Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله ومحمد دياب , على التوالي المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات وزميل باحث لدى المركز


April 2018
بشكل عام، يجهل السياسيّون في لبنان القضايا الأساسية

ضمن إطارعمل المركز اللبناني للدراسات في تقييم أداء مجلس النوّاب اللبناني وأداء أعضائه، يقوم المركز بنشر سلسلة من المقالات تتناول مجموعة من القضايا التي تعرقل العملية التشريعية. وتستند هذه المقالات إلى حد كبير الى كتاب سيصدر قريباً عن المركز يشرح الأداء البرلماني، وهو من تأليف سامي عطاالله ونايلة جعجع.
 يعاين هذا المقال مواقف النوّاب المعلنة من مجموعة من القضايا السياساتيّة، وذلك لتحديد أيّ من القضايا يتوافقون عليها، وتلك الّتي يختلفون بشأنها، ومدى اتّساق مواقفهم مع مواقف أحزابهم.
 
 
في خضمّ موسم الانتخابات، أطلقت الأحزاب السياسيّة سلسلة من الوعود السياساتيّة، الّتي تتراوح بين اللامركزيّة والإنماء المتوازن، وبين تأمين الرعاية الصحيّة الشاملة وإصلاح نظام التقاعد. وفي حين أنّ التعبير عن مثل هذه المواقف السياساية لا يتطلّب منهم الجهد الكثير، فإنّ مهمّة شرح الطريقة الفضلى لتحقيق هذه الوعود تختلف كلّ الاختلاف، إذ يحتّم ذلك على السياسيّين أن يتمتعوا بمستوى أدنى من الإلمام بالسياسات بالإضافة إلى اتّساق مواقفهم بشأن عدد من القضايا المترابطة حتّى تكون لوعودهم مصداقيّة. وبعبارة أخرى، يتعيّن على الأحزاب السياسيّة عند الدعوة إلى اعتماد سياسية محدّدة من قبيل تأمين الرعاية الصحيّة الشاملة أو مكافحة الفقر، أن تقترح تدابير ماليّة لبلوغ هذه الأهداف.
 
ضمن إطار عمل المركز اللبناني للدراسات الّذي يتناول البرلمان، سعينا إلى تحديد مواقف النوّاب من السياسات المتّصلة بمجموعة من سبعة وعشرين قضيّةً – تتضمّن اللامركزيّة، والضرائب، والفقر، والرعاية الصحيّة، ودعم القطاعات الإنتاجية، وقانون الإيجارات، والخدمات العامّة، والملكيّة العامّة، وحقوق المرأة، وعقوبة الإعدام، بين جملة أمور أخرى، إضافةً إلى تحديد مستوى الالتزام بالمدافعة عن هذه السياسات، من خلال النظر في اتّساقها مع مواقفهم من سياسات أخرى ذات صلة. ولهذه الغاية، قمنا بمقابلة خمسة وستّين نائبًا من مختلف الأحزاب السياسيّة من بين المشرّعين الـ128، وهم النوّاب الّذين وافقوا على إجراء المقابلة، وذلك خلال عامي 2015 و2016، لنسألهم عن تفضيلاتهم السياساتيّة.
 
للوهلة الأولى، يبدو أنّ النوّاب يدعمون بشدّة توفير الرعاية الصحيّة لجميع المواطنين، وتوسيع اللامركزيّة على مستوى القضاء، والحدّ من أوجه التفاوت الاجتماعي، وحماية الملكيّة العامّة، وخفض الضرائب على بعض السلع الاستهلاكيّة الأساسيّة أو حتّى إلغائها، ومنح المرأة الحقّ بإعطاء الجنسيّة اللبنانيّة لزوجها وأولادها. غير أنّ تأييدهم هذا يتلاشى عند التمعّن في تفضيلاتهم المتّصلة بسياسات أخرى.
 
لنأخذ مثل اللامركزيّة. فعلى الرغم من تأييد النوّاب القويّ لإنشاء مجالس أقضية منتخبة، لا تتّسم مواقف الكتل النيابية حول صلاحيات هذه الأقضية باتساق قوي. ويدعم بعض النوّاب إعطاء صلاحيات واسعة لمجالس الأقضية حتّى تتمكّن من بلورة المشاريع وتنفيذها، في حين يعتقد آخرون بوجوب حصر هذه الصلاحيات ببضع المسؤوليّات. وليس تضارب الآراء بحدّ ذاته ما يطرح إشكاليّةً، لكنّ عدم الاتّساق الّذي تنمّ عنه أجوبة النوّاب عند سؤالهم عن الموارد الماليّة الّتي يتعيّن تزويد مجالس الأقضية بها.
 
عند مقارنة المواقف الّتي أعلن عنها النوّاب بشأن صلاحيات مجالس الأقضية بمواقفهم من الموارد الماليّة الّتي يجب تخصيصها لهذه الأقضية، برزت اشكاليات أخرى عديدة. ذلك أنّ ربع النوّاب الّذين قابلناهم أعربوا عن آراء غير متناسقة بشأن اللامركزيّة. فهم يحبّذون منح صلاحيات محدودة لمجالس الأقضية، لكنّهم يؤيّدون تزويدها بموارد ماليّة كبيرة، لا تتناسب مع مسؤوليّاتها. وبدا أنّ أربعة وعشرين نائبًا، أي ثلث النوّاب المُستَطلَعين، مفرطو الحماسة بشأن اللامركزيّة إلى حدّ يضرّ بالدولة، إذ أنّهم يحبّذون منح صلاحيات واسعة لمجالس الأقضية ومدّهم بموارد ماليّة أكثر من اللازم، تزيد عن نسبة الـ35% المعتمدة كمعيار مرجعي دوليّ. ومن الجليّ أن عدم الوضوح هو في أحسن الأحوال سيّد الموقف فيما يتّصل بكيفيّة المضيّ قدمًا في موضوع اللامركزيّة.
 
