Home | About LCPS | Contact | Careers
June 18, 2020
لبنان بين المطرقة والسندان: التدهور الاقتصادي السريع وتداعيات الاغلاق

مقابلة مع كوثر دارا، خبيرة اقتصاد وباحثة ومستشارة في إدارة المالية العامة
 
 
أضافت الصدمات الناتجة عن الأزمة الاقتصادية من جهة وجائحة كورونا من جهة أخرى ضغطا شديدًا على الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان اللبنانيين. وفي الوقت الذي تخفف فيه الحكومة اللبنانية من قيود عملية الإغلاق، تبقى الحركة الاقتصادية بطيئة فيما تكافح الشركات لاستئناف نشاطها وفيما مستويات البطالة بارتفاع مستمرّ.
 
ما عسى الحكومة تفعل للتخفيف من خسائر الرفاهية التي تسببت بها هذه الصدمات مجتمعة ً؟
 
إن انتشار الجائحة الذي يأتي في سياق اقتصادي هش وضعيف، يؤثر بشكل صارخ على معيشة الشعب اللبناني. وقد تسبّبت عمليات الإغلاق المفروضة بتفاقم آثار الأزمة المالية والاقتصادية المتجذّرة أفقياً وعمودياً. على الصعيد الأفقي، تتسارع حالة الضعف التي تصل إلى شرائح أوسع من السكان؛ ومن الناحية العمودية تتزايد حدّة هذا الضعف ونطاقه.
 
هذا الواقع المرير يضع الحكومة أمام خيارات يصعب الأخذ بها للتخفيف من تأثير الأزمة المتعددة الأوجه. في الواقع، أي خطة استجابة للأزمة يجب أن تركّز ببساطة على مسارين رئيسيين: (1) تأمين الحاجات الأساسية للأسر الضعيفة خلال الأزمة للحفاظ على سبل عيشها ودعم قدرتها على الصمود؛ (2) الحؤول دون تجذّر الآثار والنتائج الاقتصادية المترتبة على الإغلاق.
 
كي يكون المسار الأول فعالاً، يجب على الحكومة أن تبني على الآليات والمؤسسات القائمة التي تكوّن نظام الحماية الاجتماعية. وتندرج ضمن نطاق الحماية الاجتماعية - بناءً على التعريف المتفق عليه دولياً - المساعدة الاجتماعية التي تشمل التحويلات النقدية والعينية غير القائمة على الاشتراكات لدعم المستوى المعيشي والحفاظ عليه. وتشمل أيضاً برامج التأمين الاجتماعي التي تقدم في العادة الإعانات مقابل الاشتراكات وتغطي حالات الطوارئ المختلفة مثل معاشات الشيخوخة، والإعاقة واستحقاقات البطالة. أما العنصر الثالث المهم الذي ينطوي عليه نظام الحماية الاجتماعية فيتمثّل بسياسات سوق العمل التي تهدف إلى تحسين قابلية التوظيف والتوظيف من خلال التدخلات المختلفة مثل دعم الأجور، والتدريب، والإرشاد والتدريب الفردي. في معظم دول العالم، يتم تفعيل برامج الحماية الاجتماعية وتكثيفها واستخدامها على نطاق واسع للاستجابة للأزمة.
 
لكن السؤال الحقيقي هو معرفة ما إذا كان للبنان الآليات والنظم المناسبة لتحديد نقاط الضعف قبل وضع طرق الاستجابة المناسبة على أساسها، وتنفيذ أي حزمة/ خطة استجابة بكفاءة، والوصول إلى الجميع مع السعي الى الحدّ من التسرّب والإقصاء. والتحدي كبير جداً في هذا السياق نظراً لضعف قدرات المؤسسات والأنظمة والسياسات التي من المفترض أن تستجيب بشكل فعال للأزمة وتخفف من آثارها. إذ تغيب كلياً الركائز الأساسية للحماية الاجتماعية التي كان يمكن استخدامها، وبخاصةٍ المساعدة الاجتماعية والبرامج غير القائمة على الاشتراكات، والمعاشات التقاعدية، وإعانات البطالة وإعانات الإعاقة. هذه هي الأنظمة الرئيسية التي تستخدمها الدول على نطاق واسع للتصدي للهشاشة الاقتصادية التي سببتها عمليات الإغلاق الناتجة عن جائحة كورونا.
 
