Home | About LCPS | Contact | Careers
March 19, 2013
Interview with Kamal Hamdan on Salary Adjustment


مقابلة عن موضوع تعديل الأجور والتحرك النقابي مع الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان، المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات.
 
1. ما هي أسباب التحركات والإضرابات التي يشهدها لبنان؟
لقد تزايدت إلى حدّ كبير الهوة بين تطور معدلات التضخم وتطور الأجور الاسمية (Nominal Wages) خلال العقد المنصرم، خصوصاً في القطاع العام. فعندما يرتفع معدل الأسعار وكلفة المعيشة (CPI) أكثر من 110% منذ عام 1996- ولا تقرّ الحكومة إلا تعديلين مرتجلين للأجور عامي 2008 و 2012 لا يزيد مفعولهما التراكمي عن 45% فقط - يصبح من الطبيعي قيام تحركات مطلبية تضغط على الحكومة الحالية لتصحيح الأجور وإقرار مشروع سلسلة الرتب والرواتب. وللتذكير فإن مجلس الخدمة المدنية هو الذي كان قد أطلق هذا المشروع في الأصل، وسارعت من ثمّ إلى تبنيه هيئة التنسيق النقابية. وتمثل هيئة التنسيق النقابية اليوم تكتلاً نقابياً منسجماً وعصبه الأساسي الأساتذة (لا سيما الثانويون منهم)، وتعتبر هذه الهيئة خارقة للطوائف وللأطر النقابية الرسمية، وقد ضمّت في صفوفها للمرة الأولى قطاعات واسعة من موظفي الإدارات العامة. وتنبع قوة هذا التكتل من وحدة مصالحه واستقلاله النسبي عن سيطرة الأحزاب، وهذا ما أتاح له ملء فراغ كبير في الساحة النقابية. ويعتبر موضوع تصحيح الأجور أمراً بالغ الأهمية ولا بد من العمل على تنفيذه، تحقيقاً للاستقرار الاجتماعي في البلد وتصويباً للعلاقة المختلّة بين الأجور وتكاليف المعيشة، مما يسمح للأجير باستعادة جزء مما خسره من قدرته الشرائية (Purchasing Power) في السنوات الأخيرة. والمعروف أن دول العالم المتقدم تقوم – بمعزل عن التصحيحات الموضعية السنوية للأجور- بمراجعة سلسلة الرتب والرواتب مرة  كل خمس إلى عشر سنوات، أما في لبنان فقد انقضى نحو 16 عاماً من دون أي مراجعة للسلسلة.  
 
