Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


ديما مهدي, باحثة في المركز اللبناني للدراسات


February 2019
على الحكومة اللبنانية إعطاء الأولوية للتصدي للفساد المستشري

يُعدّ لبنان خامس أسوأ بلد من حيث الفساد في الشرق الأوسط وفقًا لمؤسّسة الشفافيّة الدوليّة. والأسوأ من ذلك، أنّه يفتقر، بحسب مؤشّرات الحوكمة العالميّة للبنك الدولي، إلى القدرة المؤسّساتيّة لمكافحة الفساد. ليس من المستغرب أن الأحزاب السياسية قد جعلت من مكافحة الفساد جزءاً محوريّاً من حملاتها الانتخابيّة خلال الفترة المؤدّية إلى الانتخابات النيابية في العام 2018. حتى الحكومة المشكّلة حديثاً قد تعهّدت من خلال بيانها الوزاري بمكافحة الفساد عبر تبنّي الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد والمخطّط التنفيـذيّ الذي نتج عنها, بمبادرة من وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية. لا يعاني لبنان فقط من الفساد البيروقراطي و"الصغير" الذي يتطلّب في كثير من الأحيان دفع رشاوى لتسهيل الإجراءات البيروقراطية، ولكن أيضاً من الفساد السياسي أو "الكبير"، المتجذّر بعمق في نظام تقاسم السلطة والشبكات الزبائنيّة. على ضوء ما تقدّم، سعى المركز اللبناني للدراسات إلى النظر في تصوّرات الناس عن الفساد، أين يعتقدون بأنه يحدث بشكل أكبر، المؤسسات الأكثر فسادًا، وأخيراً، لماذا ينخرط الناس في الممارسات الفاسدة.
  
لذلك، قام المركز بتحليل استطلاع للرأي العام أجرته شركة ستاتيستكس ليبانون المحدودة للإحصاء، استهدف 1200 مستجيباً موزّعين بالتساوي بين الجنسين، ويعكسون التوزيع الطائفي والمناطقي للشعب اللبناني. يُظهر الاستطلاع أولاً أن 98% من المواطنين اللبنانيين يفيدون بأنّ الفساد منتشر بشكل كبير في البلاد. ويعني ذلك بأن هناك شبه توافق على أنّ الرشاوى والواسطة—التي تنطوي على استخدام الشبكات الزبائنية والنفوذ من أجل الحصول على معروف أو النفاذ إلى الوظائف والخدمات—هي ممارسات فاسدة. أضف إلى ذلك أنّ غالبية المستجيبين يعتبرون بأنّ الفساد يتفاقم من حيث النطاق ويثقل بوطأته حياة المواطنين.
 
 تتأثر تصورات الناس عن الفساد بثلاثة عوامل: العامل الأول هو منطقة إقامتهم. تُسجَّل مستويات تصورات الفساد الأعلى في صفوف المواطنين الذين يقطنون في المحافظات الأقل نمواً على المستوى الاقتصادي، مثل عكّار، وبعلبك-الهرمل، والبقاع—وتتّسق هذه النتيجة مع البيّنة التي تفيد بأنّ المناطق الأقل نمواً تتأثر بشكل غير متكافىء بالفساد. العامل الثاني يتعلق بالأفراد الذين لديهم روابط سياسية—أولئك الذين لديهم سهولة في الوصول إلى الشبكات السياسية لغرض تأمين الخدمات الاجتماعية—والذين يعبّرون عن تصوّرات أدنى عن الفساد. ويميل هؤلاء الأفراد إلى النفاذ إلى الشبكات الزبائنية بشكل أكبر، وإلى أن يعانوا أقل من الممارسات الفاسدة، كما وأنّهم يعبّرون بشكل عام عن ثقة أكبر بالمؤسسات العامة. العامل الثالث يعنى  بالمواطنون الذين يتمتّعون بهوية طائفية أقوى—أي المواطنون الذين يتماهون إلى حدّ كبير مع مجموعتهم الطائفية— فهم يرون أيضاً مستويات أدنى من الفساد.

لا يُنظر إلى الفساد على أنه سائد على المستوى الوطني فحسب، بل يُنظر إليه على أنه منتشر على نطاق واسع على المستويين المناطقي والمحلي أيضاً. فعلى سبيل المثال، يفيد نحو 45% من المستجيبين عن انتشار أكبر للفساد في المؤسسات على المستوى الوطني، في حين 30% و25% يتصورون انتشار أكبر للفساد على مستوى المحافظة والمستوى المحليّ على التوالي. كما ويُلاحظ المقيمون في مناطق متأخرة—مثل عكّار، وجنوب لبنان، والنبطية، والبقاع، وبعلبك-الهرمل—وجود مستويات عالية من الفساد على الصعيد البلدي.
  