حتى الآن لم يتم تقييم الأثر الاقتصادي بشكل صحيح، وبالتحديد من حيث عدد الأشخاص المتضررين، أو درجة التضرّر، أو حتى نوع الأثر على مختلف الشرائح السكانية. وتشير أحدث الأرقام الصادرة عن البنك الدولي الى أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر ارتفع جداً وأن أكثر من 50٪ من اللبنانيين يعيشون حالياً في حالة من الفقر. أما البطالة التي كانت مرتفعة قبل الأزمة في الغالب في صفوف الشباب، فهي آخذة في التزايد أيضاً. ونظرًا لعجز الاقتصاد اللبناني من الناحية الهيكلية عن خلق فرص كافية لتلبية الطلب الناشئ، اعتاد العديد من الباحثين عن عمل على الاعتماد على السوق الإقليمية لإيجاد فرص العمل. لكن إغلاق الحدود والقيود المفروضة على السفر تسبّبت بحصار يحدّ من تدفق العمالة إلى الخارج وبالتالي من المرجح أن ترتفع معدلات البطالة.
 
لكن على الرغم من نقاط الضعف الهيكلية، لا يزال بإمكان لبنان العمل ضمن قدرته المؤسسية المحدودة. ولعلّ الخيار الأنسب هو توزيع المساعدات النقدية أو العينية على المحتاجين. قد تبدو التحويلات النقدية الخيار المعقول والأسرع إذ يعطي الناس حرية شراء ما يحتاجون إليه ويحول دون حصول تشوّهات في السوق. ويمكن استخدام البرنامج الوطني لاستهداف الفقر كمنصة – فهو نظام يعمل بشكل مقبول ويمكنه أن يخدم الغرض خلال وقت الأزمة. إنما يجب تطويره بشكل أفضل لتحسين الوصول والكفاءة. كما وأن قنوات تسليم المساعدات لا تزال تشكّل تحدياً كبيراً، لاسيما أن النظام المصرفي - الذي يُعتبر إحدى القنوات المحتملة - يعاني من مشاكل ثقة خطيرة بسبب الأزمة المالية. ليس لبنان بالاستثناء، فنظام تسليم المساعدات يشكّل تحدياً كبيراً في العديد من البلدان التي تختار المساعدة النقدية كطريقة للاستجابة. أما قنوات التسليم المحتملة الأخرى فهي وكالات الأمم المتحدة الموجودة التي يتم اللجوء اليها لهذا الغرض في بلدان أخرى (مثل اليونيسف والبرنامج العالمي للغذاء وغيرهما). ويتم استخدام بعض هذه الآليات استجابة لأزمة اللاجئين السوريين مثل برامج البرنامج العالمي الغذاء التي توفر التحويلات النقدية والعينية للاجئين. حيث تصل البرامج الحالية اليوم إلى حوالي 50٪ من الأسر السورية الضعيفة والى حوالي 15 ألف أسرة لبنانية تم تحديدها من خلال برنامج استهداف الفقر الوطني على أنها أفقر الفقراء.
 
بالنسبة للمسار الثاني، يجب وضع تدابير سياساتية للحؤول دون تجذّر الآثار المترتبة على الأزمة في الاقتصاد. تأثرت عدة قطاعات من الإغلاق، الذي زاد من حدة الانكماش الاقتصادي الحالي. وما يميز هذه الأزمة العالمية هو أنها تؤثر على العرض والطلب على حد سواء، ولبنان ليس بالاستثناء. على العكس، يتفاقم حجم الأزمة في لبنان بسبب الهشاشة الهيكلية في الاقتصاد، أولاً كونه يعتمد بشكل كبير على الخدمات والتجارة كمساهمة رئيسية في الناتج - وهي متقلبة للغاية ومعرّضة لأزمات مماثلة؛ ثانياً، كونه يعتمد على الاستيراد وهو معرّض لمخاطر تعطيل سلاسل التوريد الدولية؛ وثالثاً، كونه يعتمد بشكل كبير على تدفق التحويلات لتمويل الاستهلاك المحلي التي لا يمكن التنبؤ بها وهي معرّضة للاضطراب.
 
