Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


زافيريس تزاناتوس, رئيس سابق لقسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت وباحث مشارك في المركز اللبناني للدراسات


January 2017
توفير شبكة أمان اجتماعي والتعليم: متطلبات أساسية لبناء دولة حديثة

 
 
ضمن سلسلة من المقالات التي تسلّط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه لبنان، سعى المركز اللبناني للدراسات للحصول على مساهماتٍ من كبار الخبراء بشأن ما ينبغي أن تكون عليه أولويات الحكومة الجديدة. تقدّم هذه المقالة ثلاث اقتراحات، لايترتب عنها آثار مالية، لكنها تساهم في خلق اقتصاد شامل من خلال معالجة قضايا طويلة الأمد في مجالات  التأمين الاجتماعي، والتعليم، وفرص العمل من خلال وضع السياسات المستندة إلى الحقائق.
 
 
غالباً ما يترافق تشكيل الحكومات الجديدة مع ارتفاع في الآمال. غير أن الحكومات الجديدة تتلازم مع المبالغة في قطع الوعود. لذا، لا عجب في رؤية العديد من الحكومات، على الرغم من بقائها لفترة طويلة في الحكم، وعلى الرغم من الفرص الكثيرة التي تتاح لها، لا عجب في رؤيتها تسجّل إيجابيات محدودة، ولو أنّ هذه النتيجة تبقى محمودة إذا ما قارناها بحالات التراجع المأساوي الذي تشهده بعض الدول (كما الحال في أعقاب الربيع العربي وكذلك في فنزويلا واليونان). وليس من غير المألوف أن نشهد عودة الأعمال وبشكل سريع إلى وضعها الطبيعي، زوال التفاؤل، وعودة التهكّم.
 
وهنا لا بدّ من طرح السؤال حول الإرث الذي خلّفته الحكومات اللبنانية. شخصياً، إذا طُرح عليّ هذا السؤال، أجد صعوبة في ذكر أي إنجازات ولو قليلة حقّقتها الحكومات التي تتالت منذ بداية الألفية، باستثناء إنجازٍ واحد، وهو عدم العودة إلى النزاع الداخلي (تسمية مخفّفة للحرب الأهلية). لم يُنجز إلا القليل من ناحية جمع النفايات، وإمدادات المياه المتقطعة، وانقطاع الكهرباء، وتعثّر التعليم العام، ومحدودية التغطية الصحية أو تحسين الحكم. ولا يزال هناك نقص في وسائل النقل العام، والطرقات الجديدة، والبنية التحتية، والتخطيط المُدني. ولا علاقة لذلك كلّه بتعدّد الطوائف في البلاد أو بالتحزبات السياسية. كلّ مواطن لبناني، بغض النظر عن معتقداته، يودّ الحصول على ما تقدمه أيّ دولة أخرى ذات دخل متوسط عالٍ لمواطنيها. دعونا لا ننسَ أنّ معدّل دخل الفرد في لبنان هو الأعلى بين الدول العربية باستثناء منطقة الخليج.
 
مع ذلك، لا يمكن للتركيبة السياسية الجديدة في لبنان إلاّ أن تبعث إلى الأمل. وهذه فرصة أخرى لا ينبغي تفويتها إذا كان للتاريخ ألا يعيد نفسه ولو لمرّة واحدة. وغنيّ عن القول إنه لا ينبغي تأجيل عملية إطلاق الخطط التي تتعلق بتوفير وجودة الخدمات العامة المذكورة أعلاه. ولكن ما الذي يمكن إنجازه في بلد حيث الأكثر والأفضل ضرورتان لا مفرّ منهما في كل شيء؟
 
ثمّة بعض الأمور التي يسهل تحقيقها، شريطة أن تتوفّر الإرادة السياسية. الأمور الثلاثة التالية قادرة على تحقيق أثر شامل مقابل تكلفة مالية بسيطة أو معدومة. حتى الحيّز المالي المحدود قادر على تحقيق الكثير إذا تمّ الحدّ من الهدر والمحسوبية وتمّ توجيه الإنفاق إلى المجالات التي تعود بفوائد اجتماعية واسعة.
 
أولاً، على لبنان العمل على الخروج من فئة الدولة متوسطة الدخل التي لا تزال عاجزة عن توفير المعاشات التقاعدية لعامليها من خارج القطاع العام. في العام 2010، طلب بطرس حرب، وزير العمل آنذاك، من منظمة العمل الدولية والبنك الدولي تقديم إطاراً لتأمين المعاشات التقاعدية للعاملين في القطاع الخاص. وسرعان ما استجابتا وتمّ إعداد مشروع قانون بهذا الصدد. لكنه بقي مجرّد مشروع على غرار مشروع قانون العمل الذي بقي حبراً على ورق منذ التسعينيات. في الواقع، لا يزال لبنان يطبّق قانون عمل قديم يعود للأربعينيات. 

