ من وجود حزمة من المساعدات الخارجية التي تتراوح قيمتها بين 25 و30 مليار دولار لإصلاح الاقتصاد الكلي وللإصلاح المالي، والتكيف الهيكلي، وإعادة هيكلة البنك المركزي، ودعم ميزان المدفوعات، فضلاً عن إنشاء شبكات الأمان الاجتماعي اللازمة.
 
وسيتطلب ذلك برنامجاً يضعه صندوق النقد الدولي وتمويلاً متعدد الأطراف. لذلك ، يجب أن يكون هناك برنامج CEDRE II معاد تصميمه بالكامل. أسميه صندوق "استقرار وسيولة لبنان". ولا بدّ من الإشارة الى أن التكلفة الإجمالية للتكييف والتمويل المطلوب آخذان في الارتفاع بسبب التأخير غير المبرر في طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي وتصميم التمويل.
 
علاوةً على ذلك، أتى فيروس كورونا ليصبّ الزيت على النار، حيث يمكننا توقّع انكماش في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20 ٪ بعد الانخفاض الذي بلغ نسبة 7 ٪ في العام الماضي. وقد وعدت الحكومة بتقديم مساعدة مالية بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية (أي حوالي 140 دولارًا حسب سعر السوق الموازي البالغ 2900 ليرة/ دولار) للأسر الأكثر حاجة (يُقدّر عددها بنحو 158 ألف أسرة تشمل المسجلين في البرنامج الوطني لاستهداف الفقر، وسائقي التاكسي الذين أًجبروا على التوقّف عن العمل بسبب الإغلاق نتيجة الجائحة، والعاملين في الخطوط الأمامية في مجال الرعاية الصحية). لكن هذا لا يكفي. فقد أدّى الانخفاض الحاد في النشاط الاقتصادي إلى تزايد حالات التسريح من العمل والبطالة، وإغلاق الأعمال والإفلاس، وانخفاض الدخل بشكل عام - كل ذلك دفع بالمزيد من الناس إلى الفقر. وتتدهور الأحوال الاجتماعية والاقتصادية بسرعة، حيث يعيش ما يقرب من نصف السكان تحت خط الفقر؛ ومن المرجح أن تزيد القروض المتعثرة وتصبح العديد من المصارف معسرة؛ وتراجعت قيمة الليرة اللبنانية الآن حوالي 40-50٪ في الأسواق الموازية مما يغذي التضخم؛ ووجدت منظمة هيومن رايتس ووتش أدلة عن اتخاذ تدابير استنسابية بحق اللاجئين. إذاً وصفة الاضطرابات السياسية والاجتماعية تغلي على النار.
 
المركز اللبناني للدراسات وجدلية: ما هي بعض الآثار السياسية والاقتصادية التي ستنتج عن تأمين رأس المال من صندوق النقد الدولي؟ هل يمكنك تحديد تدفقات محتملة أخرى لرأس المال الأجنبي يمكن أن تحل محل برنامج إنقاذي من صندوق النقد الدولي؟
 
