Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


November 2019
التظاهرات اللبنانيّة: انعدام الثقة في النظام السياسيّ

بعد مرور تسعة عشراً يوماً على بداية الانتفاضة الشعبيّة، لا تزال الطرقات مقطوعة ولا يزال مئات الآلاف يتظاهرون في مختلف أنحاء البلاد ولا تزال أبواب المدارس والجامعات مقفلة. لقد نزل اللبنانيّون إلى الشارع مطالبين بالعدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعد صدور قرارات بزيادة الضرائب. وأطلّ رئيس الحكومة سعد الحريري أوّلاً ليعد المتظاهرين بمجموعة من الإصلاحات في محاولة منه لتهدئة الشارع. أمّا رئيس الجمهوريّة ميشال عون فانتظر ثمانية أيّام قبل التوجّه بكلمة إلى المتظاهرين للمرّة الأولى ودعاهم إلى الحضور إلى القصر الرئاسيّ للحوار من دون أن يقدّم إليهم آليّة أو أجندة واضحة. وعندما لم تنجح أيّ من هاتين المحاولتين في تهدئة الشارع، تدخّل السيّد حسن نصرالله ليدعم الحكومة والعهد الرئاسيّ وأيضاً أجندة الحريري. وبعد أربعة عشر يوماً من التظاهرات، أعلن الحريري أخيراً استقالته. لقد ألقى عون والحريري والسيّد نصرالله ثلاث خطابات متلفزة منذ بداية التظاهرات وعدوا فيها المتظاهرين بمجموعة من الخطوات على أمل تهدئتهم، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل. فالمشكلة أبعد من ذلك بكثير ولا تقتصر معالجتها على إقرار بضعة قوانين أو تغيير الحكومة لأنّ جذور المشكلة تكمن في غياب الثقة بين المواطنين والأطراف السياسيّة. 
 
لقد ألحقت التظاهرات الشعبيّة الضرر بالقادة الثلاثة. فقد خسر الحريري منصبه كرئيس للحكومة، ولم تنجح خطّته بانتخاب عون رئيساً للجمهوريّة قبل ثلاثة سنوات ليتولّى هو رئاسة الحكومة. أمّا الرئيس ميشال عون فتزعزع عهده. وكشف الهجوم على رئيس التيّار الوطنيّ الحرّ، جبران باسيل، الذي يتوقّع الكثيرون أن يخلف عون، عن عداوات عائليّة. بالإضافة إلى ذلك، أعلن نائبان من التيّار الوطنيّ الحرّ انسحابهما من الكتلة النيابيّة. وبالنسبة إلى السيّد نصرالله، فقد بدا أنّه يصطفّ مع السياسيّين الفاسدين ضدّ مطالب الشعب لأنّه حاول تفادي سقوط الحكومة. وأظهرت استقالة الحريري، التي اعتبرها حزب الله بمثابة "انقلاب" محدودية صلاحياته في النظام الطائفيّ الذي سعى إلى الحفاظ عليه. ولعلّ الحريري، الذي خرج الأضعف في انتخابات 2018 النيابيّة، قرّر الاستقالة لزيادة فرصه في الحكومة المقبلة. وقد تكون عوامل متعددة ساهمت في قراره هذا، لكنّ المؤّكد هو أنّ التظاهرات الشعبيّة غيّرت المعادلة السياسيّة، وهذا أمرٌ لا يستهان به.
 
في الواقع، أظهر الأسبوعان والنصف الماضيان ثلاثة مسائل مهمّة. أوّلاً، قد لا يكون مفاجئاً أن يعمد القادة السياسيّون من أحزاب سياسيّة مختلفة إلى مساندة بعضهم البعض في أوقات الشدّة، لكنّها ربّما المرّة الأولى التي يحاول فيها السيّد نصرالله بشكل واضح وصريح المحافظة على النظام نفسه الذي لطالما تصدّى له حزبه في الماضي. من المذهل كيف أنّ حزب الله تغيّر على مرّ السنين وتغلغل في النظام السياسيّ اللبنانيّ ليصبح اليوم مُنقذه. وقد دفعه موقعه هذا إلى حماية الحكّام الطائفيّين وسياساتهم الفاسدة التي أنهكت الدولة. يبدو أنّ السيّد نصرالله يعتبر المحافظة على النظام لتفادي الفراغ السياسيّ أهمّ من محاربة الفساد أو ادّعاء محاربته. قد يكون هذا الموقف مناسباً على المدى القصير، لكنّه قد يُقحم حزب الله في معضلة أكبر على المدى المتوسط من جرّاء حمله عبء دولة مهترئة.
 
