Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


November 2017
استقرار لبنان السياسي يصطدم بالحقائق الجيوسياسيّة

أشار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في خطابه المتلفز الّذي بُثّ من الرياض في الرابع من تشرين الثاني والّذي أعلن فيه عن استقالته إلى تدخل إيراني غير مشروع في البلاد، كمسوّغ أساسي لاستقالته. هذه الخطوة أثارت ذهول شركائه في الحكومة وحتّى قاعدته السياسيّة. وعلى الرغم من المحاولات الأوليّة التّي قام بها بعض النقّاد للترويج لقرار استقالة رئيس الوزراء على أنّه متوقّع ومبرّر، يبدو أنّ الحريري نفسه لم يكن يعرف أنّ ولايته ستنتهي على هذا النحو المفاجئ. وقلّما أسهمت المقابلة التلفزيونيّة التي أجريت معه في 12 تشرين الثاني في دحض الشكوك بأنّ الحريري لم يكن على دراية مسبقة بالمخطّطات الّتي كانت تحيك له الاستقالة. وعند كتابة هذه السطور، يبدو أن الحريري في طريقه إلى المنفى القسري من الحياة السياسيّة في فرنسا.
 
ولا بدّ من فهم المحاولات الرامية إلى تفسير استقالة الحريري لا ضمن سياق الخصومة الجيوسياسيّة بين السعوديّة وإيران وحسب، بل مع أخذ التحوّل الاستثنائي في ميزان القوى في الرياض أيضًا. وتبيّن الأحداث الّتي وقعت في 4 تشرين الثاني الماضي عمليًّا كيف أنّ المصالح الداخليّة في لبنان قد اصطدمت بالحسابات الجيوسياسيّة السعوديّة في المنطقة، وكيف أنّها قد أسهمت ربّما في تعزيز السلطة في المملكة. إلى ذلك، فإنّ الأحداث الّتي ألمّت بلبنان تأثرت بدرجات متفاوتة بعدد من العوامل الّتي اجتمعت فأوقعت البلاد ورئيس حكومتها في مأزق.
 
ولتكوين فهم أفضل لكيفيّة وصولنا إلى هذا الوضع، لا بدّ أن نرجع إلى العام 2016، لمّا قرّر الحريري رأب الصدع مع ما كان يُعرف بتحالف 8 آذار، سعيًا منه لاستئناف مسيرته السياسيّة. ولمّا كانت ثروة الحريري السياسيّة والاقتصاديّة على المحكّ، وبعد خروجه من الحكم منذ كانون الثاني 2011، شعر بضرورة العودة إلى لبنان، لتولّي رئاسة الحكومة. وقد توّج ذلك بانتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة، وتسمية الحريري رئيسًا لمجلس الوزراء. ومذ ذاك، وحكومة الحريري تحقّق التقدّم في عدد من القضايا (على الرغم من الشواغل العديدة المتّصلة بالسياسات الّتي سنتها حكومته). فقد نجحت الحكومة على سبيل المثال في اعتماد الموازنة الأولى لها منذ العام 2005، وفي إصدار القانون الانتخابي الّذي شكّل محورًا لجدل بيزنطي في اللجان البرلمانيّة منذ العام 2010، وقانون سلسلة الرتب والرواتب الّذي تقاذفه البرلمان والحكومة لفترة طويلة، ومراسيم النفط والغاز التي جمّدت إطلاق الجولة الأولى من التراخيص البتروليّة منذ العام 2013، من بين جملة أمور أخرى. ومن الواضح أن الحريري كان ينوي خوض الانتخابات النيابية عام 2018 مستندًا إلى سلسلة من الإنجازات.  ويشير كلّ ذلك إلى أنّ الحريري كان يتطلّع إلى المستقبل لا إلى الماضي.
  
