Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله ونانسي عز الدين, على التوالي، مدير المركز اللبناني للدراسات، وباحثة في المركز اللبناني للدراسات


September 2019
قطاع التصنيع في ظلّ الحاجة إلى نهج اقتصاديّ جديد

تسعى الحكومة اللبنانيّة جاهدةً إلى احتواء العجز المالي والتجاري المزمن، لكنّ الركود الاقتصاديّ لا يزال مستمرّاً في النصف الأوّل من العام 2019. وترتكز خطّة الحكومة الهادفة إلى إنعاش الاقتصاد على مشاريع مؤتمر "سيدر" ودراسة "ماكنزي" التي لا تزال تنتظر موافقة مجلس الوزراء.

لكنّ هذه الخطط لا تضمن تحقيق النموّ الشامل والمستدام. فأوّلاً، تتمحور مشاريع مؤتمر "سيدر" بشكل أساسيّ حول البنية التحتيّة، وهي بلا شكّ مشاريع ضروريّة لكن غير كافية لتحقيق نموّ مستدام أو استحداث فرص عمل جيّدة – وإن تمّت إدارتها بالشكل الصحيح. وثانياً، لا يركّز برنامج "ماكنزي" بما يكفي على تحسين قطاع التصنيع أو الاستفادة منه على الرغم من تشديده على أنّ هذا القطاع أساسيّ من أجل النموّ.

في الواقع، لطالما سجّل لبنان أداءً ضعيفاً في الحفاظ على معدّلات نموّ مرتفعة واستحداث وظائف جديدة. واستقرّ النموّ الاقتصاديّ عند نسبة معدّلها 1,3% بين العامين 2010 و2017. وشهد النموّ تقلّبات وارتكز بشكل كبير على التدفّقات الماليّة الواردة والحوالات الماليّة. وبالتالي، عجز الاقتصاد عن توليد فرص عمل كافية حتّى في فترات النموّ المرتفع. بتعبير آخر، لقد فقد النموذج الاقتصاديّ الذي برز بعد الحرب الأهليّة قوته الدافعة.

ما يحتاج إليه لبنان اليوم هو نهج مختلف تجاه النموّ الاقتصاديّ يكون قطاع التصنيع فيه جزءاً من الاستراتيجيّة المعتمدة. لذلك، يتعيّن على صنّاع السياسات صياغة سياسة صناعيّة واضحة تركّز على تعزيز الصادرات بدلاً من الاكتفاء بحماية الإنتاج المحليّ. فالدول التي تمكّنت من الحفاظ على معدّلات نموّ مرتفعة لديها قطاع تصنيع ضخم، وشهدت تغييرات هيكليّة في القطاع، وركّزت على التنوّع، وعزّزت صادرات المنتجات المعقّدة. وبالتالي، يتطلّب تحقيق النموّ المستدام تحوّلاً اقتصاديّاً هيكليّاً يقوم على تنويع الصادرات وأيضاً على تطوّرها لتشمل منتجات أكثر تعقيداً.


وعلى الرغم من تراجع الصادرات المحليّة من 5 مليارات دولار في العام 2012 إلى 3,9 مليارات دولار في العام 2017، أظهرت دراسة أجراها المركز اللبنانيّ للدراسات مؤخّراً أنّ الصادرات اللبنانيّة تتمتّع بسمات مميّزة ينبغي الاستفادة منها. أوّلاً، يصدّر لبنان 1147 منتجاً من قطاعات متعدّدة، كقطاع الأغذية الزراعيّة وقطاع الآلات والمعدّات الكهربائيّة وقطاع الكيماويّات وقطاع الورق والخشب، ما يدلّ على تنوّع المنتجات بشكل كبير. ثانياً، لا تتنوّع الصادرات اللبنانيّة بين القطاعات فحسب، بل داخل كلّ قطاع، ما يشير إلى أنّ لبنان يتمتّع بقدرات ابتكار عالية وأنّ الصناعيّين لا ينتجون نوعاً واحداً من المنتجات. فمصانع التفّاح مثلاً تُنتج أيضاً المربّى والعصير والخلّ. ثالثاً، تصل المنتجات اللبنانيّة إلى عدد أكبر من الأسواق، مقارنةً بالدول التي تنتمي إلى شريحة الدخل نفسها. فقد باع لبنان منتجاته إلى 171 دولة في العام 2017، فيما باعت كوستاريكا منتجاتها إلى 108 دولة ووصلت الصادرات الأردنيّة إلى 156 دولة. واستناداً إلى مركز لبنان الحاليّ في الأسواق، وقدرته على دخول الأسواق، والطلب العالميّ، تبلغ إمكانات التصدير اللبنانيّة غير المستغلّة 1,7 مليارات دولار في السنة.

