Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


اسحق ديوان وجمال إبراهيم حيدر, تباعا" باحث زائر من مؤسّسة الكويت لدى جامعة هارفارد وزميل باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد


March 2017
خلق الوظائف من خلال السياسات المواتية للسوق لا الشركات

ضمن سلسلة من المقالات التي تسلّط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه لبنان، سعى المركز اللبناني للدراسات للحصول على مساهماتٍ من كبار الخبراء بشأن ما ينبغي أن تكون عليه أولويات الحكومة الجديدة. وقد طرح خلق عدد كاف من الوظائف لتشغيل اليد العاملة اللبنانيّة تحديًا أساسيًّا للبلد، مع أنّ لبنان قد أرسى بيئة من السياسات المواتية للأعمال. ويحتجّ ملخص السياسات هذا بأن السياسات التي تدعم شركات معيّنة غير بنّاءة. ويتعيّن على صانعي السياسات اللبنانيّين بدلاً من ذلك اعتماد نهج أوسع نطاقًا ومواتياً للسوق، يتضمّن الإصلاحات المؤسّسيّة للحدّ من تكاليف المعاملات بين الشركات والدولة والارتقاء بالتنافس.
 
يتمتّع لبنان بميزة مقارنة لجهة اليد العاملة الماهرة، التي تتيح للبلد إمكانيّة التحوّل إلى مركزٍ رائدٍ للخدمات والتكنولوجيات الحديثة في الشرق الأوسط. وينجم عن هذا التطوّر خلق الوظائف العالية المردود للشباب المتعلّم في قطاعات التعليم، والصحة، والمصارف، والإعلام، والسياحة، والتكنولوجيا الحديثة والأعمال التجاريّة الزراعيّة. غير أنّ القطاع الخاص في لبنان يعاني، والكثير من المتخرّجين الشباب يهاجرون في نهاية المطاف إلى بلدان تقدّم لهم فرصًا أفضل، حارمين لبنان من إمكانيّة إسهامهم في ازدهاره.
 
تتمثّل الحجّة الأساسيّة لهذا الملخص في أنّ الوضع السابق ذكره يُعزى إلى حدّ كبير إلى السياسات الاقتصاديّة الّتي تُسمّى بالمواتية للشركات، من غير أن تكون في الواقع مواتية للسوق. فمن شأن بيئة الأعمال المواتية للسوق أن تتيح لجميع الشركات إمكانيّة المنافسة العادلة على حصص السوق، كما تشجّع المواهب الجديدة على إنشاء الشركات ودعم الشركات الصغيرة والمتوسّطة الموجودة والحسنة الإدارة، حتّى تنمو وتحقّق النجاح. غير أنّ البيئة الحاليّة المواتية للشركات تدعم بعض الشركات الكبيرة، ويتمّ ذلك في معظم الأحيان على حساب المنافسين الأصغر حجمًا والّذين ليس لديهم الشبكة نفسها من العلاقات.
 
وفي ظلّ البيئة الحاليّة، يُعاني أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسّطة من البيروقراطيّة منذ اليوم الأوّل لإنشاء الشركة. ويتضمّن ذلك اجتياز دهاليز معقّدة من الأنظمة ودفع عدد من الرشاوى، إذ يُضاف وهن المؤسسات الحكوميّة إلى آثار الأنظمة المعقّدة والمنفّذة على نحوٍ غير متكافئ. وعلى سبيل المثال، يحتاج صاحب مشروع محلّي لتأسيس شركة إلى رأسمال أوّلي قيمته 3,219 دولار على الأقلّ، أي ما يساوي 40.6% من متوسط دخل الفرد، مقابل 1.6% من متوسط دخل الفرد اللازم في الولايات المتّحدة[1].
 
ويسهم إلغاء شرط الحدّ الأدنى المطلوب لرأس المال، مع غيره من المتطلّبات المكلفة – مثل موجب فتح حساب مصرفي وتعيين محامٍ – بالإضافة إلى زيادة فاعليّة السجّل التجاري، في الحدّ من الإجراءات والتكاليف والوقت المطلوب لإنشاء شركة.
 
