Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي زغيب, باحث في المركز اللبناني للدراسات


February 2019
الحكومة اللبنانية الجديدة يجب أن تعالج تشاؤم المواطنين

مرّت تسعة أشهر على الانتخابات البرلمانية اللبنانية، ولا زال الجو خالياً من أي حس بالتفاؤل. وأخيراً، بلغت عملية تشكيل الحكومة، التي طال أمدها، خواتيمها. لكن الآن، أصبح من الواجب على الحكومة الجديدة اتخاذ اجراءات حاسمة، إذ بات من الحتمي لها أن تتخذ خطوات لإعادة إحياء اقتصاد راكد، اقتصاد يؤكّد عدد من الخبراء بأنّه على شفير أزمة. فقد كانت الوعود بالإصلاح وتحسين حياة المواطنين، التي يُروّج لها كثيراً ولكن نادراً ما توضع موضع تنفيذ، بارزة في الحملات الانتخابية وفي البيانات التي أدلت بها الأحزاب السياسية عقب تشكيل الحكومة. والآن، أضحى من الواجب تحقيق هذه الوعود، إذ بات مستوى التشاؤم العام مرتفعاً، وينبعث حسّ عام من القلق حيال المستقبل في جميع أنحاء البلاد.
 
وفي جهد يهدف إلى فهم الأسباب خلف تباطؤ نبض الأمة، استخدم المركز اللبناني للدراسات نتائج توصّلت إليها دراسة استقصائية أجرتها شركة ستاتيستكس ليبانون المحدودة للإحصاء في خريف العام 2018، من أجل تحديد تصور المواطنين للدولة و أولوياتهم الشخصية.
 
من البارز أن نسبة بلغت 95% من المستجيبين أدلت بأنّ البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، غير أنّ مزيداً من التعمّق في البيانات التي تم جمعها يُظهر بأن مشاعر التشاؤم لا يتشاركها السكان بشكل متساوٍ. فالمستجيبين ذوي الدخل المرتفع عبّروا مثلاً عن مستويات تفاؤل أعلى بشكل ملحوظ مقارنة مع هؤلاء ذوي الدخل الأدنى.
 
يتوافق التشاؤم مع تصور لتراجع في الحوكمة والحالة العامة للاقتصاد. وقد أفاد أكثر من نصف المستجيبين في الدراسة الاستقصائية عن تراجع في وضع البلاد منذ إجراء الانتخابات في العام 2018، في حين لم يرَ 40% منهم أي تغيير في الوضع الراهن، وفقط 8% شعروا بتحسّن. وتنبع هذه النظرة المتشائمة بشكل كبير عن قلق السكّان المتزايد حيال سبل عيشهم. وقد كان المستجيبون قلقين في المقام الأول حيال وضع الاقتصاد (36%)، يليه البنى التحتية (33%)، فالفساد (16%)، والمشاكل الاجتماعية (8%)، والقضايا المرتبطة بالأمن والنزاع السياسي (7%). وعلى وجه أكثر تحديداً، أُفيد عن الفساد (16%)، والكهرباء (15%)، والتوظيف (10 %)، وتكلفة المعيشة (10%)، والمياه (6%)، والفقر (5%)، على أنّها القضايا الأبرز. وقد اختلفت الشواغل بشكل ملحوظ بين المناطق، مع بروز الشواغل الاقتصادية في عكار (52%)، وبعلبك- الهرمل (59%)، والبقاع (51،9%)، في حين شكلّت مشاكل البنى التحتية الشواغل الأبرز للمستجيبين في النبطية (36.7%)، وبيروت (36،2%)، وجبل لبنان (35،5%)، والشمال (34.8%)، والجنوب (36،4%).
 
وكان القلق حيال الاقتصاد أكثر انتشاراً في صفوف المجموعات الأصغر سناً، وهي شريحة المجتمع التي غالباً ما تواجه المهمة الصعبة المتمثلة في الانخراط في القوى العاملة. وبحسب وزير العمل اللبناني السابق محمد كبارة، فإنّ نحو 36% من الأشخاص دون سن الـ 25 عاماً لا يعملون، بالرغم من كونهم نشطين في البحث عن وظيفة. ونظراً للتباطؤ في النمو منذ العام 2011، فإن الاقتصاد لا يُولّد ما يكفي من فرص العمل لتلبية احتياجات العدد المتزايد من الخريجين. أضف إلى ذلك، أنّه مع انتشار الموظِفين غير النظاميين في البلد، شهدت رواتب المجموعات الأصغر سناً انكماشاً.
 