2. ماذا عن دور وموقف الحكومة اللبنانية ولماذا ترفض المطالب؟
لم تعر الحكومات المتعاقبة بعد الحرب الأهلية أي اهتمام مستدام لموضوع الأجور عموماً. والواقع أن هذا الملف لم  يبرز ضمن أولويات هذه الحكومات، التي خصصت معظم اهتماماتها وجهودها ومواردها المتاحة لموضوعات أخرى، من بينها تأمين خدمة الدين العام (التي توازي نحو 3 مرات كلفة السلسلة) واللهاث وراء تغطية العجز في قطاع الكهرباء (الذي يكاد يوازي مرة ونصف المرة كلفة السلسلة) وتقاسم التعيينات الاداية وإدارة سياسات الانفاق العام بما يخدم علاقات التحاصص والانتفاع المتبادل بين أطرافها. ومن الواضح أن هذا التقصير هو أمر متراكم وليس وليد اللحظة. ولكن الحكومة الحالية عندما وجدت نفسها في مواجهة التحرك المطلبي بتصحيح الأجور، بادرت إلى إعلان مواقف تميّزت بقدر كبير من العشوائية من دون الاستناد إلى أية رؤية اقتصادية أو إلى قواعد معلومات موثوقة تسمح مسبقاً بتلمّس الأثر المالي والاجتماعي المترتب عن إقرار السلسلة.
بداية، أطلقت الحكومة مشروع السلسلة عبر مجلس الخدمة المدنية، وسرعان ما أقرت (ونفّذت) بندين منها فقط يتعلقان بتصحيح رواتب القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية، متجاهلة ترابط حلقات هذه السلسلة. ثم حاولت التراجع عما تبّقّى منها، عندما اشترطت إحالة المشروع إلى المجلس النيابي بتوفر مصادر التمويل. وبعد ذلك عمدت إلى تسويق صيغ متنوعة لبرنامج التمويل (أكثر من 12 صيغة رسمية أو شبه رسمية)، إلى الحدّ الذي لم يعد ممكناً فيه التعاطي بشكل جدي مع أي من هذه الصيغ، نظراً للتغير والتشتّت الدائمين في الاقتراحات الواردة فيها. والأخطر من هذا كله، أن الحكومة أخرجت موضوع تمويل السلسلة من مشروع موازنة عام 2013، ضاربة عرض الحائط مبدأ الشمولية في الانفاق الذي سبق لحكومة الوحدة الوطنية أن أقرته عام 2010، مع العلم أن هذا الأمر يتعارض مع مبدأ المحاسبة العمومية. وبشكل عام يتبيّن مما طرحته الحكومة من مقترحات للتمويل، أنها لم تستند إلى قواعد إحصائية راسخة أو إلى إسقاطات قياسية (Projections) شفافة، تظهر بتفصيل ووضوح تأثيرات صيغ التمويل على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وعلى واقع توزع الاقتطاع الضريبي بحسب الفئات الاجتماعية المختلفة. وقد بدا في معظم صيغ التمويل الحكومية المطروحة، أن الهم الرسمي الأساسي يقوم على محاولة إجراء "مقايضة" بين أطراف الطبقة الوسطى، بحيث تتحمل كلفة السلسلة بعض أطراف هذه الطبقة مقابل تصحيح أجور بعضها الآخر، وهذا ما يعفي بالتالي ذوي الأرباح والريوع والثروات العالية ورأس المال الكبير عموماً من تحمّل الوزر الأهم من كلفة تنفيذ السلسلة. ومن الواضح أن هذا التوجه يعكس استمرار النهج الرسمي القائم على منطق "تدبير الأحوال"، وعلى ارتجال الحلول التي قد تبدو قابلة للاحتمال في المدى القصير، ولكن تترتب عليها فعلياً نتائج اقتصادية واجتماعية ومالية باهظة الكلفة في المديين المتوسط والبعيد.
 