غير أنّ هذه التطلّعات السياسيّة اصطدمت بموقف السعوديّة الجيوسياسي من إيران. ففي حين أنّ الحريري قد تصالح مع ضرورة الجلوس إلى طاولة مع حزب الله لتولّي رئاسة مجلس الوزراء، لا زالت السعوديّة على خشيتها من التوسّع الإقليمي لإيران. فقد نجح السعوديّون في قمع الاحتجاجات في البحرين، الّتي اتّهم المشاركون فيها بدعم إيران، ولكنّهم فشلوا في إحراز أيّ تقدّم في سوريا. واليوم، يشغل اليمن بال قادة الرياض. فبعد أن شنّ السعوديّون حربَا قبل سنتين، لم يفشلوا في تحقيق أي انتصارات استراتيجيّة وحسب، بل انّهم يستشعرون الآن مفاعيل التهديد الأمني – الّذي يُعدّ من صنيعهم في جزء منه – على امتداد حدودهم الجنوبيّة. ويتهمّ السعوديّون حزب الله وإيران بالوقوف خلف عمليّة إطلاق الصاروخ الّذي استهدف الرياض في الرابع من تشرين الثاني. ولا يخفى على المراقبين أنّ الحريري قد ردّد في ظهوره التلفزيوني في 12 تشرين الثاني الشواغل السعوديّة بشأن اليمن.
 
وأغلب الظنّ أنّ الرياض الّتي فشلت في وضع حدّ للنفوذ الإيراني في سوريا واليمن، قد قرّرت أن تضغط على حزب الله في لبنان من خلال الإطاحة بالحكومة. فإيران والسعوديّة التان تتنافسان على النفوذ في المنطقة لا تتواجهان بشكل مباشر، ولكن، مع إسقاط حكومة الحريري، يمكن لمحمّد بن سلمان أن يعتدّ بنصر سريع بعد وقوعه في مأزق في قطر ووصوله إلى حائط مسدود في اليمن. إلى ذلك، فإنّ التحرّك السعودي الجديد لا ينفصل عن توجّه الولايات المتّحدة، حيث يُنتظر أن يُمرّر الكونغرس قانون عقوبات جديد ضدّ حزب الله، في حين تبقى سياسية البيت الأبيض بقيادة ترامب عدائيّة رغم عدم نضوجها. وفي هذا السياق، لم تعد حكومة الحريري تخدم مصالح السعوديّين بشكل عام.
 
ولا شكّ أنّ الخصومة الجيوسياسيّة تشكّل سياقًا مجديًا لفهم القضيّة، لكنّها لا تغطّي بالكامل أسباب إرغام الحريري على الاستقالة الآن، بعد سنة على تشكيله لحكومته. ذلك أنّ شعور السعوديّة بالتهديد من قبل إيران وحزب الله ليس بالظاهرة الجديدة. ويشير استدعاء الحريري لتقديم استقالته عشيّة عمليّة التطهير الأكثر شراسةً في تاريخ السعوديّة، إلى ارتباط ذلك بشقّ وليّ العهد طريقه نحو اعتلاء العرش. فقد خطّط محمّد بن سلمان بعناية منذ تعريش والده لاعتلائه العرش، فعمد أوّلاً إلى إزاحة اثنين من أولياء العهد يأتيان قبله: مقرن بن عبد العزيز، ومحمّد بن نايف. كذلك، قام مؤخرًا باجتثاث نفوذ المؤسسات الدينيّة، الّتي تعتبر من الجهات المؤسسة للدولة السعوديّة. وفي حين أنّ الطريق نحو العرش كانت مليئة بالصعوبات، فضّل محمّد بن سلمان أن يُعيد كتابة قواعد حكم المملكة بما يخدم مصلحته، إذ سيكون أوّل حفيد لمؤسّس المملكة يستلم الحكم.
وبذريعة حملة مكافحة الفساد، أطلق وليّ العهد ما يمكن اعتباره انقلابًا، فأزاح الكثير من خصومه، بمن فيهم سبعون أميرًا على الأقلّ، بالإضافة إلى استيلائه على ثروات العديد من رجال الأعمال الأغنياء.
 
وهنا يلتقي النفوذ الداخلي مع الخصومة الجيوسياسيّة. فبغية تعزيز سلطته داخليًّا، وجد ولي العهد ربّما أنّه من الضروري أيضًا افتعال أزمة مع لبنان، وإلقاء اللوم على حزب الله. ويمكن توظيف ذلك لإشعال الحسّ الوطني والمشاعر الطائفيّة على حدّ سواء، الّتي يمكن التعويل عليها داخليَا في وقت يسعى فيه وليّ العهد إلى تعزيز سلطته. وباختصار، فإنّ أزمة السياسة الخارجيّة ستساعد على تشتيت الانتباه عن السياسات المحليّة. ومن هذا المنطلق، يُعتبر لبنان بيدقًا في لعبة جيوسياسيّة أوسع نطاقًا.
 
