Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


باسل صلّوخ, أستاذ مشارك في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت وباحث مشارك في المركز اللبناني للدراسات


November 2019
من أجل لبنان آخر...

حدث أخيراً ما لم يكن في الحسبان. اهتزّ النظام المذهبي المبني على اقتصاد سياسيّ وممارسات مؤسساتيّة وزبائنية في لبنان ما بعد الحرب هدفها إنتاج هويات وولاءات سياسية مذهبية.
 
بدأت الحكاية في منتصف القرن التاسع عشر عندما انفجرت الاضطرابات الناجمة عن التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإصلاحات العثمانيّة والتوغّل الاستعماريّ لتولّد عنفاً ساهم في إرساء نظام طائفيّ جديد في جبل لبنان. فبدأ المشهد الاجتماعيّ المتنوّع، الذي تداخلت فيه هويّات دينيّة مختلفة مع مجموعة من الهويّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعائليّة والمحليّة البديلة، يتمظهر عبر هويّات مذهبية في الدرجة الأولى. وبالتالي، استندت الحوافز السياسيّة في النظام الذي برز في جبل لبنان بعد العام 1861 إلى ركائز مذهبية في أغلب الأحيان. وقد تكرّس هذا النظام لاحقاً بعد نيل لبنان استقلاله، ثمّ ترسّخ في فترة ما بعد الحرب حين أُعيد إنتاج نظام الديمقراطية التوافقية بشكل أعمق وأوسع، ما أدّى إلى هيمنة الهويّات المذهبية وأساليب التعبئة السياسيّة بشكل أكبر.
 
وترافق هذا النظام مع اقتصاد سياسيّ ريعيّ يخدم المصالح الخاصة والزبائنية للطبقة السياسيّة المذهبية. واضطلع القطاع العامّ المتضخّم بدور جوهريّ في بناء هذا الاقتصاد السياسيّ، إلى جانب الدور الذي لعبته تكنولوجيا الفساد وتجاوز القانون. وكان الغرض من ذلك كلّه الحؤول دون حصول أيّ نوع من التعبئة السياسيّة والانتماء السياسيّ خارج الإطار المذهبي. فقد كانت المذهبية الغطاء المستخدم لإخفاء المعارك السياسيّة والطبقيّة. وشكّل هذا النظام الذي برز بعد الحرب عائقاً أساسيّاً أمام تحقيق السلام والمصالحة الحقيقيّة بين الجماعات اللبنانيّة المختلفة.
 
ولكي يؤدّي هذا الاقتصاد السياسيّ القائم على المذهبية وظائفه بسلاسة ويُنتج رعايا مذهبيين خاضعين، كان لا بدّ من تدفّقات مالية خارجية لتمويل العجز التجاريّ والمدفوعات، وبالتالي تحمّل عبء الدين العام الناجم بشكل كبير عن الشبكات الزبائنيّة المتغلغلة داخل مؤسّسات الدولة وخارجها والسياسات المالية والاقتصادية بعد الحرب. وقد تحقّق ذلك بالفعل من خلال مؤتمرات متعاقبة للدول المانحة. وبالتالي، سجّل ميزان المدفوعات بين العامين 2006 و2010 فائضاً تراكميّاً بقيمة 19,5 مليار دولار، لكنّه تراجع بحلول العام 2011 وشهد عجزاً تراكميّاً بقيمة 18,5 مليار دولار بحلول نهاية شهر تموز من العام الحاليّ. وأدّى هذا التصدّع الهيكليّ إلى المظالم الاقتصاديّة التي انفجرت في 17 تشرين الأول وتطورت لاحقاً إلى ثورة مناهضة للمذهبية عابرة للمذاهب والطبقات الاجتماعيّة والمناطق.
 
إنّها ثورة تمكّنت من تحقيق الكثير في وقت قصير. فقد سمحت بتخيّل وطن جديد بعيداً عن الانتماءات المذهبية الضيّقة. وأدّت إلى تغيير نظرة الناس إلى أنفسهم. فبعد أن كانوا يعتبرون أنفسهم رعايا مذهبيين في نظام سياسيّ مبنيّ على ركائز دينيّة، باتوا يرون أنفسهم مواطنين مناهضين للمذهبية ومتخّطين لها يعيشون في مجتمع مدنيّ ديمقراطيّ متعدّد الأصوات يستند فيه العمل السياسيّ إلى مصالح طبقيّة وبيئيّة وجندرية بديلة. بالإضافة إلى ذلك، تشكّل ثورة 17 تشرين الأول النهاية الفعلية للحرب الأهليّة ومصالحة حقيقيّة بين فئات مجتمعيّة كانت قبل ذلك متصارعة. وتُعتبر هذه المصالحة بداية للسلام والشفاء الجماعيّ اللذين صعُب تحقيقهما ما بعد الحرب، ورادعاً لمحاولات مستقبليّة قد تقوم بها النخبة السياسيّة-الاقتصاديّة لاستغلال المذهبية لغايات محليّة أو جيوسياسيّة. ما نشهده إذاً هو ولادة "مجتمع متخيّل" - على حدّ قول العالِم السياسيّ الإيرلنديّ بنيديكت أندرسون – عابر للمناطق والطبقات والمذاهب والجندرية. هذا هو الإنجاز الأعظم اليوم. إنّه إنجازٌ لا يمكن إنكاره ولا محوه مهما كانت النتائج على المدى القريب.
 
لكنّ ذلك لا يعني أنّ تلك المجتمعات المذهبية المختلفة المنبثقة من ممارسات النظام المذهبي الإيديولوجيّة والماديّة والمؤسسيّة ستزول قريباً – على الرغم من اضمحلال مصادر الخدمات الزبائنية. فهذه المجتمعات مخدَّرة بفعل الهيمنة الإيديولوجيّة للنظام المذهبي، وخطابه المذهبي المشيطن والتحريضي. وهي تخشى أيضاً خسارة مصالحها الماديّة المرتبطة بما تبقى من الاقتصاد السياسي للنظام المذهبي. لكنّها بلا شكّ في مواجهة خاسرة مع التاريخ.
 
في نهاية المطاف، سيتمكّن هذا المجتمع الناشئ المناهض للمذهبية والمؤلّف في الدرجة الأولى من أجيال ما بعد الألفيّة من تخطّي العنف المحتوم الممارَس ضدّه وسيبرهن للمجتمعات المذهبية المختلفة، من خلال الممارسات السلميّة والديمقراطيّة، أنّ "ثمة متسعاً للجميع في موعد النصر" (كما قال الشاعر والسياسيّ إيمي سيزير) في هذه المعركة الطويلة من أجل ولادة لبنان آخر.
 






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.