Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


رياض شديد , خبير في الطاقة الكهربائية والطاقات المتجددة


February 2019
الإصلاح السياسي في الكهرباء: هل من خيبات أمل جديدة؟

مع إنطلاقة الحكومة الجديدة، يترقب اللبنانيون بحذر ما ستؤول إليه المعالجات المقبلة في ملف الكهرباء على ضوء مقررات مؤتمر سيدر الذي يخصص 4 مليارات دولار لهذا القطاع الحيوي. لقد أمسى ملف الكهرباء يمثل أحد مظاهر فشل الدولة اللبنانية في إدارة شؤونها وقد مضى على معالجته ما يقارب العقدين من الزمن من دون أن يجد طريقه إلى الحل. لذلك يزداد الرهان أكثر من أي وقت مضى على جدية وثبات الدولة في الإيفاء بالتزاماتها، وهل ستدخل المعالجات في صلب الأزمة أم ستبقى الاهتمامات منصبّة على المشاريع الأكثر استقطابًا لأموال سيدر؟. سوف نلقي في هذه المقالة الضوء على بعض المواضيع الإصلاحية التي تتطلب قرارات سياسية كون تطوير البنية التحتية للقطاع من دون أن يترافق ذلك مع إصلاحات بنيوية في حوكمة المؤسسة وطريقة إدارتها وعلاقات وزارات الوصاية معها ودور القطاع الخاص في تطوير وإدارة منشآتها سيؤدي إلى مزيد من التعثر المالي والفني مع ما يستتبعه من تأثير كارثي على الاقتصاد الوطني.
 
 
القانون 462 والهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء: لم يكن مستغربًا أن يتضمن البيان الوزاري تأجيلًا لتعيين الهيئة الناظمة لحين تعديل القانون 462 ووضع المراسيم التنفيذية اللازمة، كون إنشاء الهيئة قد شكل مادة صراع بين الأفرقاء السياسيين لما يزيد عن عقد من الزمن. وما عدم تحديد مدة زمنية قصيرة لإنشاء الهيئة إلا مؤشرًا يستنتج منه بأن هذه الهيئة لن تبصر النور في المدى المنظور لعدم رغبة السلطة السياسية بتقاسم النفوذ مع هكذا مؤسسة وخاصة دورها في إعطاء الأذونات والتراخيص للقطاع الخاص في مجالات الإنتاج والتوزيع. وإذا كان البيان الوزاري قد أخرج حاليًا النقاش حول جدوى الهيئة الناظمة من عدمها في تحقيق الإصلاحات التي ينادي بها، فإن السؤال يبقى عن السبل التي سيعتمدها مجلس الوزراء في مراقبة أداء صناع القرار والمنفذين وضمان حسن تنفيذ الخطط خارج الإطار الكلاسيكي للرقابة المعتمدة حاليًا وعن جدوى الإبقاء على القانون 462 بعد مرور 17 سنة على إقراره من دون الالتزام بتنفيذه.
 
 
مستقبل مؤسسة كهرباء لبنان: مع تعاظم التوجه في اعتماد الخصخصة في المرافق العامة، ينبغي التذكير بأن أيًا من الحكومات المتعاقبة منذ ما يقارب العشرين عامًا لم تستطع أن تحسم هذا الموضوع وقد أدى هذا الصراع حول ملكية قطاع الكهرباء وسبل إدارته إلى خلافات كانت نتيجتها مزيدًا من تعثر مؤسسة الكهرباء وإضعاف إمكانياتها وحرمانها من تطوير جهازها الفني وعدم تمكينها من العمل كشركة تجارية تحقق التوازن في ميزانياتها. والمثير للقلق أن ذلك كله لم يمكّن القطاع الخاص الذي تمّ استقدامه ليحل مكان المؤسسة في كثير من المهام، لم يستطع هذا القطاع أن يحقق نجاحات باهرة تعوض فشل المؤسسة خاصة وأن مجمل المشاريع تمت من خلال عقود باهظة الثمن وترافقت مع مشاكل فنية وإدارية وقانونية أرهقت إمكانات المؤسسة. وعليه نعتقد بأنه حان الوقت ليجري مجلس الوزراء ومجلس النواب مراجعة عميقة لقانون الخصخصة الذي لم ينفذ حتى تاريخه وإعادة إحياء مؤسسة الكهرباء كأحد المؤسسات الوطنية الرائدة من دون إغفال أهمية القطاع الخاص كشريك استراتيجي وليس كبديل عن المؤسسة وطبعًا بعد تفعيل مؤسسات الرقابة لضمان حقوق المواطن والدولة.
 