تُعدّ الشواغل الاقتصادية خاصية بارزة في المناطق المتأخرة في لبنان. في الواقع، إنّ التصوّرات الخاصة بالمشاكل الاقتصادية في المحافظات الثلاث الأقل نمواً، وهي عكار، وبعلبك-الهرمل، والبقاع، أعلى بكثير من مناطق أخرى أكثر نمواً.
 
ويبدو بأنّ خاصية معيّنة تؤدي إلى تخفيف العبء الاقتصادي، ألا وهي الانتماء إلى حزب سياسي. عند الأخذ بعين الاعتبار متغيرات أخرى، يبدو أنّ العضوية في حزب سياسي تتطابق مع إبلاغ أدنى عن شواغل اقتصادية. باختصار أكبر، إنّ هذه المجموعة أقل قلقاً حيال فرص العمل وكلفة المعيشة.
 
و في حين تم الإبلاغ عن الشواغل الاقتصادية بشكل كبير، سُجل إبلاغ واسع النطاق عن الشواغل المرتبطة بالبنى التحتية التي بدت أنها تؤثر بالتساوي على الشرائح المختلفة من السكان. وتُعدّ البنى التحتية الخاصة بلبنان من بين الأسوأ في العالم، والبلد مصنّف في المرتبة 130 من أصل 137 من حيث نوعية البنى التحتية. وقد فاقمت الأزمة السورية التي بدأت في العام 2011، والصدمة السكانية الناتجة عن تدفّق نحو مليون نازح، وضع البنى التحتية الذي كان سيئاً في الأصل. وعند أخذ هذا بعين الاعتبار،  ليس بالأمر المفاجئ أنّ الشواغل المرتبطة بالبنى التحتية تتشاطرها شرائح مختلفة من السكان.

على الرغم من التاريخ الطويل من الصراعات في لبنان، والأحداث والتهديدات الأخيرة الناجمة عن تداعيات الأزمة السورية، لم تُذكر المخاوف الأمنية بشكل كبير من قبل المشاركين في الاستطلاع. وقد كانت هذه المخاوف أكثر انتشارًا في المحافظات الجنوبية - النبطية والجنوب - نتيجة لقرب هذه المحافظات من الحدود الجنوبية ولتسجيل 900 نزاع حدودي خلال عام 2018.
 
ويبدو بأنّ نظام الرعاية الاجتماعية الخاص بلبنان، القائم بشكل أساسي على مبادرات اللاعبين من غير الدولة، لا سيما الأحزاب السياسية، يخفف من الآثار السلبية للثغرات على مستوى الرعاية المتأتية عن أوجه القصور في الدولة. في العام 2017، جاء تصنيف لبنان إيجابياً في مجالي الصحة والتعليم الأساسي على المستوى العالمي، إذ حلّ لبنان في المرتبة 72 من أصل 137 بلداً. وقد ازدادت الضغوطات خلال الأشهر القليلة الماضية، بشكل خاص على الأشخاص الذين يسعون إلى شراء مسكن، بفعل قرار مصرف لبنان بوقف قروض الإسكان المدعومة. غير أنّ نتائج الدراسة الاستقصائية تُظهر بأنّ اللبنانيين لا يأتون على ذكر المشاكل الاجتماعية بشكل كبير، إذ فقط 8% عبّروا عن شواغل ذات صلة بالاستحقاقات الاجتماعية، والتعليم، والرعاية الصحية، والسكن.
 
إذاً، يبدو بأننا تخطينا الجولة الأخيرة من الجمود السياسي. الآن، بات من الضروري أن تلجأ الحكومة الجديدة إلى وضع سياسات شاملة وأكثر تشاركية، تهدف إلى ملء الثغرات في سبل عيش المواطنين التي تم تحديدها في هذا المقال. لكن يبدو بأنّ الجمهور الأوسع لم يعد يعلّق آمالاً كبيرة، إذ تُظهر نتائج الدراسة الاستقصائية أنّ 64% من المستجيبين لا يعتقدون بأنّ الأحزاب السياسية تصغي لمؤيديها عند بلورة برامجها السياسية، و73% يعتبرون بأنّ الأمر سيان بالنسبة لغير المؤيدين. ويبدو بأنّ القيادة السياسية اللبنانية أمام معركة صعبة لكسب ثقة المواطنين.  فلكي تتمكن من كسب الثقة، لايمكن للحكومة أن تستمر بإجراء أعمالها بالشكل المعتاد، بل يجب عليها عوضاً عن ذلك أن تصبح شمولية وتقوم بوضع السياسات بطريقة جماعية.






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.