Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


September 2017
سلسلة الرتب والرواتب: تجبى من الشعب لتغطية إهمال الطبقة الحاكمة

قيل الكثير عن سلسلة الرتب والرواتب. وفي حين أنّ العديد يعارضونها لتصوّرهم أنّها تزيد الضرائب، يرى الموظّفون والأساتذة في القطاع العام أنّ تعديل الرواتب قد طال انتظاره. ذلك أنّ رواتبهم لم تُعدّل سوى مرّتين منذ 1997، عامي 2008 و2012. ولم يفلح هذان التعديلان في الحفاظ على قدرتهم الشرائيّة. فارتفاع الأسعار الّذي فاق الـ 120% على مدى السنوات العشرين الماضية قد قضم من دخلهم من حيث القيمة الحقيقيّة، وخفّض من مستوى معيشتهم.

وقد تصاعد النقاش العام على مدى السنوات الخمس الماضية في شأن كيفيّة تمويل سلسلة الرتب والرواتب. وفي 21 آب 2017، مُرّرت اثنا وعشرون ضريبة من خلال إقرار القانون، لكنّها لا زالت قيد النظر لدى المجلس الدستوري. وهي تتضمّن زيادة في ضريبة القيمة المضافة، ورسم الطابع المالي، ورسوم المغادرة على المسافرين جوًّا، بالإضافة إلى الأرباح الرأسماليّة المتأتّية عن التصرّف بالأصول الثابتة، وضريبة الدخل للشركات، والضرائب على فوائد وعائدات الحسابات المصرفية، بين جملة ضرائب أخرى لتغطية الإنفاق الإضافي.

وفي حين يتعرّض الكثيرون للوقوع في شرك الاصطفافات، من الأهميّة بمكان استرجاع كيف تمّ تأطير المسألة على مدى السنوات القليلة الماضية، وكيفيّة إجراء النقاش، وكيفيّة التوصّل إلى التسوية الحاليّة وأسبابها. هذا ما يمكننا من تكوين فهم أفضل بشأن نوايا النخبة السياسيّة وأولويّاتها.

لنبدأ بالمسألة المطروحة حاليًّا، أي السبب في تقديم السلسلة كنفقة مستقلّة تتطلّب تمويلاً إضافيًّا؟ يشير الارتفاع في إيرادات الدولة الّذي سُجّل خلال السنوات العشرين الماضية والمتأتي في جزءٍ منه عن الارتفاع في الأسعار، إلى وجوب تمويل تصحيح الأجور من الإيرادات. وبعبارة أخرى، يجب التعامل مع الزيادة في رواتب القطاع العام شأنها شأن أي نفقة أخرى في الموازنة، ولا يجب اعتبار الإيرادات على أساس أنّها مخصّصة لتمويل نفقة معيّنة. وعليه، فمن مسؤوليّة الحكومة ومجلس النوّاب إجراء دراسة للإيرادات والنفقات معًا ضمن الموازنة – ما يُشار إليه بمبدأ وحدة الموازنة – وذلك لاستكشاف الطرق لمعالجة الوضع المالي في البلد. وكان حريّ بالحكومة أن تنظر في رواتب القطاع العام، والإنفاق الحالي، والإنفاق الرأسمالي للحدّ من النفقات، بالإضافة إلى مصادر الإيرادات العامة، بما يشمل إدارة الأملاك العامّة والضرائب، الّتي يتفلّت البعض منها من الجباية.

وبعبارة أخرى، لا بدّ من وضع السلسة في الإطار الإجمالي للنفقات والإيرادات في الموازنة، عوضًا عن تخصيص نفقات إضافيّة للرواتب. وقد أدّى ذلك إلى تشويش النقاش بشأن السلسلة، محوّلاً المستفيدين إلى محطّ استهداف من قبل الجمهور العريض الّذي يدفع الضرائب لتمويل رواتب الموظّفين العموميّين، من بين جملة نفقات عامة أخرى. والحقيقة هي أنّ الشعب يتحمّل عبئًا ضريبيًّا أكبر للتعويض عن سوء إدارة الحكومة ومجلس النوّاب للماليّة العامّة، وكلاهما فشل في الإعداد للموازنة، ومناقشتها، والموافقة عليها خلال السنوات الاثني عشر الماضية لضمان الانضباط المالي والانفاق الكفؤ والفعّال. وقلّما يُسهم غياب المصداقيّة في هكذا عمليّة في تعزيز الثقة بين الطبقة السياسيّة والناخبين.

وتتمحور حجّة شائعة أخرى في الأوساط الحكوميّة حول التأكيد على عدم استحقاق القطاع العام للسلسلة نظرًا لتضخّم عدد الموظّفين في المنظومة البيروقراطيّة اللبنانيّة غير المنتجة الّتي تستنزف الخزينة. إلاّ أنّ هذه الحجّة ساقطة لسببين. أوّلاً، وفي حين أنّ بعض الإدارات تشهد تضخّمًا في عدد الموظّفين، لا زالت إدارات أخرى كثيرة تعاني من النقص في الموظّفين، ما يطرح الشكوك بشأن السياسات التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة لجهة نيتها في بناء بيروقراطيّة مهنيّة. وتدعو الحاجة بإلحاح إلى إصلاح للقطاع العام يعالج المهام والرواتب ومعايير الجدارة. ولا يغيب عن بالنا أنّ الحكومة قد كلّفت مكتب وزير الدولة للتنمية الإدارية بإصلاح إدارة القطاع العام، الّذي لا يزال أبعد ما يكون عن المنال، لأنّ المشاكل تكمن أوّلاً وقبل كلّ شيء بنفس الأشخاص الّذين يطالبون بإصلاحها: أي الأحزاب السياسيّة الّتي تستخدم الإدارات الحكوميّة لتقديم الخدمات وتوظيف الأشخاص الموالين لها والّذين يخدمون غاياتها السياسيّة والانتخابيّة. 