 
تحديث مؤسسة كهرباء لبنان: إن استمرار مؤسسة كهرباء لبنان من دون تطوير إمكاناتها البشرية والفنية وعصرنة إدارتها سيظل عائقًا أمام تنفيذ أي مشروع إصلاحي كونها هي المنوطة بالتنفيذ أو مراقبة التنفيذ للمشاريع التي يقرها مجلس إدارتها أو مجلس الوزراء. وهناك أمثلة عديدة عن مشاريع فشلت بسبب عدم قدرة المؤسسة على مواكبتها لا مجال لذكرها في هذه العجالة. والبداية يجب أن تكون باختيار مجلس إدارة يتمتع أعضاؤه بالخبرة في مجالات الكهرباء وإدارة المشاريع والاقتصاد وغيرها بعيدًا عن تعيين الأزلام، كما يتوجب أن يتحول المجلس إلى شريك أساسي في وضع التوجهات الاستراتيجية وصنع القرار وليس منفذًا لها فقط. لقد اتسمت التجربة الماضية بالتعامل مع المؤسسة كشريك صوري في وضع الاستراتيجيات وتحديد المشاريع بعد أن أخذت الوزارة على عاتقها هذا الأمر مستعينة بفريق من الخبراء وبعض الشركات الاستشارية. ومع تنويهنا بالجهد الذي بذل إلا أن استدامة التخطيط وتطوير قطاع الكهرباء يجب أن يكونا من ضمن عمل إدارة ومجلس إدارة المؤسسة.
 
 
التعرفة: لا يختلف المراقبون على أن التعرفة الكهربائية المعتمدة من قبل مؤسسة كهرباء لبنان يجب رفعها لتصحيح الخلل بين كلفة الإنتاج وسعر المبيع. إلا أن الجميع ينظر بتهيب إلى هذا الموضوع انطلاقًا من واقعين: الأول يتعلق بالوضع الاقتصادي المتدهور والأوضاع المعيشية الصعبة التي تعاني منها الطبقات الفقيرة وضرورة عدم تحميلها أعباء إضافية، والثاني هو أنه لا يجوز زيادة التعرفة قبل تحقيق نجاحات ملموسة في ملف الهدر بكل أشكاله وتأمين طاقة إضافية تسمح للمواطن بالتخفيض أولًا ثم بالتخلص من فاتورة المولد الإضافية. وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي لا يتنكر فيه أحد للدور الإيجابي الذي لعبه قطاع المولدات الخاصة في التعويض عن فشل الدولة في تأمين الكهرباء بشكل دائم، إلا أن هذا القطاع تضخم إلى درجة كبيرة سمحت له بتأمين الآلف فرص العمل من الجباة والفنيين والإداريين وأصبح يدر دخلًا يفوق المليار دولار سنويًا. وثمة من يقول إن ذلك قد أراح كثيرًا من القوى السياسية التي تستفيد من هذا الواقع الذي يمتص نقمة الناس الناتجة عن عدم قدرة الدولة على إيجاد فرص عمل لكثير من الفئات العمالية.
 