علياء مبيض: نظراً لحجم الخسائر المحددة من قبل الحكومة (83 مليار دولار)، من الصعب تخيّل سيناريو بدون برنامج لصندوق النقد الدولي. وقد يصرّ مانحون آخرون في الواقع على هذا البرنامج كشرط مسبق، قبل التعهد بأي دعم من جانبهم. وبناءً على ذلك، سيحتاج لبنان إلى تعزيز وتوطيد علاقته الاستراتيجية مع الجهات المانحة الرئيسية (أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان والدول العربية) لضمان دعمهم له على المستويين المتعدد الأطراف والثنائي. للحصول على التمويل من صندوق النقد الدولي، لا بد من تنفيذ الإصلاحات اللازمة بشكل صارم لاستعادة الاستدامة المالية والخارجية. في حين أن هذه الإصلاحات ستشمل عملية ضبط الأوضاع المالية، وتخفيض قيمة العملة، وإعادة هيكلة قوية وموثوقة للديون، وخطة لإعادة رسملة القطاع المصرفي/البنك المركزي، فإن التسلسل مهم. لا أظن أن اتخاذ التدابير التقشفية كمرحلة أولية ستكون فكرة قابلة للتطبيق من الناحية الاجتماعية والسياسية، لا سيما أن الاقتصاد سيعاني من انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، الأمر الذي سيسبّب على الأرجح توترات سياسية وأمنية. ومن أجل الحد من تلك المخاطر، يجب أن تكون الخطة الإصلاحية محلية، بعبارة أخرى يجب أن تقودها وتعدّها الحكومة اللبنانية بعد إجراء مشاورات عامة، بطريقة تسمح بالحصول على دعم مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة، بينهم صانعي السياسات والبرلمانيين ومؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم. وسيفرض برنامج صندوق النقد الدولي على السياسيين التنفيذ على أساس سياسات عامة صلبة وذات مصداقية، والالتزام بتنفيذ الإصلاحات في الوقت المناسب، فضلاً عن تأمين المساءلة أمام أصحاب المصلحة المحليين والخارجيين. ما لم يحققوه في العقود الماضية سيحققونه الآن؟
 
محمد فاعور: لسوء الحظ، ليس لدينا نعمة الخيار لناحية مصادر رأس المال الأجنبي. فنظراً لسجل البلد السلبي في تنفيذ الإصلاحات التي هو بأمسّ الحاجة إليها، لقد فقدت معظم البلدان المانحة المحتملة الثقة في رغبة واستعداد الدولة اللبنانية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية. وتشهد جولات عديدة من المساعدات المالية الدولية، بدءًا من باريس 1، 2، 3 وأخيرًا مؤتمر سيدر، على هذا الفشل المؤلم. علاوة على ذلك، من غير المرجّح أن يقتنع الدائنون اللبنانيون بإعادة هيكلة الديون اللبنانية بشكل فعلي ما لم يسبقها برنامج لصندوق النقد الدولي يعيد البلد إلى الطريق الذي يسمح له بتحمّل عبء الديون. في ظل هذه الظروف، لم يعد أمامنا الآن سوى صندوق النقد الدولي لتوفير المظلة التي تساعد على استعادة ثقة المانحين، وجذب المساعدات الخارجية التي تشتد الحاجة إليها، وإعطاء الدائنين ما يشير إلى شيء من المصداقية.   
 
تعتمد الآثار السياسية لبرنامج صندوق النقد الدولي إلى حد كبير على تفاصيل البرنامج وشروطه، والتي يجب أن تُصمّم حسب خصوصيات لبنان وظروفه. إذ سيترتب على أي برنامج تراجعي عواقب اجتماعية وسياسية سلبية من شأنها أن تخلّف آثاراً ارتجاعية سلبية على الاستقرار والانتعاش الاقتصاديين. لذلك من الضروري أن تقترح الحكومة اللبنانية خطة اقتصادية فيها مصداقية وقابلة للتطبيق تناسب البلد وتحمي الفقراء والطبقة الوسطى من تكاليف التكييف الحتمية التي سترافق الركود المتوقع. عندئذ يمكن استخدام هذا البرنامج كقاعدة للمفاوضات بين فريق مفاوضٍ لبناني قوي وصندوق النقد الدولي.
 
ناصر السعيدي: كافة الآثار السياسية والاقتصادية لبرنامج صندوق النقد الدولي ايجابية، لأن ذلك سيشمل وضع وتنفيذ شبكة أمان اجتماعي لحماية الفئات السكانية الأضعف. وستفرض شروط برنامج صندوق النقد الدولي على طبقة سياسية غير مسؤولة وفاسدة وعلى صانعي السياسات الخاضعين لها –المسؤولون عن الزلزال الكارثي في لبنان - إجراء الإصلاحات اللازمة (مثل الكهرباء والإصلاحات المالية والنقدية والمصرفية) التي تأخرت سنوات. وسوف تستند المشروطية السياساتية إلى برنامج وطني يجب أن تُعدّه الحكومة مسبقًا. وسيضيف برنامج صندوق النقد الدولي مصداقية على الإصلاحات المدرجة في الصندوق المقترح للاستقرار والسيولة في لبنان.
 