ثانياً، تُظهر موافقة القادة السياسيّين على ورقة الحريري الإصلاحيّة عدم استعدادهم لإصلاح الدولة والاقتصاد بطريقة تدعم رفاه المواطنين. فهذه الورقة تهدف في الدرجة الأولى إلى خفض عجز الموازنة ومحاربة الفساد وإقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص من جملة أمور أخرى، لكنّها تفتقر إلى المصداقية والترابط. فمع أنّها تعفي المواطنين من ضرائب إضافيّة هذه السنة، إلا أنّها لا تمهّد الطريق إلى نظام ضريبيّ عادل، علماً أنّ ثلثَي الضرائب في لبنان اليوم هي ضرائب تنازليّة أي لا تفرّق بين مستويات دخل المستهلكين.
 
وفيما تتضمّن الورقة الإصلاحيّة استراتيجية محاربة الفساد الصادرة عن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإداريّة، لا تنصّ على إنشاء سلطة قضائيّة مستقلّة تضمن سيادة القانون. ومع أنّ رئيس الجمهوريّة أشار في خطاباته المختلفة إلى عدد من مشاريع القوانين التي اقترحها لمحاربة الفساد، إلا أنّه لم يذكر أنّه رفض توقيع قانون إنشاء هيئة وطنيّة لمكافحة الفساد بذريعة أنّه يريد إدخال تعديلات عليه. يبدو أنّه يفضّل أن يقوم السياسيّون بتعيين القضاة، الأمر الذي لا يساهم بتاتاً في مكافحة الفساد.
 
لكنّ التحدّيات التي يواجهها لبنان لا تقتصر على سنّ القوانين. أوّلاً، ثمّة بعض القوانين التي لا تطبَّق. لذلك، كلّ من يعتبر أنّ الإصلاح ممكنٌ من خلال إقرار قوانين معيّنة هو إمّا ساذج وإمّا يضلّل الناس لأنّ ذلك سيكون "نهاية" الإصلاحات بدلاً من "بدايتها". لقد أقرّ مجلس النوّاب اللبنانيّ أكثر من 30 قانوناً لم يتمّ تطبيقه أو لا يمكن تطبيقه لأنّ الحكومة لم تصدر أيّ مراسيم تطبيقيّة. أضف إلى ذلك أنّ القوانين المهمّة، كتلك المتعلقة بمكافحة الفساد أو استعادة الأموال المنهوبة أو إعادة النظر في العقود الحكوميّة تستدعي أن تتمّتع المؤسّسات الرئيسيّة، كمجلس النوّاب والقضاء والهيئات الرقابيّة، بالصلاحيات والاستقلالية اللازمة لتحقيق أهدافها. من المستحيل أن تطبَّق هذه القوانين تطبيقاً صحيحاً على يد الأطراف السياسيّة نفسها التي يتّهمها الناس بأنها الجانية. بتعبير آخر، يحتاج لبنان إلى تغيير مؤسسيّ من أجل تطبيق المساءلة.
 
لهذه الأسباب كلّها، يصعب علينا عدم "الاستخفاف" بالورقة الإصلاحيّة المليئة بالعيوب والبعيدة عن المصداقيّة والتي تطرقنا لها في مقال سابق*. من دون تغيير مؤسسيّ، ستؤدي ورقة الحريري الإصلاحيّة، التي قد تعتمدها الحكومة المقبلة، إلى تشرذم الدولة أكثر وقد تساهم في تفاقم الفساد. فما من آليّة مساءلة للتأكّد من أنّ المسؤولين المنتخَبين يؤدّون واجبهم وما من جهود جدّية للقيام بإصلاحات فعليّة. لقد ألقى القادة الثلاثة باللوم على نظام المحاصصة، لكنّ أيّاً من الأطراف السياسيّة لم يقترح حلاً بديلاً جدّياً وقابلاً للتطبيق.
 
في الواقع، كشفت التظاهرات أنّ المشكلة لم تعد تقتصر على تشكيل حكومة جديدة أو صياغة قوانين جديدة أو حتّى تطبيقها. لقد انكسرت الثقة في النخبة السياسيّة، ولم تعد الوعود تجدي نفعاً. فقد اعتبرت الأطراف السياسيّة أنّ نهاية الاحتلال السوريّ في العام 2005 هي بداية جديدة، محمّلةً الوجود السوريّ مسؤوليّة إعاقة الإصلاحات والتغيير الفعليّ. لكن، بعد مرور 15 سنة تقريباً، ازداد الوضع السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ سوءاً ولم يشعر القادة السياسيّون بوجع الناس ولم يأخذوا مطالبهم وغضبهم على محمل الجدّ. لهذه الأسباب كلّها، لا يمكننا أن نلوم المتظاهرين إذا لم يصدّقوا الوعود التي أطلقها السياسيّون من جديد والتي تبدو واهية في حال عدم اتّخاذ خطوات ملموسة وجدّية. إنّ لبنان بحاجة ماسّة إلى نظام حكم جديد. 
 
 
* https://www.lcps-lebanon.org/featuredArticle.php?id=250






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.