Home | About LCPS | Contact | Careers
September 01, 2020
التشاركية في تعافي بيروت بعد الانفجار

هويدا الحارثي، أستاذة في الهندسة المعمارية والتصميم الحضري في الجامعة الأميركية في بيروت وهي مديرة الأبحاث في مختبر بيروت الحضري

في ضوء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، طلب المركز اللبناني للدراسات من الأستاذة هويدا الحارثي أن تعطي تصورها حول مقاربة تعافي المناطق المتضررة.
 
1. في ضوء الكارثة التي حلّت ببيروت في 4 آب 2020، يتبيّن وجود مقاربات مختلفة في التعاطي مع إعادة بناء المناطق المدمّرة والبنية التحتية المتضررة، فتأتي مقاربة التعافي الحضري مقابل مقاربة إعادة الإعمار. هلا شرحت لنا الفرق بين الاثنتين وما هي المقاربة الأفضل بالنسبة الى لبنان؟

تكثر مقاربات إعادة البناء المعتمدة في أعقاب الكوارث والنزاعات، إذ تعتمد على طبيعة المناطق وحجمها، وعلى الأضرار والمجتمعات المتضررة. كما تعتمد أيضاً على نظام الحوكمة ضمن الدولة وعلى مدى الجهوزية والاستعداد لمواجهة الكوارث فضلاً عن آليات الاستجابة المتاحة. ولطالما شكّلت إعادة الإعمار مقاربة تركّز بشكل كبير على البيئة المادية المبنية والبنية التحتية، كما يمكن اعتماد استراتيجيات متعددة لتنفيذها. وتتراوح هذه الاستراتيجيات بين الحفظ المطلق الذي يعيد البيئة المبنية إلى ظروف ما قبل الكارثة، واستراتيجية الصفحة البيضاء التي تمحو ما كان موجوداً وتغتنم الفرصة لبناء شيء جديد. في السنوات الماضية، برز التعافي الحضري كبديل لإعادة الإعمار. حتى أن التعافي كمفهوم قد تطور على مدى العقود الثلاثة الماضية، فتحوّل من مصطلح مرادف لإعادة البناء إلى عملية تشاركية مفتوحة تكون مستنيرة محليًا وراسخة اجتماعياً.

واليوم، لا بدّ من الدعوة إلى عملية تعافٍ شاملة تترافق مع برنامج للتعافي الاجتماعي ما بعد انفجار بيروت. فالتعافي المادي ليس مستقلاً عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تشكل المستوطنات البشرية؛ من هنا أهمية التخفيف أيضاً من نقاط ضعف المجتمع من خلال مخططات التعافي الاجتماعي العادل. ويجب أن يكون التعافي الحضري عملية اجتماعية شاملة ترسم معالمها الظروف السائدة ما قبل الأزمة وما بعدها. وتنطوي على ضمان الإبقاء على الروابط والعلاقات المجتمعية بين الناس. فالتعافي يصبح صعبًا عندما تُفرض على السكان عملية إعادة إعمار المدينة بعد الكارثة، مما يؤدي إلى تَهجِيرهم والى مزيد من الأضرار.
 
2. ما هي أنواع سياسات إعادة الإعمار التي طُبِّقت في لبنان في الماضي، خصوصًا بعد الحرب الأهلية وبعد حرب تموز 2006؟
 
بعد الحرب الأهلية لم يكن من سياسات أو أطر عمل لإعادة الإعمار. لم تكن الدولة مجهّزة أو ملتزمة بوضع مثل هذه العملية الهامة والحاسمة. بدلاً من ذلك، ركزت جهود إعادة الإعمار بعد الحرب على موقع واحد هو منطقة وسط بيروت التي حوّلتها إلى شركة خاصة، سوليدير، في ظل غياب دور الحكومة والشعب.
 
وفي أعقاب حرب 2006، جرى تطبيق نماذج مختلفة في المناطق المنكوبة. فحصلت عملية إعادة إعمار من أعلى إلى أسفل، كما حال مشروع "وعد"، حيث سيطر حزب واحد على إعادة إعمار حارة حريك نيابة عن السكان ووعد بإعادة بناء المنطقة كما كانت سابقاً وبإعادة الجميع إلى منازلهم. أما في مناطق أخرى، لا سيما قرى في جنوب لبنان، فقد عاود الناس بناء منازلهم من خلال سياسة الدولة التعويضية، مع غياب إطار عمل استراتيجي يراعي المساحات المشتركة والعامة أو التراث أو الخدمات أو نقاط الضعف التي كانت موجودة قبل الاعتداء.
 
ونرى على نقيض ذلك العمل الذي قامت به وحدة إعادة الإعمار التي أنشأها أكاديميون ومهنيون استجابة لحرب عام 2006 في قسم الهندسة المعمارية والتصميم في الجامعة الأميركية في بيروت. وقد دعت وحدة إعادة الإعمار إلى اعتناق مقاربة إعادة إعمار مجتمعية تأتي من القاعدة الى القمة، ونجحت في بعض القرى في الجنوب بدرجات متفاوتة. فقد عملت مع البلديات المحلية ووكالات التمويل لإنتاج إطار عمل استراتيجي للتعافي. في بنت جبيل، على سبيل المثال، توجّهت الجهود نحو تشكيل إطار عمل قائم على استرجاع التراث أنقذ العديد من المباني النسيجية والحجرية القديمة وحافظ في الغالب على الشبكات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت موجودة في المدينة قبل الحرب.
 