كذلك، باستطاعة الشركات الموجودة أن تقدّم أداءً أفضل بكثير لولا الإجراءات البيروقراطية الّتي تعيق جهودها الآيلة إلى خلق القيمة. فمن شأن إلغاء البيروقراطيّة وتبسيط الأنظمة، بما في ذلك عمليّة تسجيل الملكية، ودفع الضرائب، والتقاضي، والتجارة الدوليّة، أن يخفّض من التكاليف، وأن يتيح للشركات التركيز على الإبداع والفاعليّة. ولا بدّ من الأخذ بالاعتبار أنّ الاستحصال على الرخص اللازمة لإنشاء مستودع يستغرق 244 يومًا. ويمكن للبنان أن يتعلّم من أكثر من خمسين بلدًا أصلح أنظمة رخص البناء لديه خلال السنوات الخمس الأخيرة. ويمكن للبنان على سبيل المثال أن ينفّذ قواعد "الصمت علامة الرضى"  الموجودة أصلاًعلى المستوى البلدي، وأن يبسّط الموافقة على التصاميم من نقابة المهندسين للحدّ من الإجراءات والتأخير ذات الصلة، وأن يحوّل عمليّة تبليغ الشرطة إلى عمليّة داخليّة، من خلال الطلب من البلديّات أن تخطر سلطات إنفاذ القانون بشأن إصدار رخصة بناء.
  
ويُعدّ الكثير من هذه الإصلاحات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال "أرباحًا سريعة" لأنّها إداريّة أساسًا في طبيعتها، ويمكن إنجازها في غضون سنة واحدة أو أقلّ من خلال العمل الوزاري. أمّا السبب في عدم تطبيقها حتى الآن، فيكمن في تركيز اهتمام صانعي السياسات على حاجات قلّة من الشركات الكبيرة، بدلاً من تلبية حاجات الشركات الصغيرة.
 
وبالفعل، تشير الأدلّة المنبثقة عن دراسة حديثة على أنّ أحد الأوجه الأساسيّة للأنظمة في لبنان يكمن في أنّها تُدار بما يصبّ في مصلحة عدد قليل من الشركات الكبيرة الّتي تتمتّع بمواقع مميزة بفضل علاقاتها السياسيّة.
 
وبالإضافة إلى ثني الحكومات عن الاهتمام بحاجات الشركات الصغيرة، فإنّ إسداء الخدمات للشركات الكبيرة والمدعومة سياسيًّا يترك أثارًا سلبيّةً عميقة على أداء اقتصاد السوق. وتُضعف سيطرة هذه الشركات عمليّة خلق الوظائف، من خلال خفض الضغوط التنافسيّة في القطاعات التي تنشط فيها. وفي حين تقدّم هذه القطاعات مدخلات مهمة لقطاع التصدير، فهي تضعف أيضًا إمكانات التصدير للبنان من خلال خفض التنافسيّة.
 
وقد بيّنت أبحاثنا الأخيرة أن العديد من القطاعات المهمّة بالنسبة إلى النموّ الاقتصادي تتصف بمستويات عالية من تركّز السوق في لبنان، وأنّ ذلك يُردّ في العديد من الحالات إلى الامتيازات السياسيّة الّتي يتمتّع بها بعض الشركات المختارة. وتتضمّن هذه الامتيازات التي تتيح للشركات التي تتمتّع بعلاقات جيّدة تطوير مزايا واسعة النطاق من حيث الكلفة مقارنةً بمنافسيها غير المدعومين، معاملة تفضيليّة من جانب الجهات الناظمة، ما يؤدّي، من بين جملة مزايا أخرى، إلى نفاذ أفضل إلى المشتريات الحكوميّة، وتساهل في تطبيق الأنظمة، أو نفاذ أفضل إلى الأراضي. ولا غرو في ظلّ هذه الظروف أنّ تكون 61% من الشركات اللبنانيّة التي استطلعها البنك الدولي قد أبلغت أن الفساد يُعدّ بين أهمّ القيود التي تعيق عمليّاتها[2]. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أنّ 30.2% من الشركات قد أبلغت أنّها تتوقّع دفع الرشاوى لضمان العقود الحكوميّة، في حين توقّع 41.8% من الشركات دفع الرشاوى للحصول على رخص البناء.
 