ويبقى السؤال، لماذا تمّ احتجاز الحريري؟ لا يجب أن يفوتنا أن نأخذ بالحسبان الصفقات التجاريّة غير المنجزة ومصير القروض الّتي تعني شركة سعودي أوجيه المفلسة، عوضًا عن صبّ التركيز على السياسة دون غيرها. فالقيادة السعوديّة الجديدة لم تسع لإنقاذ سعودي أوجيه، الّتي حظيت في الماضي بالأفضليّة في البلاط الملكي، والّتي بلغ عدد موظّفيها 45 ألفًا في إحدى المراحل. ويشي ذلك على أقلّ تقدير بأنّ الحريري لم يعد من المحظيّين في البلاط الملكي.
 
وعند استرجاع الأحداث، نجد أنّ الحريري كان مكبّلاً. فقد حتّم عليه الحفاظ على موقعه السياسي في لبنان وإنقاذ ثروته مدّ الجسور والتعامل مع حزب الله لاستلام رئاسة مجلس الوزراء. إلاّ أنّ هذه الخطوة بحدّ ذاتها قد حطّت من موقعه في عين زعيمه السعودي.
 
يعتمد تأثير هذه التدابير على لبنان بشكل كبير على مدى تصميم السعوديّين على التناحر مع حزب الله في لبنان. ومن الناحية السياسيّة، يبدو أنّ لبنان يدخل أزمة. فالاتفاق بين حزب الرئيس، أي التيار الوطني الحرّ، وتيّار المستقبل الّذي يرأسه الحريري يمكن أن ينهار، فيضع بذلك حدًّا لآفاق حكومة الوحدة الوطنيّة. ويعني ذلك فعليًّا أنّه لن تتشكّل أي حكومة في المستقبل المنظور، أو أنّ تيّار المستقبل سيكون خارج أي حكومة ستتشكّل. وفي كلا الحالتين، سيدخل لبنان مجدّدًا حالة من الركود، وهو لم يلبث أن خرج منها.
 
أمّا وقد خرج سعد الحريري من اللعبة، يبقى أن نرى ما إذا كان السعوديّون سيصرّون على تسمية رئيس الحكومة الجديد. ويبدو أن جهود الرياض منصبّة على استبدال سعد كرئيس لتيّار المستقبل. ويشير الردّ على الاقتراح المزعوم باستبدال سعد بشقيقه بهاء، إلى توسّع الشرخ بين تيّار المستقبل والسعوديّة. فمن جهة، أعاد التيّار التأكيد على دعمه لرئيس الحكومة ورفض مناقشة استبداله. إلى ذلك، فإنّ جواب وزير الداخليّة والبلديّات نهاد المشنوق على هذا الاقتراح المزعوم قد أشار بوضوح إلى الخلاف مع السعوديّين، إذ صرّح بوضوح أنّ اقتراحًا مماثلاً "إنّما ينمّ عن جهل بالنظام السياسي في لبنان... ونحن لسنا قطيع غنم، أو قطعة أرض يمكن نقل ملكيّتها من شخص إلى آخر".
 
ولا يتضّح إلى أيّ مدى سيتمكّن تيّار المستقبل من تحمّل الضغط السعودي وتفادي الانقسام ضمن التيّار نفسه، مع معالجته في الوقت نفسه للشواغل المتزايدة ضمن المجتمع السنّي. إلاّ أنّ مثل هذه التحوّلات السياسيّة لن تنحصر بالمجتمع السنّي. فالأحزاب تراقب عن كثب تطوّر الأحداث، وعلينا أن نتوقّع إعادة اصطفاف، ضمن خطّي 8 و14 آذار على الأرجح. ولا شكّ أنّ ذلك سيؤدّي إلى استقطاب البلاد وشلّها، ما من شأنه أن يقوّيّ المتطرفين السنّة على حساب المعتدلين لو استمرّ الضغط.
 
