Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


منى فواز, دكتورة في التخطيط العمراني في الجامعة الامريكية في بيروت وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات


June 2019
تفضيل المكاسب السريعة على التنمية الطويلة الأمد للبيئة المبنية في لبنان

انصّب تركيز الحكومة اللبنانية، منذ نيلها الثقة في 15 شباط / فبراير ٢٠١٩، على موضوع العجز في الموازنة العامة. فدأب صنّاع القرار على إيجاد السبل الآيلة إلى خفض الانفاق تحت راية التقشّف وإن كان على حساب جيوب ورواتب الفئات المجتمعية المحرومة. وفي مقلب الإيرادات التي تحتاجها الدولة من أجل تعبئة صناديقها الفارغة، انصبّ التركيز على مخالفات البناء، لاسيما المباني التي تخالف قوانين التنظيم المدني (مثلاً المباني التي تتجاوز الارتفاع أو الحجم المسموح به نظاميًا) وعلى الاعتداءات على الأملاك العامة البحرية على اعتبار أنّ فرض الغرامات على مرتكبي المخالفات يمكن أن يشكّل مصدرًا كبيرًا للإيرادات العامة (1).
 
يتم في الوقت الحاضر التداول بمشروعي قانون الهدف منهما جمع الأموال "لصناديق" الدولة من خلال تسوية أوضاع المباني المخالفة، أي فرض غرامات على المباني التي تخالف قانون البناء اللبناني (القانون رقم 646 الصادر بتاريخ 11/12/2004) مقابل الاعتراف بقانونية هذه المباني حتى وإن لم تصحّح المخالفة ولم تمتثل لتنظيمات البناء المرعية الإجراء. اقتراح القانون الأول موضوعه "تنظيم مخالفات البناء" (المرسوم رقم 2590) ويتيح لملاّك المباني المخالفة للتنظيمات الحالية تسديد غرامة مقابل "تسوية الوضع القانوني للمبنى". اقتراح القانون الثاني "الواجهة الخامسة، تعديل قانون البناء" (القانون رقم 646 للعام 2004) يسمح بزيادة طابق إضافي بسقف قرميد منحدر على المباني القائمة ولو تجاوزت نسبة الاستثمار المسموح بها. ولا يشترط أي من الاقتراحين تقييم ضرر المباني المخالفة على محيطها (2).
 
بالإضافة إلى ما تقدّم، تم الاتفاق على اقتراح قانون حول "معالجة" (3) التعديات على الأملاك العامة البحرية يمدّد لمدّة ثلاثة أشهر المادة رقم 11 من القانون 64 (نُشِرَ للمرّة الأولى بتاريخ 26/10/2017 وانتهت مدّته بعد ستة أشهر). خلال أشهر التمديد الثلاثة هذه، يستطيع المعتدين على الأملاك العامة البحرية "تسوية" التعدي بتسديد غرامة مالية. وفي حين أن القانون 64/2017 لم يعطي أي حق مكتسب لمرتكبي التعدّيات إلا أنه لم يحدّد خارطة الطريق إلى إزالة هذه المخالفات. بل أنه فرض غرامة سنوية، أي أنه أعطى تمديدًا لا نهاية له للخصخصة غير القانونية للأملاك العامة البحرية (4).
 
وهكذا فإن اقتراحات القوانين الثلاثة هذه٬ إن دلّت على شيء٬ فعلى القصور في فهم مبادئ وشروط إدارة المالية العامة ودور البيئة الطبيعية والبيئة المبنيّة في دعم الاقتصاد الوطني. فعوضًا عن النظر إلى الجبال والشواطئ والمدن والمساحات الخضراء كعناصر انتاجية أساسية لإعادة إحياء الاقتصاد الوطني الذي أدركه الجمود، تحوّل هذه الأنظمة الأصول إلى مواد استهلاك. أي بتعبير آخر، تأتينا هذه التنظيمات بغراماتٍ تعطي الأولية لجباية ضرائب قد تنفع للمدى القريب ولكن على حساب الاستثمار في تكوين بيئة صحية مفيدة نحصد نتائجها على المدى البعيد.
 