وفي ظلّ هذه الإمكانات، يتعيّن على الحكومة اعتماد نهج مزدوج لتعزيز الصادرات. وتتمثّل الاستراتيجيّة الأولى والأكثر سهولةً في هذا النهج بالسعي إلى دخول أسواق جديدة وتسهيل عمليّة تصدير المنتجات التي يتمتّع لبنان بميزة نسبيّة فيها. ووفقاً لملخص السياسة العامة الذي أعده المركز اللبنانيّ للدراسات مؤخّراً، يتمتّع لبنان بميزة نسبيّة في 337 منتجاً من أصل 1147 منتجاً، وتشكّل هذه المنتجات 70% من قيمة الصادرات الإجماليّة. بالإضافة إلى ذلك، تتوزّع هذه المنتجات على 16 قطاعاً، ويستحوذ قطاعا الأغذية الزراعيّة والكيماويات على الحصّة الكبرى منها من حيث القيمة بالدولار. فثمّة 24 منتجاً غذائيّاً زراعيّاً، كالمربيّات والصلصات وزيت الزيتون والشوكولاتة والبقوليّات المجفّفة والنبيذ والبسكويت وعصائر الفاكهة وغيرها، يتمتّع بإمكانات تصدير غير مستغلّة بقيمة 140 مليون دولار، خصوصاً إلى الدول العربيّة كالمملكة العربيّة السعوديّة والكويت والإمارات العربيّة المتّحدة. أمّا قطاع الكيماويّات فيضمّ 13 منتجاً (من بينها مستحضرات التجميل والصابون والطلاء والأدوية) ذا إمكانات غير مستغلّة بقيمة 68 مليون دولار في الدول الشرق أوسطيّة وأيضاً في الهند وبنغلادش والبرازيل والبرتغال وهولندا وإسبانيا.

تدعو الحاجة إذاً إلى تعزيز صادرات المنتجات في هذين القطاعين. ولتحقيق ذلك، قد لا يكون من الضروريّ إجراء تغييرات هيكليّة كبيرة – أو أيّ تغييرات - في عمليّة الإنتاج، نظراً إلى أنّ هذه المنتجات تتمتّع بميزة نسبيّة. عوضاً عن ذلك، ينبغي السعي إلى ترويج المنتج المناسب في السوق المناسبة من خلال تحسين اللوجستيات التجاريّة (بما في ذلك البنية التحتيّة، وترتيبات الشحن، وجودة الخدمات اللوجستيّة)، وتوقيع اتّفاقات تجاريّة، وخفض كلفة الإنتاج للحفاظ على التنافسيّة.

وفيما تؤدّي الاستراتيجيّة الأولى إلى تعزيز صادرات المنتجات القائمة أو توسيع نطاقها، تهدف الاستراتيجيّة الثانية إلى تطوير منتجات جديدة أكثر تعقيداً تتيح للبنان تحقيق نموّ اقتصادي اليوم وفي المستقبل واستحداث فرص عمل جيّدة. وقد أظهرت دراسة أخرى للمركز اللبنانيّ للدراسات أنّ لبنان يتمتّع بالقدرة على تصنيع بعض المنتجات المعقّدة، وإن كان اليوم يصنّع منتجات ذات درجة تعقيد منخفضة ومتوسّطة. فعلى سبيل المثال، في العام 2017، صدّر لبنان 38 منتجاً من بين المنتجات المئة الأكثر تعقيداً في العالم – كالأدوات الميكانيكيّة، ومراكز التشغيل الآلي، ومعدّات مختبرات التصوير الفوتوغرافيّ، والمواد الكيماويّة المركّبة المخصّصة للاستعمالات الفوتوغرافيّة - وبلغت قيمة صادراته ما لا يقلّ عن 100 ألف دولار لكلّ منتج. ويعني ذلك أنّ لبنان يتمتّع بقدرات إنتاجيّة عالية وبدراية واسعة تسمح له بإنتاج المنتجات المعقّدة بسهولة. في الواقع، يتمتّع لبنان بإمكانات لمنافسة غيره من الدول في تصنيع منتجات معقّدة، خصوصاً في قطاعي الآلات والكيماويّات، لكنّه لم يتمكّن حتّى اليوم من الاستفادة منها. وتشمل هذه المنتجات مجموعات توليد الطاقة وآلات المخابز والمحوّلات والمنتجات الصيدلانيّة وغيرها. ولهذه الغاية، ينبغي وضع استراتيجيّة صناعيّة أكثر تفصيلاً تدعم تطوير هذا النوع من المنتجات، وتحديد الأسواق الرئيسيّة لهذه المنتجات. وتشمل هذه الجهود تشجيع البحث والتطوير مع التركيز على تطوير المنتجات، ونقل التكنولوجيا، والإصلاحات التعليميّة المتخصّصة، ورأس المال في القطاعات والمنتجات القادرة على تحقيق تقدّم ملحوظ.

وتتطلّب هاتان الاستراتيجيّتان تعاوناً أكبر ومداولات أكثر بين الحكومة، ممثّلةً بوزارة الصناعة، وجمعيّة الصناعيّين اللبنانيّين من أجل وضع خطّة لتعزيز الصادرات وتنفيذها. ولكي تنجح هذه الجهود، ينبغي إشراك وزارات أخرى، كوزارتي الماليّة والاقتصاد، ومؤسسّات كالبنك المركزيّ في هذه المحادثات.

وتدعو الحاجة أيضاً إلى التزام السياسيّين على أعلى المستويات بدعم هذا القطاع من خلال وضع تدابير وسياسات رئيسيّة. ويتطلّب ذلك تغيّر عقليّة النخبة السياسيّة ونظرتها إلى دور الدولة في دعم القطاع. فقد آن الأوان لكي تدرك هذه النخبة أنّ البلدان التي نجحت في تطوير قدرات تصديريّة تنافسيّة لديها دولة قويّة وفعّالة توفّر لها الأساس التكنولوجيّ والمؤسسيّ والبنية التحتيّة، وأن تعي أنّ السوق غير قادرة لوحدها على توفير هذه المتطلّبات.





Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.