ولا يمكن إجراء أي إصلاح جدّي للمنظومة البيروقراطية لو حُرِمَ موظّفو القطاع العام من سلسلة تستند على القوّة الشرائيّة للرواتب بدلاً من الجدارة. إلى ذلك، فإنّ التأكيد على أنّ جميع موظّفي القطاع العام يتساوون في عدم استحقاقهم للسلسلة يمنع التمييز بين المنتجين منهم وغير المنتجين، ويُنكر عليهم الإقرار بحقّهم في السلسلة الّذي يضمنه القانون اللبناني.

من الواضح أنّ النخبة السياسيّة – في كلّ من الحكومة والبرلمان – لا تتمتّع بالإرادة أو القدرة على جمع الإيرادات والحدّ من الإنفاق من خلال معالجة الهدر، وسوء الإدارة، والفساد في القطاع العام. وتكثر الادّعاءات الشعبيّة بشأن الإنفاق غير المبرّر أو سرقة أملاك الدولة أو عدم استثمارها بما يكفي. والأسوأ أنّ العديد من النوّاب يكتفون بإلقاء الخطابات بشأن الفساد خلال جلسات الرقابة البرلمانيّة، لكنّهم قلّما يتّخذون الإجراءات في هذا الصدد، في حين ينجح آخرون بالكشف عن صفقات الفساد بعد تمرير التشريعات لا قبله. ولا شكّ أنّ عدم زيادة الحكومة للإيرادات أو خفضها للإنفاق من خلال معالجة سوء الإدارة أو الفساد يشير إلى عدم إرادتها أو عدم قدرتها على الإقدام على ما يهدّد مصالح النخبة، إن بدافع من التواطؤ أو الخوف.

تتمثّل الطريقة الأسهل لزيادة الإيرادات العامّة برفع الضرائب. وفي حين تملي الغريزة عليهم فرض الضرائب غير المباشرة الّتي تؤثّر بشكل غير متناسب على الطبقتين المتوسّطة والدُنيا، فقد اختاروا توزيع العبء على المستهلكين ورأس المال. والواقع أنّ الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة من 10 إلى 11 بالمئة ستمثّل نحو 18 بالمئة من إجمالي الإيرادات الجديدة، في حين أنّ الزيادة في الضريبة على الفوائد من 5 إلى 7 بالمئة ستشكّل 25 بالمئة من الإيرادات الجديدة.

وعلى الرغم من خطاب التهويل الّذي يعتمده القطاع الخاص بشأن تبعات فرض الضرائب الجديدة على الاقتصاد، فإنّ هذه الضرائب الجديدة تشمل ضريبة على أرباح رأس المال، وضريبة دخل على الشركات، ورسم على عقود البيع العقاري، وضريبة على عائدات وفوائد الحسابات المصرفية، تُغطّي مجموعةً نصف الإنفاق الناشئ عن الزيادة في الرواتب. وبإمكان بعض من هذه الضرائب إعادة التوازن وإن بشكل متواضع في توزيع العبء الّذي غالبًا ما يُلقى على كاهل المستهلك عوضًا عن تحميله لرأس المال، والشركات، والأنواع الأخرى من الريوع الّتي لا تُفرض عليها الضرائب. والجدير بالذكر أنّ السياسات الضريبيّة للحكومات الّتي توالت منذ أن وضعت الحرب الأهليّة أوزارها قد فضّلت الضرائب غير المباشرة على الضرائب المباشرة والتصاعديّة، محبّذةً بذلك الأغنياء على حساب الفقراء.

وقد لا يكون من قبيل الصدفة أنّ يُمرّر قانون الضرائب بعد القانون الانتخابي ومع اقتراب الموسم الانتخابي، إذ درجت العادة على تمرير السلسلة، كما في العامين 2008 و2012 قبل الانتخابات. وخلال السنوات الخمس الماضية، لم تتمكّن أيّ من الحكومات أو المجالس النيابيّة من إرساء عمليّة ملائمة للتعامل مع كيفيّة تمويل سلسلة الرتب والرواتب. ولكن على الرغم من تعقّد هذا الموضوع، لكان حريّ بالنخبة السياسيّة أن تدرسه كجزء من الموازنة، وأن تتوصّل إلى طرق للحدّ من الهدر ومعالجة الفساد لتمويله، قبل الانتقال إلى دراسة آثاره على مختلف القطاعات والجمهور. هذا ما كان يفترض بأيّ حكومة أو مجلس نيابي  جديرين القيام به لو كانا يكترثان للجمهور. فهذه هي الطريقة لاستعادة ثقة الناس. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.