 
الهدر غير الفني: من المعلوم أن نسب الهدر غير الفني في قطاع التوزيع وصلت إلى معدلات مرتفعة تحرم الخزينة ما يقارب 220 مليون دولار سنويًا. وبالرغم من أهمية استخدام التكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة في اكتشاف مصادر الهدر إلا أن إيقاف السرقات والتعدي على منشآت المؤسسة يحتاج إلى قرار سياسي، فهل سنشهد اتفاقًا سياسيًا في مجلس الوزراء في جلساته الأولى بعد نيل الثقة برفع الغطاء عن المرتكبين ويتيح للقوى الأمنية بمؤازرة مراقبي المؤسسة للشروع بقمع المخالفات في جميع المناطق؟
 
 
التخطيط قصير الأجل لاستخدام الغاز في المعامل: تبين من خلال دراسة أعدت في الجامعة الأمريكية في بيروت بأن محطة عائمة واحدة (FSRU) تكفي لتزويد حاجات معامل الكهرباء من الغاز عبر تحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي بين الفترة الممتدة من العام 2020 حتى 2028. وإذا كان سوء التخطيط وضخامة الاستثمار والتعديات على خط سكة الحديد الساحلي قد ساهموا في تأخير إنشاء خط غاز ساحلي لنقل الغاز إلى محطات الإنتاج، فإننا قد نتفهم سبب استئجار محطتين عائمتين ولكن ما الهدف من إجراء مناقصة لثلاث محطات عائمة علمًا أن أجار المحطة الواحدة يبلغ حوالي 135 ألف دولار في اليوم الواحد. من ناحية أخرى، وإذا اعتبرنا بأن استخراج الغاز من البحر سيكون متاحًا بحلول العام 2029، فهل الأفضل في الفترة التي تفصلنا عن ذلك العام شراء هذه المحطات العائمة بدل استئجارها؟ وفي هذه الحالة هل الأجدى الاستمرار في المستقبل بشراء الغاز المسال وتحويله إلى غاز للمعامل عبر هذه المحطات العائمة وبالمقابل بيع كل الغاز المستخرج في الأسواق الدولية من دون الحاجة إلى بناء بنية تحتية غازية بكلفة عالية؟ أم الأفضل الاستثمار في هكذا بنية تحتية؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها يتطلب التوافق على رؤية واضحة تربط حاجات لبنان من الغاز والاستثمارات المطلوبة وسبل التصدير إلى الخارج آخذين بعين الاعتبار الطابع الجيوسياسي لهذا القطاع وتأثيره على الاقتصاد الوطني والسياسة الداخلية في لبنان.
 
 
التوجه الجديد في التخطيط الكهربائي: ينبغي متابعة التطور الحاصل في مجال الطاقات المتجددة والشبكات الصغيرة (Micro-Grid) والتكنولوجيا الذكية (Smart Technologies) وأجهزة التخزين (Battery storage) للنظر في إمكانية إنشاء شبكات صغيرة إذ تشير دراسة أجريت في الجامعة الأمريكية في بيروت أن نظامًا يستخدم تغذية كهربائية من مؤسسة الكهرباء وأنظمة الطاقة الشمسية وأجهزة تخزين الطاقة يمكن أن يغذي أحمالًا في شبكة صغيرة بسعر 8.5 سنت لكل كيلوات ساعة. ويمكن للقطاع الخاص أن يدخل منفردًا أو من خلال شراكات مع البلديات أو تحاد البلديات لإنتاج طاقة كهربائية نظيفة ويساهم في خلق فرص عمل للكثير من الشباب. ولتمكين ذلك يجب النظر سياسيًا في إمكان تحقيق اللامركزية الكهربائية مع الإبقاء على الدور المركزي لمؤسسة كهرباء لبنان.
 
 
في الختام، نأمل أن تكون انطلاقة الحكومة العتيدة مؤشرًا للتغيير الإيجابي في لبنان وأن يكون برنامج إصلاح ملف الكهرباء محطة تلاق بين السياسيين لا حلبة متجددة للصراع.






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.