3. يتحدث العلماء عن كيفية "تحويل التراث العمراني إلى متحف" في لبنان من خلال المقاربة "المحافظة" بدلاً من مراعاة السياق الاجتماعي. هلا شرحت لنا الفوارق بين هاتين المقاربتين وكيف ينطبق هذا النقاش على بيروت اليوم في أعقاب الانفجار؟
 
ليس من مقاربة واحدة للتراث العمراني في لبنان على الرغم من اعتماد الممارسة القائمة على تحويل التراث الى متحف إلى حد كبير، وليس من توافق حول ما يشكّل التراث باستثناء الإطار القانوني الذي يحمي المواقع الأثرية والمباني التاريخية التي تم بناؤها قبل القرن الثامن عشر. وفي العديد من مشاريع إعادة الإعمار وإعادة التأهيل في البلاد، تمّ تأطير التراث كسلعة تستهلكها الصناعة السياحية. وقد رأينا ذلك مع مشروع إعادة إعمار بيروت بعد الحرب الأهلية، حيث لم يتم استخدام التراث العمراني لإعادة ربط الناس جسديًا واجتماعيًا وعاطفيًا بالأماكن والذكريات في عملية تجسّد كلاً من الذكرى وإحياء الذكرى.
 
عندما نستخدم مصطلح "التراث العمراني"، فإننا نهدف إلى الدعوة إلى تعريف أكثر شمولاً للتراث وإلى مقاربة شمولية لصون هذا التراث. فهو يتجاوز مجرّد الحفاظ على مبنى واحد وتحويله إلى أيقونة متجمدة من الماضي، فهو نسيج حضري يشكّل تراثاً حياً وممارسات اجتماعية مكانية ملموسة وغير ملموسة.
 
لهذا السبب يجب التعاطي من هذا المنظور مع التراث في أعقاب الانفجار وحماية النسيجين المكاني والاجتماعي اللذين يعيدان تعريف بعضهما البعض. عمد العلماء الى تعريف التراث على أنه بناء اجتماعي يختار من خلاله الناس من الماضي ما يخدم احتياجاتهم الحالية والمستقبلية كأفراد وكمجتمعات. وتلعب الذاكرة دورًا أساسيًا في هذه العملية. لذلك يشمل التراث مساحات للذكريات المشتركة ويكتسب معنى اجتماعياُ مهماً بالنسبة الى المجتمع.
 
4. كيف يمكن الشروع في تحسين البيئة المبنية وإنشاء مساحات عامة شاملة بطريقة تربط إعادة الإعمار بالنسيج الاجتماعي بشكل أفضل؟
 
إن أفضل طريقة لربط إعادة الإعمار بالنسيج الاجتماعي هي خلق عملية تشاركية تشرك الناس بالإضافة إلى تصميم مشروع التعافي الحضري بالتشارك مع المجتمع المحلي فيعالج الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمادية معًا بطريقة شاملة ومتكاملة.
 
5. كيف نحول دون تكرار تجربة سوليدير اليوم في المناطق المتضررة؟ وما هي بعض دراسات الحالة الناجحة التي يمكننا الاستفادة منها والتعلم منها؟
 
لو أردنا تفادي تكرار تجربة سوليدير، علينا تحديد المنهجية والأهداف الإشكالية التي اعتمدتها سوليدير ونفهم أين فشلت. لم تعتمد الشركة عملية تشاركية تشمل مختلف أصحاب المصلحة وأصوات الناس على اختلافها. بدلاً من ذلك، لاتخاذ قراراتها، تبنت نموذجًا مدفوعًا بالسوق. وفشلت سوليدير في دمج التراث ضمن رؤية شاملة، وبالتالي لم تنجح في تحقيق التعافي الثقافي. وأدى المخطط التوجيهي لعام 1991، ونسخته المنقحة، إلى محو الذاكرة بدلاً من إبراز التنوع المحلي والغنى الثقافي. فقد تبنت مقاربة الصفحة البيضاء في إعادة الإعمار. وخلقت تمزقًا حضريًا واجتماعيًا من خلال تطويق منطقة وسط بيروت التي جعلت منها منطقة حصرية بشرايين رئيسية مع تحويل التراث الى سلعة تعزز السياحة وتصنع صورة زائفة عن لبنان الموحد بعد الحرب. ترجع هذه النتائج السلبية لإعادة الإعمار بعد الحرب وإلى حد كبير إلى عدم وجود استراتيجية تشاركية تتعامل مباشرة مع أصحاب المصلحة المتضررين مثل مالكي العقارات والخبراء المحليين لابتكار رؤى بديلة للتخطيط الحضري والتكامل التراثي. كان من الواضح أن الأولوية هي للأيديولوجية النيوليبرالية القائمة على الربح والتي قللت من دور الحكومة وجذبت الاستثمار الخاص في الإسكان الفاخر والتجارة.
 
في النهاية، أخفق المخطط التوجيهي المنفذ عام 1994 في مراعاة التراث في منطقة وسط بيروت وإعادة ربط الناس بالمكان من خلال الذاكرة الحية. وهذه النتيجة التي نشهدها اليوم في وسط مدينة بيروت – وسط مدينة فاخر ومهجور إلى حد كبير بعد 30 عامًا من نهاية الحرب الأهلية – هي دليل على فشل مشروع إعادة الإعمار في مراعاة البعدين الاجتماعي والثقافي لوسط المدينة.
 
من الأهمية بمكان لأي عملية إعادة إعمار لمدينة ما بعد الكوارث / الحرب أن تكون جزءًا من التعافي الحضري الأوسع ليس فقط ماديًا بل أيضًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، مما سيراعي الشبكات الاجتماعية -المكانية التي تعود الى ما قبل الحرب والتي ربطت الناس بالمكان من خلال ممارساتهم وذكرياتهم. لذلك من المهم أن نتصور وننفذ عملية بديلة للتعافي من الكارثة، عملية تكون شاملة وتشاركية. عملية تسترشد برؤية مشتركة وغير مفروضة فرضاً.
 
 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.