وتشتمل القطاعات الّتي تسيطر عليها الشركات المدعومة سياسيًّا في لبنان على المصارف، والإعلام، والتعليم، والطاقة، والصحّة (المستشفيات إضافة إلى استيراد الادوية وتوزيعها)، وبناء العقارات، وتعبيد الطرق، واستخراج المياه وبيعها، والمناجم (التي تتضمّن على المقالع)، والاتصالات، والمشروبات الخفيفة، وإنتاج الأدوية. وتتمتّع الدولة بالنفوذ في جميع هذه القطاعات، عبر الرخص على سبيل المثال، أو تطبيق قوانين تصنيف الأراضي، أو تنظيم جودة الخدمات في المدارس والمستشفيات، أو السيطرة على المشتريات الحكوميّة. وفي جميع هذه القطاعات، تمارس العلاقات السياسيّة الضغط على الموظفين الحكوميّين للتساهل أكثر تجاه الشركات المدعومة سياسيًّا، ما يتيح لها اكتساب مزايا غير عادلة في السوق.
 
وتضطلع الشركات المدعومة سياسيًّا بدور بارز في الاقتصاد. وهي تشكّل 43% من مجموع الشركات الكبيرة في لبنان (الّتي تضمّ أكثر من مئة عامل)، وتوظّف نحو 16% من اليد العاملة (النظاميّة)، كما تميل إلى السيطرة على القطاعات الّتي تعمل فيها. وتسيطر هذه الشركات المدعومة سياسيًّا مجتمعةً على 70% من السوق في القطاعات التي تعمل فيها كمعدّل. وتجدر الإشارة إلى أنّ الشركات المدعومة سياسيًّا في لبنان تسجّل أيضًا مستوىً أدنى من إنتاجيّة اليد العاملة مقارنة بالشركات غير المدعومة من القطاعات التي تعمل فيها. ويؤشّر ذلك إلى أنّ قوّتها تكمن في أفضليّة الكلفة التي تتمتّع بها بفضل امتيازاتها وليس بدافعٍ من اعتمادها لطرائق تنظيم أكثر نجاعةً، أو تعيينها لمدراء أكثر مهارةً، أو استخدامها لتكنولوجيّات أكثر كفاءةً.
 
إلى ذلك، فإنّ وجود شركة مدعومة سياسيًّا يحبط الحركة في كامل القطاع الّذي تنشط فيه، والّذي يسجّل على وجه الخصوص نتيجةً لذلك معدّلاً أدنى من تأسيس الشركات وخلق الوظائف الجديدة. ولا تنحصر المشكلة الأساسيّة في أنّ الشركات المدعومة سياسيًّا تشهد نموًا أكبر من منافسيها، وإنّما في كونها تردع نموّ منافسيها، ما يضرّ بإمكانيّات النموّ الاقتصادي. وبالفعل، يتضّح من دراساتنا أنّ الشركات المدعومة سياسيًّا وعلى الرغم من مساهماتها المباشرة في نموّ العمالة، فإنّ سيطرتها على قطاع معيّن يؤثّر على خلق الوظائف لدى منافسيها، ما يترك في نهاية المطاف أثرًا سلبيًّا على القطاع ككلّ لجهة العدد الإجمالي للوظائف الجديدة. وفي النتيجة، تفقد هذه القطاعات المستوى الوسطي لجهة توزيع نموّ الشركات، ما يعني أنّها تميل لأن تصبح متعارضة، ومقسّمة بين شركات كبيرة وغير كفؤة تتمتّع بشبه احتكار، وبين شركات صغيرة وغير كفؤة تفتقر إلى القدرة على الابتكار والنموّ.
 
وتشير هذه النتائج إلى أنّ الشرط المسبق لتحسين أداء الشركات في لبنان يكمن في إعادة التنافس العادل والنشط كمبدأ محوري لاستراتيجيّة النموّ في البلد. وتعود السياسات العامّة التي تشجّع الشركات الجديدة على دخول الأسواق بالمنفعة، شأنها شأن المبادرات الّتي تتيح لها النفاذ إلى الائتمان التفاضلي، أو إلى مجال في المناطق الصناعيّة. ولكن إن لم تتوافر الشروط الّتي تتيح لهذه الشركات الاستمرار بالنموّ وزيادة حصصها في السوق، فإنّ أيّ جهد وطني للتشجيع على إنشاء المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة الحجم محكوم بالفشل.
 