ثانياً، على لبنان أن يردم الهوّة بين التعليم العام والخاص. لقد زرت أكثر من سبعين دولة ولا تخطر في بالي واحدة حيث عدد الأطفال الملتحقين ​بالتعليم الابتدائي في القطاع العام أدنى من الذين يلتحقون بالتعليم الذي توفّره المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص. في الواقع، التعليم الذي تؤمّنه المنظمات غير الحكومية يستفيد من المال العام، وهو أمر يجهله على الأرجح أولياء الأمور، مما يؤدي إلى تقديم العديد منهم الولاء للمنظمات غير الحكومية وليس لحكومتهم. أما من حيث الجودة، فنظام التعليم اللبناني المتتغنّى به واقعٌ بين ​​عالمين: قطاع خاص عالي الأداء وقطاع عام متقاعس. والنتيجة هي أن العديد من التلامذة اللبنانيين لا يتجاوزون مرحلة البروفيه. وهم بالتالي يعجزون عن الهجرة فيجدون أنفسهم في أدنى شرائح القطاع غير النظامي الذي لطالما هيمن عليه من هم من غير اللبنانيين، وبشكلٍ أكبر في الآونة الأخيرة.
 
ثالثاً، على لبنان أن يعتمد السياسات القائمة على الأدلّة. فحتى الدول الإفريقية المعدمة لديها إحصاءات أفضل من لبنان. مع الإعتراف بأنّ التبرير في جزء منه يعود إلى أن أفريقيا تتلقّى المساعدات الدولية والمانحون يريدون أن يعرفوا أين تُنفق أموالهم. للأسف، يبدو أن الجهات المانحة متراخية حول كيفية إنفاق المساعدات بمليارات الدولارات التي قدمتها بانتظام للبنان. كما أنّ غياب التعداد السكاني يعيق تصميم العيّنات التمثيلية الضرورية لأي مسح والتي يمكن استخدامها بشكل موثوق لتصميم السياسات الفعّالة والملائمة. لا فائدة من محاولة التكهّن لمعرفة من هي المجموعة الدينية الأكبر. نحن نعرف من هي المجموعة الأكبر والأصغر منها والأصغر منها... ولكن غياب المعلومات حول حجم السكان، وتوزيعهم المناطقي، وخصائصهم الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن الجوانب الأخرى ذات الصلة بالحياة العامة والخاصة، هي وصفة ضامنة للفشل السياسي.
 
دعونا نتخيّل ما سيكون عليه لبنان لو تم تناول هذه المجالات الثلاث، ولو اعتمدت حكومته السياسات الاقتصادية والتوظيفية والإجتماعية القائمة على الأدلة، ولو كان مستوى عمّاله التعليمي أعلى، ولو تمتّع مواطنوه بنظام تأمين إجتماعي سليم. لو قُدّر لذلك أن يتحقق، سيكون الربح إضافياً: إنخفاض معدلات الهجرة في صفوف اللبنانيين اللامعين والأكثر نجاحاً، إرتفاع الإنتاجية، تحقيق المزيد من الثروات، وتراجع نسبة الإقصاء والتناحر الطائفي. حتى أنّ ذلك من شأنه أن يساعد في تكوين هوية وطنية وتبنّيها، وهو أمر قد غفل عنه اللبنانيون بشكل كبير خلال تاريخ الجمهورية الحديثة. بناء الدولة ليس بعيد المنال، شرط أن يوافق السياسيون على الخروج قليلاً من منطقة الراحة التي اعتادوها والتخلّي عن فكرة كسب العيش على حساب الإنقسام الحاصل في البلاد. من شأن ذلك أن يعطي الحكومة الجديدة الفرصة لترك إرث كبير، وهو ما فشلت الحكومات السابقة في السعي من أجله أو إنجازه.
 
يمكن للحكومة الجديدة أن تبدأ بالنظر في واقعين بسيطين. أولاً، تنطوي الإستراتيجية على اتخاذ القرار بشأن ما يجب استبعاده. ثانياً، إذا لم تتحقّقوا من الوقائع ستلحق الوقائع بكم، وعلى الأرجح على حساب البلاد. ولا يمكن للبنان أن يستمر بدون معاشات تقاعدية وحماية إجتماعية. لا يمكن للبنانيين الإستمرار  بالشعور بالضعف والهجرة. على الحكومة أن تعي إلى أي مدى تتسبّب المنح التي تعطيها للقطاع الخاص لتقديم الخدمات الاجتماعية والمنافع العامة بتقسيم المواطنين وإلى أي مدى تساهم في استمرارية الإقصاء وعدم المساواة، مما يؤجّج السلوكيّات الطائفية. دعونا إذن نركّز على هذه الأمور سهلة المنال. أي شيء آخر سيكون ربحاً إضافياً.
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.