إنه دواء مرير، لكن البديل الوحيد هو سنوات من الخسارة وازدياد في البؤس والفقر وتدمير القاعدة الاقتصادية اللبنانية. لن يقدّم صندوق النقد الدولي سوى جزء فقط من التمويل (حوالي 4 إلى 5 مليارات دولار) توازنه مؤسسات مالية دولية أخرى، كالبنك الأوروبي لإعادة الاعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والمشاركين في مؤتمر سيدر، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي واليابان والصين. ولا بدّ من الإشارة إلى أن التمويل من خارج صندوق النقد الدولي لن يكون متاحًا إلا إذا تمّ التوصّل إلى برنامج متفق عليه مع صندوق النقد الدولي. فلن تقدم أي دولة أو مؤسسات مالية دولية، بينها دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، مساعدة أو تمويلاً بدون هذا الاتفاق. وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار والتمويل من القطاع الخاص (على سبيل المثال الشراكات بين القطاعين العام والخاص)، أو على استعادة وصول لبنان إلى سوق رأس المال، أو على إعادة الهيكلة المستدامة لديون لبنان. لا توجد بدائل عن برنامج صندوق النقد الدولي وشروطه. لبنان بحاجة ماسة إلى تمويل خارجي. لا يمكنه الاعتماد على التمويل المحلي البحت لإعادة هيكلة ديونه العامة وقطاعه المصرفي (بما في ذلك مصرف لبنان)، والاستثمار في البنية التحتية، وإصلاح المالية العامة، وإحياء القطاع الخاص ودعمه، وتوفير الدعم لميزان المدفوعات. 
 
المركز اللبناني للدراسات وجدلية: على ضوء سجل الحكومة اللبنانية الضعيف في إدارة المساعدات الخارجية بشكل فعال، ما هي الإجراءات التي يجب أن تتخذها لضمان حصول انتعاش مالي فعلي من خلال هذه الأموال؟
 
ناصر السعيدي: يجب على الحكومة المجيء ببرنامج لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المسروقة. صنّفت منظمة الشفافية الدولية لبنان في المرتبة 43 من حيث الفساد من أصل 180 دولة. وقد ركز المتظاهرون، وبحق، على تفشي الفساد والرشوة والمحسوبية.
 
لذا، يجب على الحكومة الحالية إعطاء الأولوية لمكافحة الفساد على جميع المستويات. على أن يشمل ذلك ما يلي: (1) تعيين وتمكين مدّعٍ عام ووحدة خاصة لمكافحة الفساد؛(2)  تنفيذ برنامج لمكافحة الفساد من حيث الضرائب وتحصيل الإيرادات؛ (3) إصلاح القوانين والإجراءات الخاصة بالمشتريات الحكومية؛ (د) إنشاء هيئات تنظيمية قوية ومستقلة في قطاعات مثل المصارف والمالية والاتصالات والنفط والغاز والكهرباء وغيرها. ويجب التعيين في المناصب من خلال عملية شفافة تمامًا مع الحرص على بقاء الأشخاص المعيّنين بعيداً عن أي تأثير سياسي طائفي.
 