ولا يتطلّب تحسين التنافس إنشاء مؤسّسات حكوميّة جديدة. ولكن، من الضروري ضمان العدالة في عمل المؤسسات القائمة، الّذي لا يجب أن يصبّ في مصلحة نخبة مدعومة سياسيًّا. وينطبق ذلك على جميع المؤسّسات الّتي تتمتّع بالنفوذ على نموّ القطاع الخاص، بدءًا من السلطات الضريبيّة، مرورًا بالجهات المسؤولة عن إنفاذ حقوق المستهلك وجودة المنتجات (كما في قطاعي الصحّة والتعليم على سبيل المثال)، وصولاً إلى الإدارات الّتي تمنح رخص الأراضي أو تصدر تصاريح البناء أو الأعمال. ويمكن لهذه الحكومة أن تشرع في دعم هذه الخطوات على نحو فعليّ، من خلال إصدار المراسيم التي تعالج النواحي المختلفة كاعتماد نهج المحطّة الواحدة لتسجيل الشركات؛ والحدّ من إجراءات تسجيل الشركات؛ والحدّ  من عدد الإجراءات اللازمة لاستصدار رخصة بناء؛ وخفض الوقت اللازم لاستصدار رخصة بناء؛ وتخفيف الكلفة؛ والدمج بين بعض الإجراءات وإلغاء بعضها الآخر، والتقليل من الوقت اللازم لتسجيل الممتلكات؛ وزيادة متطلّبات الإفصاح المالي؛ وإتاحة التصريح عن الضرائب ومعالجتها إلكترونيًّا؛ وتحسين الشفافية في أنظمة التجارة والمناقصات العامة؛ واستخدام التفتيش القائم على المخاطر؛ واعتماد مقاييس الأداء للقضاة. ففي جميع هذه الحالات، تدعم الاستنسابية الّتي يمارسها البيروقراطيّون الضغوط الّتي تمارسها النخبة المدعومة. وتكمن الطريقة الفضلى لضمان تكافؤ الفرص في الحدّ من الاستنسابية عن طريق اعتماد قواعد بسيطة ومزيد من الشفافيّة.
 
تؤدّي هذه التغييرات الضروريّة إلى تغيير في العقليّة. فاستراتيجيّة عدم التسامح  هي الفضلى للانتقال من المأزق الحالي، الّذي وصل فيه حجم الفساد إلى درك بات يغطّي على عيوب فرادى الجهات الناظمة، بما يحثّ غير الفاسد على اتّباع سلوك المنافسين الفاسدين. ولا شكّ أن لهذه الاستراتيجيّة أهميّة محوريّةً في إرساء واقع جديد، تدرك فيه الشركات أن الفساد نادر، وأنّ أيّ محاولة في هذا الاتّجاه ستكون واضحة وستتم المعقابة عليها بسهولة. ومن شأن التركيز المبكر على حالات فساد سافرة أن يقطع شوطًا كبيرًا في تبيان انطلاق مرحلة جديدة من عدم التسامح، وسيادة حكم القانون على الدوافع السياسيّة القصيرة النظر.
 
ويعتبر الانتقال من نظام اقتصادي مواتٍ للشركات إلى آخر مواتٍ للسوق ضروريًّا ومؤاتيًا بالنسبة إلى لبنان. وتلقي التوصيات السابق ذكرها الضوء على تغييرات يمكن تنفيذها حالاً. وسبق لعدد من البلدان أن نجح في إدارة برامج للإصلاحات التنظيميّة، التي تعتبر معايير مرجعيّة لقياس كفاءة صانعي السياسيات في البلدان المعنيّة. وكذلك، فمن شأن تنفيذ الإصلاحات المبيّنة أعلاه أن يؤدّي إلى نتائج ملموسة، وأن يبني الثقة على الصعيد الوطني في وزارة الماليّة ووزارة الاقتصاد والتجارة، كما على المستوى البلدي. ويكتسي ذلك أهميّة كبيرة في ظلّ هذه الأوقات العسيرة. وإلى ذلك، باستطاعة هذه الإصلاحات أن تعزّز قدرة الدولة وأن تمهّد الطريق لتنفيذ سياسات صناعيّة ذكيّة، من شأنها أن تطلق مع الوقت فرص نموّ أكبر في قطاعات جديدة وناشئة.
 
 
 
[1] قاعدة بيانات تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017 – البنك الدولي
[2] قاعدة بيانات استطلاعات المؤسسات 2013 – البنك الدولي، آخر النتائج بشأن لبنان








Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.