وبالانتقال إلى مجموعة أخرى من السياسات، عبّر النوّاب عن دعمهم القويّ لجهود الدولة الهادفة إلى الحدّ من أوجه التفاوت الاجتماعي وبلورة برامج متكاملة للحد من الفقر، إلاّ أنّهم غير مستعدّين لاستتباع ذلك بالسياسات الملائمة لبلوغ هذه الغايات. على سبيل المثال، يمكن التعامل مع أوجه التفاوت الاجتماعيّة بطرق شتّى، مثل تخفيض الضرائب على الاستهلاك، أو زيادة الضرائب على الدخل أو الأرباح، أو بلورة برامج مكافحة الفقر، أو تعديل قانون الإيجارات الصادر عام 2014، أو أي مزيج ممّا تقدّم. ومن أصل النوّاب الثلاثة والأربعين الّذين يدعمون الحدّ من أوجه التفاوت الاجتماعي، تسعة وعشرون فقط مستعدّون لخفض الضرائب على الاستهلاك، ما من شأنه أن يساعد على تقليص الفجوة، كون الضريبة على الاستهلاك تنازليّة. أربعة وعشرون منهم فقط مستعدّون لزيادة الضرائب على الدخل والأرباح[1]، وسبعة عشر فقط يريدون إلغاء قانون الإيجارات الصادر عام 2014.
 
وقد تكون الآراء السياساتيّة لبعض النوّاب ذات الانتماءات السياسيّة المختلفة متقاربة في حالات أخرى، ولكن لم يتمّ البناء على هذا التلاقي للتشريع. ونسوق هنا مثال الرعاية الصحيّة. ففي حين أعرب النوّاب بأغلبيّتهم الساحقة عن دعمهم لتوفير الرعاية الصحيّة لجميع المواطنين، فإنّ هذا التوافق لم يتحوّل إلى سياسة ملموسة يستفيد منها المواطنون. في الوقت عينه، يبدو أنّ قانون الإيجارات الّذي أقره البرلمان عام 2014 هو الأكثر إثارةً للجدل من بين القضايا السبعة والعشرين، إذ أنّه قد حقّق أدنى مستوى من التوافق بين النوّاب الّذين قابلناهم. وقد دعمه نحو ثلث النوّاب، في حين أعرب الثلثان المتبقيان عن معارضتهم له أو عن حيادهم. وما يدعو للاستغراب هو أنّ القانون قد نجح بحصد ما يكفي من الأصوات لتمريره على الرغم من محدوديّة الدعم الّذي يحظى به. كيف يمكن إذًا لقضيّةٍ لا تتمتّع إلاّ بالقليل من الدعم الفعليّ أن تتحوّل إلى قانون، في حين أنّ مسألة الرعاية الصحيّة الشاملة الّتي تحظى بمستوى عالٍ من التوافق لم تستحل بعد واقعًا ملموسًا؟ لا شكّ أنّ ذلك يلقي بظلال قاتمة على صدق المواقف السياساتيّة التي أعرب عنها النوّاب خلال المقابلات، أو على قدرتهم على البناء على التوافق وتحويله إلى سياسة تعالج حاجات الناس.
 
سيطلق النوّاب والمرشّحون الحاليّون بلا شكّ مجموعة من المواقف السياساتيّة، لكنّهم لن يتمعتعوا بأيّ مصداقيّة إن لم يتقدموا بتفاصيل محددة حولها. طبعًا، يمكن لبعض النوّاب المشاركة في حوار فعليّ بشأن السياسات مع الجمهور كما مع المشرّعين زملائهم. إلاّ أنّ عدد كبير منهم قد أثبتوا، خلال ولايتهم، أنّهم يفتقرون لفهم القضايا الأساسية أو أنّهم غير مستعدّين للسعي إلى تحقيق المصلحة العامّة. وسيتطلّب تحسين ذلك على الأرجح، وإن كان على نحو تدريجي، تحقيق نقلةً لدى الناخبين للمطالبة بتحلّي قادة البلاد المنتخبين بالكفاءة. وعندها، يمكن أن نتوقّع من المرشّحين والأحزاب أن يعتمدوا برامج سياساتيّة وتفضيلات سياساتية واضحة ومحددة في حملاتهم الانتخابية.
 
 
[1] في الواقع، 20 فقط من أصل 43 نائبًا مستعدّون لخفض الضريبة على الاستهلاك وزيادة الضريبة على رأس المال. وفعليًّا، قلّما يسهم ذلك في تقليص التفاوت في الدخل.



كجزء  من هذا المشروع، أنشأ المركز اللبناني للدراسات بوابة الكترونية توفر معلومات عن البرلمان والنواب الممثلين فيه، بما في ذلك معلومات عن مواقفهم السياسياتية وأداءهم كمشرّعين:
www.niyabatanani.com.
كما يمكن الإطلاع على أداء البرلمان وأعضائه من خلال الرسوم البيانية المعدة لهذا الغرض:
http://niyabatanani.com/pdf/Infographics.pdf
 









Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.