3. ما هي خيارات التمويل لمشروع السلسلة؟
نظرياً يمكن القول أن هناك ثلاثة حلول يمكن التفكير في اعتمادها لتمويل تكاليف السلسلة: إما زيادة الاقتراض وبالتالي المديونية العامة، أو الاستخدام المحض (والانتحاري) للوسائل النقدية - بما في ذلك التوسع في الإصدار النقدي وتشجيع التضخم وارتفاع الأسعار، أو زيادة الإيرادات العامة عبر المزيد من الاقتطاع الضريبي.
إن خيار تمويل السلسلة عن طريق زيادة اقتراض الدولة بهدف تغطية الارتفاع المحتمل في العجز السنوي، من شأنه أن ينعكس سلباً على المؤشرات الماكرو-اقتصادية الأساسية، بما في ذلك زيادة حجم المخاطر السيادية المترتبة على البلاد. وهذا ما ينعكس بدوره على نوع الشروط التي يفرضها المقرضون للبنان، سواء كان هؤلاء دولاً مانحة أو عملاء اقتصاديين في القطاع الخاص. وفي هذه الحال ينبغي أن نتوقع ارتفاعاً غير مسيطر عليه في معدلات الفائدة وبالتالي في تكاليف خدمة الدين العام، إضافة إلى ما ينطوي عليه ذلك من تأثيرات سلبية على معدلات النمو الاقتصادي والمؤشرات الماكرو-اقتصادية الأخرى. إن هذا الخيار لا يمسّ بمصالح الفئات المتوسطة والفقيرة فقط، بل قد تنسحب تأثيراته على المصالح الاقتصادية الأساسية للأوليغارشية المالية المسيطرة.
أما الخيار المتمثل في تمويل السلسلة عن طريق التوسع في استخدام الأدوات النقدية (بما في ذلك "التضخم الفالت" وطبع العملة)، فانه يبدو غير واقعي، وقد ينطوي على نتائج كارثية، سواء على المستوى الاقتصادي أم خصوصاً على المستوى الاجتماعي. وليس ثمة من يضمن في هذه الحال، أن لا تنسحب مفاعيله على المستوى الأمني أيضاً، في شكل انتفاضات على غرار ما حصل مؤخرا في بعض دول المنطقة، بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة. وللتذكير فإن لبنان قد عرف مثل هذا الخيار في ثمانينات القرن الماضي، حين وصلت نسب التضخم بين العامين 1984 و1992 إلى معدل سنوي وسطي يتجاوز 110%، وقد بلغ هذا المعدل ذروته عام 1987 حيث سجّل مستوى قياسي نسبته 505% .
ويمكن اعتبار الخيار المتمثل في زيادة حجم الاقتطاع الضريبي– إذا ما أحسنت هندسته - الخيار الواقعي الأقل كلفة، شرط اقترانه بإصلاحات في توجهات السياسة الضريبية، بحيث يصبح النظام الضريبي أكثر عدالة وفعّالية. ويتم ذلك عن طريق تحسين وضبط الجباية الضريبية عموماً، وزيادة الاقتطاع الضريبي على المداخيل الريعية (وبخاصة الأرباح العقارية) وعلى الشطور العليا من الدخل، وعن طريق تأكيد البعد التصاعدي على بعض أنواع الضرائب والرسوم غير المباشرة (الكماليات والسيارات الفخمة والكحول والتبغ مثلاً). وينبغي أن يتزامن ذلك مع الحرص قدر المستطاع على تجنيب الطبقتين الوسطى والفقيرة عبء الزيادة في هذه الضرائب، ومع توجه حاسم نحو "ضبضبة" مزاريب الهدر في الانفاق العام.
 
4. ما هي برأيك السياسة الضريبية وأنواع الضرائب التي يجب اعتمادها؟
إن التفصيل في عناصر السياسة الضريبية المطلوبة يفسح المجال أمام طرح العديد من الاقتراحات الملموسة. بداية ينبغي التفكير ملياً في إمكان استحداث ضريبة على التحسين العقاري أو في أسوأ الحالات على رفع معدل الرسوم على الاستثمار العقاري (البالغ راهناً نحو 6%) إلى المستوى الوسطي المطبق على الأرباح وتوزيعاتها في جميع النشاطات غير العقارية، والذي يصل في الوقت الحاضر إلى نحو 22%. ولا بأس من الاستفادة من واقع كون قيمة المعاملات العقارية توازي 12 مليار دولار سنوياً، كما يشكل الاستثمار العقاري أكثر من ثلثي إجمالي حجم الاستثمارات في البلاد. وفي موازاة ذلك،  يجب البحث في زيادة الرسوم على رخص البناء للمتر المربع وإقرار حلول شفّافة وحاسمة لمسألة المخالفات المتعددة الأشكال على الأملاك البحرية، هذه الحلول التي فشلت جميع الحكومات المتعاقبة في وضعها موضع التنفيذ، مع العلم أنه يوجد في لبنان نحو 8 ملايين متر مربع من المخالفات المتنوعة على هذه الأملاك. وتأكيداً للتوجه الرامي إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع وإعادة توزيع الدخل، لا بد من رفع معدلات الضريبة على قيمة الفوائد المصرفية، مع احتمال إسباغ نوع من التصاعدية على هذا المصدر الضريبي، أسوة بما هو قائم في البلدان المتقدمة. ولكن للأسف إن مختلف صيغ التمويل المطروحة من جانب الحكومة قد حاولت – بدل أن تخوض غمار الإصلاح الضريبي – أن توهم الناس بأنها "حيادية" من الناحية الضريبية، وأن ما تقترحه لتمويل السلسلة لن يكون له بالتالي أثر مباشر سلبي على المستوى المعيشي للفئات المتوسطة والفقيرة، ومن المؤكد أن هذا الادعاء غير صحيح.
 
