Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


February 2020
حكومة حسان دياب ما بين الصراعات النخبوية والتظاهرات الشعبية

تمكّن حسان دياب أخيراَ من تشكيل حكومة بمساعدة بعض من أصدقائه بعد أن كادت جهوده أن تتعثر بسبب تضارب مطالب الأحزاب السياسية. فقد احتفظت كتلة التيار الوطنيّ الحرّ بالثلث المعطّل، علماً أنها تملك حصّة الأسد من خلال سبعة وزراء. وانتزع كلّ من تيار المردة والحزب الديمقراطي اللبناني مقعداً إضافياً، ما أجبر دياب على زيادة حجم حكومته من 18 إلى 20 وزيراً. ويملك رئيس مجلس الوزراء خمسة مقاعد، أي ربع الحكومة، فيما مُنح كلّ من حزب الله وحركة أمل مقعدان اثنان. ورفض تيّار المستقبل والحزب التقدميّ الاشتراكيّ والقوات اللبنانية المشاركة في الحكومة، ما جعلها حكومة لون واحد. وتميّزت الحكومة بكونها تضمّ ستّ نساء، ويحمل الكثير من وزرائها شهادات جامعية عليا، وإن كان بعضها غير مرتبط بالحقائب الوزارية.
 
ليست تماماً حكومة حزب الله
سارع الكثير من النقاد الدوليين إلى وصف حكومة حسان دياب بأنّها حكومة يقودها حزب الله أو ألمحوا إلى أنّ حزب الله أبعد الأحزاب الآخرين لكي يتمكن من السيطرة على الحكومة. لكنّ مسار الأحداث يبيّن العكس. فحزب الله لم يشأ أن يستقيل سعد الحريري، وقد بادر السيد حسن نصرالله إلى الإعلان عن دعمه لحكومة الحريري ولخطة الإصلاح الحكومية التي وضعها بعد اندلاع التظاهرات. وفي خلال الفترة التي تفاوض فيها رئيس الجمهورية مع الحريري لإقناعه بالعودة وتولي رئاسة الحكومة الجديدة، أعرب حزب الله عن دعمه، لا بل كان مستعداً لتقديم تنازلات بشأن تركيبة الحكومة الجديدة. ففي النهاية، كان حزب الله يسعى إلى الاستفادة من التغطية السياسية والعلاقات المالية التي يتمتع بها الحريري من أجل إنقاذ لبنان. والغريب هو أنّ القوات اللبنانية، خصم حزب الله اللدود، هي التي تخلت عن الحريري قبل ليلة من موعد تعيينه رئيساً للحكومة.
 
في الواقع، إذا وضعنا حصة جبران باسيل جانباً، تُعتبر هذه الحكومة موالية لسوريا أكثر منها لإيران. ويبدو أنّ رئيس الاستخبارات السابق، جميل السيّد، المقرّب من نظام الأسد هو الذي طرح اسم دياب لتولي منصب رئاسة الحكومة. وقد اضطلع السيد بدور أيضاً في طرح أسماء بعض الوزراء، كوزير الداخلية محمد فهمي، كما وتربطه علاقات عمل وعلاقات شخصية مع وزراء آخرين. وقد حصل الحزب السوري القومي الاجتماعي أيضاً على مقعد في الحكومة من خلال تعيين زينة عكر وزيرة للدفاع. ويبدو أنّ بطاقة دخول وزير الاقتصاد والتجارة راؤول نعمة إلى الحكومة كانت علاقاته الوطيدة مع رجل الأعمال النافذ علاء الخواجة الذي يملك بنك البحر المتوسط وشركة "أوجيه إنترناشونال" وغيرهما. ولعبت السياسة المحلية دوراً أيضاً إذ إنّ حزب الله قد سمى رئيس بلدية بعلبك السابق، حمد حسن، في محاولة منه ربّما لإسترضاء هذه الشريحة التي كسبها بصعوبة في الانتخابات النيابية السابقة.
 
وتمكنت الأحزب السياسية من الاحتفاظ بمعظم الحقائب الوزارية التي كانت تتولاها في الحكومة السابقة. فاحتفظ التيار الوطني الحرّ بوزارات الخارجية، والدفاع الوطني، والعدل، والمهجّرين، والطاقة والمياه، والاقتصاد والتجارة فيما أبقت حركة أمل سيطرتها على كلّ من وزارة المالية والثقافة والزراعة. وما زال حزب الله يتولى وزارة الصحة العامة، لكنه استبدل الشباب والرياضة بالصناعة. أمّا تيار المردة فما زال يتولى وزارة الأشغال العامة. وبالتالي، لا تزال 11 حقيبة وزارية من بين 14 حقيبة في أيدي الأحزاب نفسها التي كانت تتولاها في الحكومة السابقة.
 