أخيرًا وليس آخرًا، يجب على الدولة استرداد الأصول التي استولى عليها السياسيون، وصانعو السياسات وشركاؤهم بشكل غير مشروع وجرمي. يمكن لاسترداد الأموال المنهوبة أن يشكّل استراتيجية لتجديد الثروة إذا تم تنفيذه بشكل صحيح وبشفافية مطلقة. وعلى لبنان المشاركة على الفور في مبادرة استعادة الأصول المنهوبة The Stolen Asset Recovery Initiative (StAR)، وهي شراكة بين مجموعة البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. تعمل هذه المبادرة مع "البلدان النامية والمراكز المالية لمنع تبييض عائدات الفساد ولتيسير إعادة الأموال المنهوبة بشكل أكثر انتظامًا وفى وقت مناسب".
 
محمد فاعور: هذه الأزمة هي في المقام الأول أزمة حوكمة رديئة ونظام سياسي طائفي انتفت فائدته (هذا إن كان فيه إفادة أصلاً). لذلك، أي إصلاح ذات مصداقية على المستوى المؤسسي يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي خطة إنقاذ اقتصادي ستندرج ضمن شروط برنامج صندوق النقد الدولي. وتشمل هذه التدابير، من بين أمور أخرى، وجود هيئة مسؤولة عن المشتريات والمناقصات تكون مستقلة وممكّنة فتخضع جميع عقود الدولة للتدقيق، فضلاً عن تمكين ديوان المحاسبة ليكون هيئة مخصصة بالكامل لمكافحة الاحتكار تتمتّع بسلطات واسعة النطاق، بالإضافة الى وجود منظمين لقطاعي الكهرباء والاتصالات، وإلغاء السرية المصرفية بالكامل، وتنفيذ إجراء جاد للتحقيق في الإنفاق المشكوك فيه ومتابعته (ما يُعرف باسم الأموال المنهوبة)، ومنع البنك المركزي من تمويل عجز الدولة التي تمارس الهدر منذ عقود، وما إلى ذلك. من خلال هذه الشروط، يمكن لبرنامج صندوق النقد الدولي أن يساعد في إرساء تنفيذ مثل هذه التدابير. أما غياب الإصلاحات المؤسسية التي تساعد على معالجة الفساد المتأصل فسيضيّع على لبنان فرصة الحصول على أي مساعدة أجنبية.
 
علياء مبيض: ساهم ضعف المؤسسات المالية وتشرذم عملية وضع الموازنة بين التخطيط للإنفاق الجاري وللرساميل وتنفيذه، وغياب إطار حديث وتنافسي للمشتريات العمومية، في ضعف سجل  لبنان في إدارة التمويل الأجنبي. يحتاج لبنان إلى معالجة مواطن الضعف هذه ليستعيد ثقة الجهات المانحة الدولية وتنفيذ سلسلة من الإصلاحات في مجال الإدارة المالية العامة وإدارة الاستثمارات العامة لتأمين القيمة مقابل المال، وتحسين كفاءة الإنفاق، ودعم الجهود الآيلة إلى ضبط الأوضاع المالية العامة. وتشمل بعض الإجراءات الرئيسية ما يلي:
 
  1. إعادة المصداقية للموازنة ووضع إطار للإنفاق متوسط الأجل من خلال الحرص على الوصول إلى موازنة واقعية وشاملة وشفافة ومتسقة مع سياسة الحكومة، فيتم تنفيذها على النحو المنشود بطريقة منظمة وقابلة للتنبؤ بها.
  2. التخطيط للاستثمارات وتخصيصها والتنفيذ بكفاءة، من خلال تخطيط موحد ومتوسط الأجل، واعتماد معايير موضوعية لتقييم المشاريع واختيارها. في هذا الصدد، يجب على الحكومة تنفيذ التوصيات التي صدرت عن هيئة تقييم إدارة الاستثمارات العامة التابعة لصندوق النقد الدولي.
  3. تعزيز نظام المناقصات بناءً على العمل المكثف الذي تقوم به وزارة المالية (المعهد المالي) لتحديث قانون وإطار المناقصات العامة.

شارك في تنظيم هذه الطاولة المستديرة المركز اللبناني للدراسات وجدلية.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.