Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


May 2017
ما هي الخطوط التي تنقسم على أساسها النخبة السياسيّة في لبنان؟

مرّت ثماني سنوات ولا يزال لبنان من دون قانون انتخابيّ. وعلى الرغم من الاقتراحات الكثيرة والاجتماعات المتعدّدة في مجلس الوزراء واللجان النيابية، تبدو الأطراف السياسيّة أكثر ميلاً إلى تنظيم انتخابات وفقاً لقانون الستّين أو تمديد ولاياتها بشكل غير شرعيّ منها إلى إصدار قانون انتخابيّ جديد. ومن شأن المجلس المنتخب وفقاً لقانون انتخابيّ جديد أن يعيين رئيس لمجلس الوزراء، وتشكيل حكومة، والتصويت على الثقة للحكومة والإشراف على أداء الحكومة، وإقرار تشريعات أو المصادقة عليها. لكنّ عجز النخب السياسيّة عن إصدار قانون انتخابيّ جديد بعد أكثر من ثماني سنوات على مناقشة هذه المسألة ناجم عن مشكلة أعمق تعود إلى اتّفاق الطائف.

فمنذ التسعينيّات حتّى العام 2005، كان القانون الانتخابيّ من صلاحيّات النظام السوريّ، وكان مخصّصاً لانتخاب نوّاب محسوبين على القيادة السوريّة ومعاقبة أولئك الذين يُعتبرون معارضين لها أو إضعافهم. ومنذ خروج الجيش السوريّ في العام 2005، أظهرت الأطراف السياسيّة عجزها عن حلّ النزاعات في ما بينها. وتفاقم الوضع مع دخول مزيد من الأطراف السياسيّة إلى المعادلة في ظلّ انخفاض الريوع، ما أدّى إلى تراجع التدفّقات الماليّة التي كانت تساهم في تسهيل الصفقات السياسيّة بين النخب. وعلى مدى عشرة سنوات تقريباً، بالكاد كانت الحكومات اللبنانيّة قادرة على تولّي زمام السلطة، وليس من باب الصدفة أنّه لم يتمّ إقرار موازنة للدولة منذ ذلك الوقت.

وينبغي اعتبار انتخابات 2009 النيابيّة خروجاً عن القاعدة بما أنّها جرت بعد سنوات من الشلل أدّت إلى أعمال عنف في أيار 2008 وتدخّل قطر لإعادة النظام في لبنان. وكان من المفترض أن يساهم هذا الاتّفاق في إعادة الوضع إلى طبيعته نوعاً ما في لبنان مع توافق الأطراف السياسيّة حول مجموعة من القرارات، بما في ذلك قانون انتخابيّ ورئيس جمهوريّة ورئيس وزراء وحكومة، لكنّه لم يدم طويلاً.

ولم يقتصر الشلل على السلطة التنفيذيّة، إذ إنّ أداء مجلس النوّاب لم يكن أفضل بكثير. فمع أنّ قوانين كثيرة صدرت بين العامين 2009 و2017، إلا أنّ جزءاً صغيراً منها تطلّب جهداً تشريعيّاً وتطرّق مباشرة إلى حاجات الشعب ومخاوفه. وفي ظلّ عجز مجلس النوّاب أيضاً عن انتخاب رئيس للجمهوريّة بعد عقد خمس وأربعين جلسة برلمانيّة خصّيصاً لهذه الغاية، وبعد فراغ سياسيّ دام ثلاثين شهراً، برز انتخاب ميشال عون في تشرين الأول 2016 كمؤشّر على تغيير في الاصطفافات السياسيّة.

ومع أنّه يمكن اعتبار ذلك بداية جديدة نظراً إلى أنّ الحكومة الجديدة التي تشكّلت برئاسة سعد الحريري اتّخذت قرارات مهمّة، بما في ذلك مراسيم بقيت عالقة في مجلس الوزراء لسنوات، إلا أنّ الاصطفاف السياسيّ الجديد فقد زخمه سريعاً. ويُعتبر الفشل الأكبر لهذه الحكومة عجزها عن إقرار قانون انتخابيّ جديد. وفيما يعزو البعض عدم إقرار قانون انتخابيّ إلى التطوّرات الإقليميّة، لجأ أطراف آخرون بشكل متزايد إلى الكلام الطائفيّ للحفاظ على السلطة.

تملك الأطراف السياسيّة آراء متنوّعة بشأن القوانين التي ينبغي أن ترعى الانتخابات. وقد أجرى المركز اللبنانيّ للدراسات مقابلات مع 65 نائباً من بين النوّاب الـ 128 الذين وافقوا على التحدّث معنا، وسألهم أيّ قانون انتخابيّ يفضّلونه. ومن بين الخيارات السبعة، اختار 29% من النوّاب "خيارات أخرى"، ما أظهر غياب التوافق حول قانون انتخابيّ. وقال 23% من النوّاب إنّهم يؤيّدون أن يكون لبنان دائرة واحدة مع تمثيل نسبيّ من خارج القيد الطائفيّ، فيما يؤيّد 14% منهم قانون فؤاد بطرس (مختلط بين دوائر صغرى وكبرى وبين النظامين النسبيّ والأكثريّ). ويدعو 14% من النوّاب إلى اعتماد دوائر صغرى مع نظام أكثريّ، فيما يؤيّد 9% منهم القانون الأرثوذكسيّ، ويدعم 6% منهم قانون الستّين (نظام أكثريّ على مستوى القضاء)، ويفضّل 6% الدوائر الفرديّة.