الأولويات والتحديات المستقبلية
أمام الحكومة الجديدة مهمّة ضخمة تتطلب منها معالجة ثلاث مسائل رئيسية هي، أولاً، الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة بما أنّ المتظاهرين شكّكوا في الأشهر القليلة الماضية في الشرعية الشعبية للأحزاب السياسية الحاكمة، وثانياً، تحقيق استقلالية القضاء لتمكينه من تنفيذ برامج مكافحة الفساد، وثالثاً، وهي المسألة الأكثر إلحاحاً، معالجة الأزمة المالية بما يشمل إعادة هيكلة الدين وتنفيذ إصلاحات اجتماعية وضريبية وإعادة تنظيم القطاع المصرفي بغية الحدّ قدر الإمكان من التداعيات السلبية على المواطنين.
 
وستواجه الحكومة تحديات كثيرة، منها صعوبة جمع رأس المال الضروري لضخّ السيولة في القطاع المالي في حال عدم وضع خطة اقتصادية موثوقة على الفور. وحتّى لو تمكنت الحكومة اللبنانية من جمع الأموال اللازمة، يبقى سجلّها في تنفيذ الإصلاحات ضعيفاً، خصوصاً عند النظر إلى مؤتمرات باريس الهادفة إلى مساعدة لبنان.
 
وتكمن خلف الأزمة المالية ثلاثة صراعات نخبوية على الأقلّ قد تعطّل عمل الحكومة، أوّلها التنافس بين نبيه بري وجميل السيّد بما أنّ السيّد يشكل تهديداً لبيري بالنسبة للرئاسة المستقبلية لمجلس النواب. وقد يكون هجوم رجال بري على المتظاهرين في وضح النهار في منطقة الجناح منذ أسبوعين رسالة إلى السيّد حول عدم قدرة الحكومة الذي ساهم في تشكيلها في إدارة البلاد.
 
أمّا الصراع الثاني فهو المنافسة بين باسيل وفرنجية وجعجع على رئاسة الجمهورية المرتقبة في تشرين الثاني 2022. ففيما يعتبر باسيل نفسه الوريث الطبيعي لحماه ميشال عون، يخالفه الكثيرون الرأي. وسيسعى باسيل إلى القضاء على أيّ منافس محتمل له، لذلك سيحرص على الأرجح على ألا تدوم الحكومة لفترة طويلة لكي يضمن لنفسه كرسيّ السائق مع اقتراب موعد الانتخابات.
 
والصراع الثالث هو بين الحريري وباسيل اللذين ساد التوتّر علاقتهما بعد اندلاع التظاهرات. فمع أنّ هذين الزعيمين هما خارج الحكومة حالياً، إلا أنّ الحريري سيخطط، بدعم من الحزب التقدميّ الاشتراكيّ، إلى العودة، ما سيزيد من الضغوط على القرارات الحكومية في مجلس الوزراء ومجلس النواب.
 
وقد تؤدي هذه الصراعات إلى تقليص قدرة دياب على المناورة.
 
باختصار، ستكون للبنان قريباً حكومة جديدة أصغر حجماً تضمّ وجوهاً كثيرة جديدة أغلبيتها متخصصة وذات مؤهلات علمية عالية. لكن المتظاهرين لا يوافقون على هذه الحكومة بما أنهم يعتبرون وزراءها مستشارين أو ممثلين عن الأحزاب السياسية الحاكمة نفسها التي أدخلت لبنان في الفوضى التي يتخبط فيها حالياً. وفي الواقع، لم تفشل الحكومات المتعاقبة في تأدية عملها بسبب حجم تحالفاتها أو تركيبتها أو (غياب) الخبرة فيها، بل فشلت بسبب غياب المؤسسات التي يمكنها محاسبة الوزراء على قرارتهم السيئة وعلى نهب الموارد العامة.
 
ويبقى التحدّي الذي يواجهه المتظاهرون معرفة كيفية تنظيم أنفسهم سياسياً لكي يتمكنوا من ممارسة الضغط على الحكومة والفوز في الانتخابات والاستفادة من الصراعات النخبوية. ومع أنّ الواقع السياسي والاقتصادي المتردي لن يتغير قريباً، إلا أنّ تغيّر المعايير السياسية والاجتماعية الذي شهدناه منذ 17 تشرين الثاني هو الذي سيمهد الطريق، في حال استمراره، لبناء لبنان أفضل وأكثر مساءلة وعدالة.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.