بالإضافة إلى ذلك، تلقي الاستقالة الجبريّة للحريري الضوء على تحدّيات هيكليّة جديّة يواجهها لبنان. ويذكّرنا ذلك لا بعدم الإقرار بسيادة لبنان من جانب القوى الإقليميّة وحسب، بل أيضًا بأنّ انتهاك سيادة بلدنا تتخذ أشكالاً شتّى، منها حمل السلاح خارج سلطة الدولة، وإكراه رئيس الوزراء على الاستقالة، ما يعيد إلى أذهاننا بمرارة أنّ الأحزاب السياسيّة لا تدين بالولاء الأساسي للمواطنين، بل للقوى الأجنبيّة الّتي تعتمد عليها. ويمكن للقوى الأجنبيّة هذه أن تأتي بهذه الأحزاب إلى السلطة بالطريقة نفسها التي تستبدلها بها. وهذا ليس بجديد. فلطالما تدخّلت القوى الأجنبيّة في النظام السياسي اللبناني، من خلال تمويل الحملات الانتخابيّة والتأثير على اختيار الوزراء. كذلك، تتدخّل القوى الأجنبيّة من خلال توفير التمويل لتأمين الخدمات على يد ممثليها المحليّين المختارين، أو مباشرة من خلال المنظمات الّتي ساعدت على إنشائها مقابل الحصول على ولائها – ما يسهم فعليًّا في تحويل المواطنين إلى زبائن. ولا تنحصر هذه الآفة أبدًا بالطائفة السنيّة، إذ تشهد الطوائف الشيعيّة والمسيحيّة ديناميكيّة مماثلة.
 
أمّا رؤساء الأحزاب فليسوا من بين ضحايا هذه العلاقة غير المتناظرة، بل إنّهم لاعبين فعليّين ومشاركين بإرادتهم في هذه العمليّة، بسعيهم للحصول على التمويل من الخارج للحفاظ على النفوذ وتوسيعه داخليًّا.
 
ولسوء الحظّ، كثيرون هم اللاعبون المستعدون للاستجابة لعروض القوى الأجنبيّة. ويتنافس الكثيرون مع اللاعبين الموجودين أصلاً لإثبات أنّهم أكثر ولاءً. ويقوم بعضهم بتغيير مواقفه بسهولة وبتأجيج التوتّر خدمةً لمصالح البلدان الأجنبيّة. وليس زعماء الأحزاب وحدهم من يذعن للتأثيرات الخارجيّة أو يسعى إليها، بل لا بدّ أن نشمل في فئة الوصوليّين الجاهزين لتقديم العروض أيضًا رجال دين وإعلاميين لبنانيّين.
 
وبالتالي، فقد حوّلَنا "قادتنا" إلى مجرّد بيادق مرهونة للمصالح الجيوسياسيّة للبلدان الأخرى. وبالفعل، فإنّ القادة المحليّين الّذين يسعون إلى الارتهان للقوى الخارجيّة، يحوّلون البلد بأسره إلى رهينة للمصالح الأجنبيّة. وقد يضطرون أحيانًا حتّى إلى تشريع استخدام الأراضي اللبنانيّة، حيث يمكن تصفية الحسابات وشنّ الحروب.
 
في حين لا يزال اتجاه المسيرة السياسية للحريري غير مؤكّد، فإنّ سيادة لبنان بلا شكّ منتهكة. وطالما أنّ القواعد السياسيّة غير المكتوبة للبلد تبقى مرهونةً للقوى الأجنبيّة، فإنّ دعوة الأفرقاء السياسيّين إلى التصرّف انطلاقًا من مصالح المواطنين أوّلاً تبقى بعيدة المنال. وتدعو الحاجة إلى نشوء قيادة سياسيّة مستقلّة تهدف إلى بناء دولة مدنيّة، تستمدّ شرعيّتها من شعب قادر على الاقتراع لا بداع من الخوف أو مقابل خدمات ماديّة، بل على أساس برامج سياسيّة تعالج القضايا المختلفة. تدعو الحاجة إذًا إلى إجراء انتخابات نيابيّة عادلة وشفافة، كما إلى نشوء مجموعات سياسيّة واجتماعيّة جديدة قادرة على التغريد خارج سرب 8 و14 آذار. ويجب أن تعقد هذه المجموعات العزم على اقتراح مسار جديد وتعزيز القاعدة الشعبيّة الداعمة لها ولمثلها. ولا بدّ أن تشكّل انتخابات العام 2018 الخطوة الأولى في تشكيل هذه الحركة، وتشريعها، وتعزيزها. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.