فلنأخذ مثلا الساحل اللبناني وشواطئه الخصبة، وتكويناته الصخرية الخلاّبة التي تصدّرت في الماضي الجميل إعلانات وزارة السياحة التي تفاخرت بلبنان رقعة أرضٍ "ألغت فصل الشتاء"، وتغنّت بالمناظر الطبيعية الفريدة التي جذبت الزوّار من كافة أصقاع العالم. إنّ مساهمات الخط الساحلي اللبناني المفتوح في التنمية الوطنية جلية الوضوح. فلطالما شكّل مصدر مشترك للرزق للعديد من المؤسسات الصغرى والكبرى، من مكاتب السفر، إلى تجار البطاقات البريدية، فالمصوّرين، وأصحاب وموظفي المطاعم والفنادق والمجمّعات، وكثيرين غيرهم. إن التنظيمات المدنية التي منعت هذه المؤسسات من إقامة مراكزها مباشرةً على الشاطئ، إنما ساعدت على حماية الواجهة البحرية وحافظت عليها كأصول مشتركة للجميع. ولكن ومع بداية الحرب الأهلية بدأت المنتجعات الخاصة تتكاثر بشكلٍ غير قانوني على الساحل وبذلك أصبحت تعيق الحركة من البحر وإليه٬ بما حصر المنفعة من الشاطئ بحفنة تتحكم بالنفاذ إلى الشواطئ. وإذا تحدّثنا بالأرقام، يمكن القول إنّ نصف الواجهة البحرية لمدينة بيروت هي اليوم مكانٌ محجوب، لا تستطيع لا العين ولا الرجل أن تطأه. وبدلاً من التركيز على استعادة الساحل الوطني وتقدير أثر إتاحته للعامة في إعادة تحريك النمو الذي بات ضروريًا، اختارت الحكومة أن تمدّد الاستخدام غير القانوني لهذا الفضاء وبالتالي حصرت الفائدة الممكنة منه بمجرّد غراماتٍ تُفرَض على جهاتٍ ستواصل جني مكاسب خاصة ضخمة من جرّاء استغلاله.
 
أيضاً، إن تمرير القانون الذي يجيز لملاّك المباني المخالِفة للتنظيمات المدنية و/أو تنظيمات البناء تسوية أوضاعها يثبّت وجود هذه المباني وجودًا دائمًا في بيئتنا من دون النظر في الضرر الذي قد تلحقه بمحيطها. ومقابل غراماتٍ هزيلة، ستشّرع وجود مبانٍ تعيق وصول النور الطبيعي والتهوية الطبيعية ومبانٍ تقطع الطرقات وتمتد على أو تخترق نقاط يُفتَرَض أن تكون محمية (بما في ذلك ضفاف الأنهر والشواطئ). وهكذا تتكاثر التعديات على الأراضي الزراعية وتكثر المعوّقات على مجاري المياه الطبيعية في المناطق الريفية. وعوضًا عن تقييم الضرر الفعلي الذي تلحقه هذه التعديات على المجموعة، اكتفى القانون بحساباتٍ ضيّقة ترجمت الأحجام التي تتجاوز عامل الاستثمار المسموح به إلى دولارات، وبذلك يستعيض مجلس النواب عن التخطيط للمدى البعيد بغراماتٍ نقديةٍ آنية تفيد في تغطية العجز المزمن في الموازنة العامة. وفي مثل هذا الواقع، تتراجع إمكانية تحويل المدن إلى مساحاتٍ جذابةٍ للشركات، ويتهدّد مستقبل الأراضي الزراعية التي تكاثرت فيها المباني العشوائية الصغيرة (الكثير منها حصل على تصريحٍ مؤقت بمرسوم من وزير الداخلية والبلديات السابق قبيل دورة الانتخابات البرلمانية عام 2018).
 
ويمكن التساؤل بشأن الغرامات التي تفرضها هذه التشريعات المقترحة على من خالف القانون وهي ضئيلة جدًا مقارنةً بالمنفعة والأرباح التي حقّقها المخالفون. بالفعل، تخمينات أسعار الأراضي، والتي على أساسها يتم تحديد مبلغ المخالفة، تضع سعر الأرض عند سعرٍ أقل من السعر الحقيقي بأضعاف (5). ويخفّض الإطار التوجيهي المستخدم لاحتساب مدّة المخالفة هو الآخر المدّة التي تُطبَّق الغرامات المفروضة على التعديات على الأملاك العامة البحرية فيعفي كل الاستخدامات التي تعود الى السنين قبل العام 1994. ولكن هذه التساؤلات، وان كانت مشروعة، تغفل كلفة تدمير البيئات الطبيعية والبيئات المبنية على التنمية ولذا نخن لا نتطرق لها لكي لا يتحوّل النقاش من نقد للمبادئ إلى نقاش حول التخمينات.
 