قد يكون الجانب الصعب حماية كل من أصحاب العمل والموظفين في آنٍ معاً. أثناء الإغلاق العام، تكبدت الشركات خسائر فادحة، وتعطّلت سلسلة التوريد، وأصبح الوصول الى الائتمانات محدوداً وتدهورت الأسواق. سوف تكون استمرارية الأعمال والشركات في خطر نظراً للوقت الطويل الذي استغرقته عملية الاغلاق. وقد تدفع التحديات بأصحاب العمل إلى اتخاذ تدابير غير مناسبة لخفض التكلفة التشغيلية، وأسهلها تسريح العمال بشكل كثيف، وخفض الأجور وفرض شروط عمل غير لائقة. وللتخفيف من هذه المخاطر، يمكن تصميم حزم إغاثة لمعالجة نقاط ضعف الأعمال. وقد تشمل هذه التدابير ما يلي:
  • تقديم قروض أو منح مدعومة للغاية لدعم الأعمال الأكثر تضرراً (مثل الضيافة والسياحة).
  • تخفيف إجراءات الامتثال الضريبي وتمديد مهل التصريح والدفع.
  • تخفيف المهل التعاقدية وتعليق الغرامات على الشركات التي تعاني من تأخير في إتمام العقود العامة.
  • دعم الأجور بنسبة صغيرة. يجب أن يكون هذا الدعم مشروطاً بالحفاظ على الوظائف والحد من توزيع الأرباح، ويمكن تطبيقه على الشركات الكبيرة.
  • تقديم الدعم للعاملين لحسابهم الخاص (مثل سائقي سيارات الأجرة والممثلين والشركات غير النظامية). وقد يكون الكشف عن بعض المجموعات صعباً تحديداً العاملين في القطاع غير النظامي. وبالنسبة للآخرين، يمكن للحكومة الاعتماد على تقارير النقابات والجمعيات المهنية ذات الصلة لتقييم الوضع في كل قطاع.
  • استثناء القطاعات التي زادت مبيعاتها نتيجة للأزمة من مخططات الإعانات.
 
 
كيف ينبغي تمويل تدخلات الحكومة على ضوء التخفيضات الكبيرة في الإنفاق الاجتماعي في موازنة 2020 والوضع المالي والنقدي المتردي؟
 
لدى النظر إلى التجربة العالمية في معالجة الآثار المترتبة على الأزمة، يُلاحظ أن الحكومات والمصارف المركزية في جميع أنحاء العالم قد اتخذت تدابير مالية ونقدية تقديرية حذرة للتعويض عن تأثير الأزمة ومنع التداعيات الاقتصادية. وهي تشمل عوامل الاستقرار الاقتصادي مثل الضرائب والبطالة والتحويلات للأسر. إلى أي مدى يستطيع لبنان الاستجابة بالمرونة والسرعة نفسها المعتمدة على نطاق واسع في العديد من الاقتصادات من غير أن يساهم في زيادة حدّة الانكماش الاقتصادي الشديد؟
 
الجواب غير واضح وصعب للغاية في هذا السياق القاتم. فحزم الإغاثة للأسر والشركات مكلفة للغاية، وتعتمد على حجم الدعم المتوقع، وإيجاد التمويل المطلوب يمثل تحدياً كبيراً على ضوء القيود المالية الحالية. كما أنّ الموارد المحلية ضئيلة والفرص لخلق حيّز مالي لتغطية هذه الحزم صعبة، إنما ليست مستحيلة.
 