يعتبر المستجيبون أنّ أكثر من لاعب ينخرط في الممارسات الفاسدة. تفيد الغالبية العظمى من المستجيبين، على وجه التحديد 99% و96%، أن الفساد يُمارس من قبل الحكومة اللبنانية والأحزاب السياسية على التوالي. إلى حد أقل، ذكر 88٪ من المستجيبين أن الشركات الخاصة تنخرط في ممارسات فاسدة، بينما صرح 69٪ بأن منظمات المجتمع المدني تفعل الشيء نفسه.

يعتبر نحو ثلثي المستجيبين بأنّ "المواطنين العاديين" يشاركون أيضاً في الممارسات الفاسدة. وتُفسّر هذه النتيجة جزئياً من خلال واقع أنّ 80% من المستجيبين يعتبرون أنّ الرشاوى تُحقق النتائج المتوخاة، وأكثر من 90% من المستجيبين يفيدون عن نقص في المسؤولية الاجتماعية أو الأخلاقيات، أو عن الجشع أو الطموح بالثراء، والراتب المتدني كدوافع للانخراط في الفساد. علاوة على ذلك، ذكر 85٪ من المستجيبين أن الضغوط العائلية تعمل أيضاً كمحفّز لممارسات مماثلة. من ناحية أخرى، يعتبر أكثر من 90% من المستجيبين أنّ الانخراط في ممارسات فاسدة—بما فيها دفع الرشاوى أو الاستفادة من الواسطة—ضرورية لتسريع المعاملات الرسمية، وضمان مصدر آخر للدخل، وتفادي "مدفوعات أعلى"، وضمان معاملة "ملائمة" أو تفضيلية خلال التعامل مع الموظفين الحكوميين. أضف إلى ذلك أنّ 86% من المستجيبين يفيدون عن "تفادي الجزاء" كمحفّز للانخراط في الفساد، حيث ينطوي الجزاء على افتعال عقبات في تسيير المعاملات الرسمية أو إبطاء المعاملات. في المحصّلة، يعتبر 77% من المستجيبين، ببساطة، أنّ الانخراط في ممارسات فاسدة هي الوسيلة الوحيدة لإنجاز الأمور.
 
 إذاً، كيف من الممكن الاستفادة من هذه النتائج، وما هي التدابير والمبادرات الممكن استخلاصها منها من أجل تخفيف كلّ من ممارسة الانخراط في الفساد، والآثار السلبية المترتّبة عنها؟ يجب أولاً الأخذ بعين الاعتبار نظام تقاسم السلطة الطائفي القائم في لبنان والذي أدّى إلى تعزيز الشبكات الزبائنية وشلّ السلطة المركزية للدولة، مع الأخذ في الاعتبار أيضاً تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات السياسية على تصورات الناس للفساد.
  
إنّ غياب الإرادة السياسية جعل مبادرات مكافحة الفساد السابقة غير فعاّلة، حيث أنّ مبادرات كهذه نادرًا ما تكون عنصراً أساسياً في صنع السياسات. وحتى إذا تم تنفيذ مثل هذه التدابير بشكل جدّي، فإن المبادرات الفعّالة لمكافحة الفساد تتطلب قبولاً في صفوف الناخبين. على ضوء ما تقدّم، من المهم أخذ تصورات الجمهور اللبناني عن الفساد في الحسبان حيث أن أي مسعى لتخفيف الفساد يجب أن يُنظر إليه على أنه مفيد ومشروع على حد سواء من قبل الجمهور —الذي يتحمّل وطأة هذه الممارسات والذي سيكون أكثر من يستفيد في حال تم التخفيف منها.
 
وإلى جانب الاصلاحات الوطنية التشريعية والإدارية التي تتم التوصية بها من أجل معالجة الفساد—على غرار تمكين المؤسسات المعنية بالرقابة، وإقرار القوانين التي تحدّ من الفساد وتضبطه، وتُعزّز الشفافية—يجب توجيه الجهود نحو توعية المواطنين والتأثير في سلوكهم. وليست هذه بالمهمة السهلة. فبغية معالجة الفساد بفعالية أكبر، وهو أمر قد أصبح ممارسة معتمدة في المعاملات الرسمية، ثمة حاجة إلى اعتماد تدابير تأثّر بشكل مباشر في بلورة تصوّرات المواطنين للفساد. هذه التدابير قد تشمل حملات إعلامية أو حملات تشهير تهدف إلى رفع معايير النزاهة العامة وتؤثر في المشاركة في الممارسات الفاسدة. بالإضافة، يمكن لتشجيع كاشفي الفساد من خلال إنشاء نظام مكافآت أن يدفع بالكثير من الناس للإعلان عن الممارسات الفاسدة.






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.