وجدير بالذكر أن المقاربة التي اعتمدها المشرّع في اقتراحات القانون الثلاثة المذكورة تكشف عن خلل ٍ خطيرٍ في نظام الحوكمة الحالي في لبنان، فعوضًا عن تأسيس إطارٍ قانوني لتنظيم التفاعل والعمل بين الإدارة المركزية والسلطات المحلية والوطنية والمواطن، إن هذه المقاربة تمدّد للمخالفات وتشجّع عليها في وقتٍ يكثر فيه كلام السياسيين عن "مكافحة الفساد". وهي لا تعطينا إطارًا قانونيًا شفافًا لتنظيم التنمية المدنية وإدارة الشواطئ بل تكتفي بمجرّد اقتناص فرصةٍ لدرّ الأرباح من ذاك الفساد الذي تدّعي مكافحته.
 
إن المساحات الطبيعية والمساحات المبنية هي مكان عيشنا وهي الهواء الذي نتنفّسه. يمكن أن نراها كمساحاتٍ لبناء المنازل، وتأسيس الشركات، وخلق بيئات يحلو فيها العيش، وبناء اقتصادٍ مستدامٍ للمواطن، كما يمكن أن نراها أماكن عابرة نستخرج منها مؤقتًا بعض الأموال إلى حين نضوبها. لسوء الحظ، يبدو أنّ صنّاع القرار في لبنان فضّلوا الخيار الثاني في هذه المرحلة الحرجة في تاريخ وطننا. ولكن نحن نقول إنه حان الوقت لتغيير النغمة: التنمية الاقتصادية هي أولى الأولويات، ولا تتحقّق إلا إذا أدركنا وأقرّينا بأن البيئات الطبيعية والبيئات المبنية هي ركائز أساسية للتنمية الاقتصادية.

 
1.      تختلف تقديرات المبالغ التي يمكن تحصيلها نتيجة التعديات على الاملاك العامة البحرية، تم التحدث في بداية الأمر عن مبلغ يصل إلى مليار دولار أميركي، لكن دراسة مؤخرة خفّضت هذا الرقم إلى 400 مليون دولار فقط. لا يوجد تقديرات حول الملغ الذي يمكن تحصيله من تسويات مخالفات البناء.
2.      في لبنان تحدّد التنظيمات المدنية مساحة البناء لكل منطقة من خلال عامل يحدّد المعدل الذي يجب احترامه بين المساحة المبنية وحجم رقعة الأرض.  وبسبب ارتفاع سعر الأراضي، تجاوزت غالبية المباني التي تم تشييدها بعد العام 1971 عامل الاستثمار المسموح به بإضافة طابق إضافي يتجاوز المساحة المحددة في التنظيمات المدنية للمنطقة التي يقع فيها العقار.
3.      من الجدير بالملاحظة استخدام مصطلح "معالجة" بدلاً من التنظيم أو معاقبة المستخدم في المقترحات القانونية السابقة. ويعكس ذلك عدم ارتياح بعض صانعي القرار لاحتمال الاعتراف بحقوق الشاغلين غير الشرعيين بينما يعتبرها آخرون حلاً مناسبًا لأن المشكلة تكمن في نظرهم في امتناع الشاغلين عن دفع رسوم مقابل شغل الملك العام البحري وليس في الاحتلال الفعلي للملك العام البحري.
4.      كما هي الحال مع "طابق المر" الذي أجيز خلال الحرب الأهلية والذي ينتقده أخصائيو التنظيم المدني والمهندسون وسكان المدن لآثاره السلبية الكثيرة على المدن اللبنانية.
5. نشرة الأخبار المسائية للمؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشونال بتاريخ 8 أيار 2019 https://tinyurl.com/yxhlw7j9

 






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.