وبالفعل تسعى الحكومة للحصول على موافقة برلمانية استثنائية على موازنة تكميلية قدرها 1200 مليار ليرة لبنانية كحزمة تحفيز مالي قائمة على القواعد للتخفيف من تأثير عملية الإغلاق. وسيتم توجيه جزء من الحزمة على شكل تحويل نقدي إلى الأسر الأفقر. وسيتم استخدام جزء آخر للتخفيف من الاضطراب في سلسلة التوريد وتقديم الدعم لقطاعات محددة مثل الزراعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والصناعات التحويلية. ويبقى السؤال حول كيفية تمويل هذه الحزمة والآليات التي سيتم اتّباعها لإنجاحها.
 
يكمن أحد الموارد المحتملة في الادخار على التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان نتيجة تراجع أسعار النفط العالمية، وهي فرصة يجب النظر فيها. حيث يمكن توجيه جزء من المدخرات لتمويل حزم الإغاثة المقترحة. ويوجد حيّز مالي هامشي آخر تواجد بشكل طبيعي أثناء الإغلاق يمكن استخدامه في جهود الإغاثة. على سبيل المثال، تم إغلاق شركات القطاع العام والإدارة الحكومية بشكل شبه كامل خلال الشهرين الماضيين، ومعظم الموظفين لم يحضروا إلى أماكن عملهم. يمكن إعادة تخصيص النفقات التشغيلية ذات الصلة لتمويل حزم الإغاثة. وهي تشمل تعويضات النقل، وساعت العمل الإضافية، والمكافآت، واللوازم، ونفقات السفر، والنفقات التشغيلية الأخرى المرتبطة بعمل الإدارات الحكومية اليومي. وقد تتراوح هذه المدخرات بين 50 و170 مليار ليرة لبنانية قادرة على تغطية أكثر من 15٪ من حزمة التحفيز التي وافق عليها البرلمان مؤخراً.
 
وبالإضافة إلى هذا الحيّز المالي المحتمل، يمكن للحكومة أن تنهل من موارد أخرى أيضاً. أحدها هو التمويل المرن والميسّر الذي قدّمته للحكومة جهات مانحة متعددة الأطراف بينها البنك الدولي. فهي تعطي أسعار فائدة تفضيلية مقارنةً بالسوق، مع فترة سداد طويلة وفترات سماح، وهي بمثابة ضخ للعملة الأجنبية. في خلال العقود الماضية، كان لبنان يعتبر بلداً ذا الدخل المتوسط الأعلى ولم يكن مؤهلاً للحصول على منح لتمويل التنمية. وتعتبر الوكالة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي (IDA) أن البلدان منخفضة الدخل حيث يبلغ متوسط مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي حوالي 1175 دولاراً مؤهلة للاستفادة من تمويل الوكالة الدولية للتنمية. ونظراً للظروف الناشئة والتراجع الحاد في مستويات معيشة الشعب اللبناني، يمكن للبنان أن يعيد تقييم وضعه في هذا الصدد والتفاوض ليصبح مؤهلاً للحصول على شروط تمويل أفضل مع الجهات المانحة الثنائية والمتعددة الأطراف. سيتأثر الناتج المحلي الإجمالي للفرد بشدة من الصدمات المتعددة الناتجة عن انخفاض قيمة العملة المحلية والانكماش الاقتصادي، وسينخفض إلى حوالي نصف المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة، حيث تراجع من حوالي 8200 دولار في عام 2019 إلى 4300 دولار فقط. وتعتمد الحسابات على إجمالي الناتج المحلي المقدر بـ 49 مليار دولار في عام 2019 و26 مليار دولار في عام 2020، بناءً على خطة الانتعاش الاقتصادي للحكومة. وسيؤدي ذلك إلى نقل ترتيب لبنان ببطء من بلد متوسط الدخل الأعلى إلى بلد متوسط الدخل الأدنى في أقل من عام واحد. هذه صدمة اقتصادية واجتماعية تتطلب طريقة غير تقليدية لتوفير التمويل لدعم لبنان.
 
يبقى العامل الأساسي في قدرة لبنان على إعادة الثقة في مؤسساته والاستفادة من الدروس للتحرك نحو اقتصاد أكثر استدامة وإنتاجية ومرونة في مواجهة الأزمات.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.