عند النظر عن قرب إلى البيانات، نلاحظ اختلافات غير مفاجئة بين الكتل. ففيما تؤيّد كتلة نواب تيّار المستقبل قانون فؤاد بطرس، يُظهر تكتّل التغيير والإصلاح وكتلة نواب القوّات اللبنانيّة تأييداً صغيراً له، ولا تؤيّده الكتل الأخرى على الإطلاق. ويلقى مشروع لبنان الدائرة الواحدة تأييداً من كتلة الوفاء للمقاومة، وكتلة التنمية والتحرير، وتكتّل التغيير والإصلاح، فيما لا تؤيّده الكتل الأخرى.

وما يثير المفاجأة أكثر هو ثلاث ملاحظات أخرى. أوّلاً، هناك اختلافات ضمن الكتل أكثر ممّا هناك بينها. فلنأخذ على سبيل المثال كتلة نواب تيّار المستقبل، التي هي أكبر كتلة في مجلس النوّاب اللبنانيّ. لقد اختار نوّابها خمسة أجوبة مختلفة. فقد اختار عشر نوّاب "خيارات أخرى"، وأيّد ثمانية منهم "قانون فؤاد بطرس"، واختار خمسة منهم دوائر صغرى (أصغر من القضاء) مع نظام أكثريّ. وهذه هي أيضاَ حال تكتّل التغيير والإصلاح، ثاني أكبر كتلة في مجلس النوّاب. فثلاثة من نوّابه يؤيّدون القانون الأرثوذكسيّ، فيما يؤيّد ثلاثة آخرون دوائر صغرى مع نظام أكثريّ، ويدعو نائبان اثنان إلى "لبنان دائرة واحدة"، ويفضّل نائبان "خيارات أخرى"، ويؤيّد نائب واحد قانون فؤاد بطرس. وسجّلنا هذه الحالة أيضاً في كتل أخرى.

نظراً إلى التركيبة الطائفيّة لمجلس النوّاب، نميل إلى الاعتقاد أنّ النوّاب المنتمين إلى الطائفة نفسها سيؤيّدون الخيارات نفسها كما يصوّر لنا الإعلام في غالب الأحيان. لكنّ الواقع هو عكس ذلك. على سبيل المثال، تتوزّع تفضيلات سبعة عشر نائباً مارونيّاً على ستّة خيارات: ثلاثة نوّاب يؤيّدون القانون الأرثوذكسيّ، ونائب واحد يؤيّد لبنان دائرة واحدة، وأربعة نوّاب يؤيّدون الدوائر الصغرى مع نظام أكثريّ، ونائبان اثنان يؤيّدان قانون فؤاد بطرس، وخمسة نوّاب يدعمون الدوائر الفرديّة، ونائبان يفضّلان خيارات أخرى. أمّا النوّاب السنّة فتتوزّع تفضيلاتهم على خمسة خيارات: نائبان اثنان يدعمان القانون الحاليّ، وأربعة نوّاب يؤيّدون لبنان دائرة واحدة، وسبعة نوّاب يؤيّدون قانون فؤاد بطرس، ونائب واحد يدعم الدوائر الصغرى مع نظام أكثريّ، وستّة نوّاب يفضّلون خيارات أخرى. ويبدو النوّاب الشيعة أكثر توافقاً من غيرهم بما أنّ تفضيلاتهم تنحصر في ثلاثة خيارات، لكنّ سبب ذلك قد يكون أنّنا تمكّنا من مقابلة عشر نوّاب فقط من أصل سبعة وعشرين نائباً شيعيّاً، وهي نسبة أدنى من نسب الطوائف الأخرى.

أمّا الملاحظة الثالثة فهي مدى تأييد النوّاب الخمسة والستّين الذين أجرينا معهم المقابلات للإصلاحات الاجرائية الأخرى. فـ 92% من هؤلاء النوّاب يؤيّدون خفض سنّ الاقتراع، و86% يؤيّدون اللوائح الانتخابيّة المطبوعة مسبقاً، و98% يفضّلون تنظيم الحملات الإعلانيّة والإعلاميّة، و99% يؤيّدون تحديد سقف تمويل الحملات الانتخابيّة. لكنّ تأييد النوّاب المزعوم للعناصر الإصلاحيّة الأخرى لا يشمل الحصّة النسائيّة بشكل كبير. فـ 55% فقط منهم يؤيّدونها. ويؤيّد النوّاب السنّة والروم الأرثوذكس الحصّة النسائيّة، لكنّ النوّاب الشيعة والموارنة هم الأقلّ تأييداً لها. أمّا بالنسبة إلى الكتل، فالقوّات اللبنانيّة وغيرها تؤيّد الحصّة النسائيّة، خلافاً للوفاء للمقاومة واللقاء الديمقراطيّ، فيما تنقسم الكتل الأخرى بين مؤيّدة ومعارضة.

علامَ يدلّ كلّ ذلك؟ يبدو أنّ القانون الانتخابيّ يشير إلى أنّ الانقسامات في لبنان تتوزّع على عدد من الخطوط، أكانت طائفيّة أو سياسيّة أو إقليميّة أو غيرها. وفيما تعتمد الكتل السياسيّة مواقف مختلفة، هناك انقسامات في داخل الكتل نفسها غالباً ما لا تكون جليّة للغاية. وفيما تلجأ الأطراف السياسيّة إلى الكلام الطائفيّ للتنفيس عن غضبها، لا يبدو أنّ هناك انسجاماً كبيراً في الطوائف نفسها. وأخيراً، فيما يؤيّد غالبيّة النوّاب ظاهريّاً الإصلاحات الاجرائية المذكورة أعلاه، يبقى السؤال هو الآتي: إلى أيّ مدى هم صادقون في قناعاتهم، وهل هم مستعدّون للعمل وفقاً لها من خلال إصدار تشريعات ذات مغزى؟






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.