5. كيف تفسر المواقف السياسية للأحزاب من التحرك؟
ليس هناك شك في أن معظم القوى السياسية الحالية تفتقد إلى رؤى اقتصادية واجتماعية واضحة ومحددة المعالم. فقوى الأكثرية الحالية تخضع إدارتها للشأن العام لنفس التوجات والسياسات العامة التي سادت على هذا الصعيد منذ انتهاء الحرب الأهلية، إضافة إلى انشغالها بالهموم السياسية والانتخابية المباشرة، وهي تفتقد إلى مركز قرار يبلور حلولاً ناجعة لمشاكل الناس ويرسم الخطط والبرامج لمعالجتها. أما قوى المعارضة الحالية - والتي استمرت مهيمنة على الحكم على مدى نحو عقدين منذ انتهاء الحرب الأهلية - فإنها قد عجزت أو هي لم ترغب أو تنجح في بلورة أي حلول للمشكلات المعيشية القائمة، وما تعلنه أو تفعله اليوم – على الأقل في ما يخص السياسات الاقتصادية والاجتماعية - يندرج في معظمه في إطار المزايدة السياسية وتصعيد الضغوط الهادفة إلى إحراج الحكومة. ولا يعفيها تبنّيها اللفظي للمطالب من المسؤولية، بل ربما تكون مسؤوليتها الفعلية مضاعفة في هذا الاطار، لأن قوى المعارضة ترتبط بعلاقات أوثق مع قطاع الأعمال، مما هو الحال بالنسبة إلى خصمها الأكثري. وبالتالي فإن خطابها الراهن الاقتصادي والاجتماعي المتعاطف مع التحرك المطلبي، لا يعدو كونه على الأرجح مناورة سياسية. ففي المطاف الأخير ينبغي التفتيش عن المصالح الحقيقية التي تقع في مكان آخر!
أما اليسار اللبناني، فقد لعب دوراً غير بسيط في هذه المعركة المطلبية، لكن الملاحظ أنه يبذل جهداً للحاق بالحركة النقابية، التي يبدو أن دورها الطليعي قد تجاوز سائر الأدوار (وهذا أمر مفهوم ومبرّر) . وربما يمكن لليسار لاحقاً أن يستفيد من الدروس والعبر الذي أفرزها تزايد الوعي الاجتماعي والنقابي، وأن يلعب دوراً أكثر فعالية وتأثيراً – إلى جانب هذه الحركة النقابية الجديدة الناشئة - لفرض إصلاحات في مجالات مكملة تتجاوز المسائل المطلبية البحتة، مثل السياسة الضريبية والسياسة الصحية ونظم الحماية والتأمينات الاجتماعية والتعليم الرسمي وإلى ما هنالك. وربما يشكل ذلك المدخل الأساسي لاستيعاب تصاعد نفوذ الحركات الأصولية على الساحة اللبنانية.
 
6. إلى أين تتجه الأمور بالنسبة للتحرك ولإقرار السلسلة؟
الأرجح أن يتجه الوضع نحو شكل من أشكال التسوية، بحيث يتم إقرار سلسلة للأجور بشكل أو بآخر، مع احتمال إدخال تعديلات عليها، تشمل من ضمن ما تشمله اعتماد نوع من التقسيط في تنفيذها. وهذا ما لا نتمناه، وأعتقد أن هيئة التنسيق النقابية سوف تقاوم فكرة التقسيط، وفي حال فرضت عليها، فإن القبول بها يجب أن يكون مشروطاً بانتزاع الموافقة من الدولة على تعويض التضخم الذي سينتج خلال فترة التقسيط.
 
أجرى المقابلة محمد أرملي، باحث في المركز اللبناني للدراسات.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.