Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


ريما ماجد, بروفيسورة مساعدة في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت وزميلة باحثة في المركز اللبناني للدراسات


May 2020
انهيار ماليّ وثورة ووباء: أين النقابات والاتحادات؟

لقد علّمتنا الأشهر الستة الماضية التي مرّت على لبنان أنّه من المهمّ في الأوقات الصعبة والاستثنائية، كفترات الانهيار الماليّ والثورات والأوبئة، وجود منظّمات على مستوى القاعدة الشعبية قادرة على تأدية دور مهمّ في حماية المصالح الجماعيّة وتوفير شبكات أمان اجتماعيّ وتصوّر حلول بديلة تتمحور حول العدالة الاجتماعية. وفي هذا الوقت الذي يستمّر فيه الوضع الاقتصاديّ بالانهيار ويلزم الناس منازلهم لاحتواء فيروس كورونا، تبقى المعضلة الكبرى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المترتبّة عن إجراءات العزل. فالجائِحَة لا تتطلب تدخلات طبية وصحية فحسب، بل أيضاً خططاً اجتماعية وسياسية واقتصادية لحماية المجتمع ومساندته في الظروف الصعبة التي يشهدها، ولا سيّما في لبنان حيث انتشر فيروس كورونا تزامناً مع الانهيار الاقتصاديّ.
 
على الرغم من مرور أسابيع عدّة على تطبيق إجراءات الإغلاق الكامل في لبنان، اتّخذت الحكومة تدابير محدودة وبطيئة جداً لحماية الفئات الأكثر فقراً على حدّ تصنيفها. وقد استغلّ الزعماء الطائفيون الوضع لصالحهم طبعاً من خلال توزيع صناديق المساعدات على جماعاتهم. لكن في أوقات كهذه، لا ينبغي أن تكون الحماية الاجتماعية على شكل برنامج خيريّ لمساعدة الفقراء. فنظراً إلى حجم الأزمة الحالية، فإن المجتمع ككل هو الذي يحتاج إلى الحماية وإلى رؤية أكثر شمولية للخروج من الأزمات المتعددة التي تعصف بلبنان. فمَن سيحمي العمّال المياومين الذين خسروا عملهم بسبب إجراءات الإغلاق؟ والعاطلين عن العمل الذين لا يتمتعون بحماية اجتماعية؟ والعمّال والموظفين الذي تمّ تسريحهم؟ والموظّفين الذين خسروا أكثر من نصف معاشاتهم بسبب الأزمة الاقتصادية؟ ومَن سيحمي العمّال المنزليين أو العمّال المهاجرين؟ ماذا عن الطاقم الطبيّ الذي يجازف بحياته لإنقاذ حياتنا؟ وماذا سيحلّ بعمّال النظافة وجامعي النفايات وعمّال التوصيل الذين يحرصون على نظافتنا وسلامتنا بينما يتعرضون للاستغلال وللإجحاف نظراً لأجورهم المنخفضة؟ مَن سيحمي الناس العاجزين عن تسديد الإيجارات أو أولئك الذين فقدوا لقمة عيشهم؟  ومَن سيحمي أصحاب المؤسسات الصغيرة الذين باتوا عاجزين عن تلبية احتياجاتهم المعيشية؟ مَن سيحمي الشباب الذين تمّ تشجيعهم طوال عقود على تأسيس أعمالهم الخاصة وها هم اليوم يتكبّدون الخسائر ويرزحون تحت وطأة الديون؟ إنّ هذه الفئات الاجتماعية لا تُصنَّف جميعها ضمن الفئات "الأكثر فقراً"، لكنّها تحتاج كلّها إلى حماية اجتماعية عاجلة تكون على شكل عدالة اجتماعية، لا برامج خيرية.
 
في ظلّ الثورة الشعببية وإجراءات الإغلاق الهادفة إلى الحدّ من تفشي فيروس كورونا، يشكّل غياب الاتحادات والمنظمات العمالية القوية والناشطة مشكلة كبيرة. ففي أوقات الأزمات، تؤدي الاتحادات والنقابات دوراً محورياً في حماية مصالح الأكثرية في المجتمع وفي الدفع باتجاه إعتماد خطط اجتماعية واقتصادية تضمن الحماية الاجتماعية.  
 
ما أهمية المنظمات العمالية؟
قد يعتبر البعض أنّ الإصرار على أهمية المنظمات العمالية بات "عتيق الطراز"، لكنّ مَن يتابع التطورات الاجتماعية والاقتصادية السياسية في لبنان ويحلّلها يدرك أنّ هذا النوع من المنظمات يضطلع بدور مهمّ في التصدي للنظام الطائفي النيوليبراليّ القائم. فليس من باب الصدفة أنّ الاتحادات العمالية في لبنان تعرضت لهجوم ممنهج وعنيف بعد الحرب الأهلية أدّى في نهاية التسعينيات إلى الهيمنة على الاتّحاد العماليّ العامّ. كذلك، سيطرت السياسات الحزبية الطائفية على النقابات المهنية التي أدّت دوراً مهماً في حماية مصالح النخب الحاكمة.
 
وقد أدى بروز الدولة النيوليبرالية بعد الحرب الأهلية وقيام جهات غير الدولة بتوفير الرعاية الاجتماعية من خلال الزبائنية إلى انعدام المساواة الاجتماعية وبالتالي إلى استفادة المناصرين الحزبيين دون سواهم من الوضع السائد. وفي ظلّ هذا النظام، أصبح المصرفيون ورجال الأعمال والزعماء الحزبيون قادرين على تجميع الثروات واستغلال العمّال والموظفين من دون مقاومة شعبية تُذكَر. فإضعاف الاتحادات النقابية قضى على المفاوضات الجماعية والنضال من أجل الحماية الاجتماعية. وفي هذا السياق، برز نوعان من الناشطية في لبنان بعد الحرب الأهلية، هما التعبئة على أساس المذهب (خصوصاً من خلال الأحزاب السياسية) والحملات القائمة على قضايا (خصوصاً من خلال المجتمع المدنيّ). وقد أدّى هذان النوعان بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى الرغم من مساراتهما التي تبدو متناقضة، إلى إعادة إنتاج النظام الطائفي النيوليبراليّ من خلال تجزئة القضايا وتقسيمها وتعزيز سياسات الهوية وإضفاء الطابع المهني على الناشطية الهادفة إلى معالجة القضايا، من دون التشكيك في البنية نفسها للنظام السياسيّ أو الاقتصاديّ.
 
وبالتالي، لا يمكن زعزعة أساسات النظام إلا إذا بدأ المجتمع بتنظيم نفسه لتحقيق المصالح الطبقية وبالمطالبة بالعدالة الاجتماعية من خلال طرح علامات استفهام حول تجميع الثروات أو من خلال السعي إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها حقّاً للجميع بدلاً من الزبائنية. والمقصود هنا ليس المبالغة في التعبيرعن قوة الشعب، بل بالأحرى تذكير بقوة التنظيم القائم على تحقيق المصالح. ويشكل تحرّك هيئة التنسيق النقابية في العام 2012، الذي هدف إلى تحسين ظروف عمل الموظفين الحكوميين والمعلمين، مثالاً على قوة الاتحادات البديلة وقدرتها على ممارسة الضغوط وتحقيق المنافع المؤدية إلى الحماية الاجتماعية، على الرغم من الهجوم القمعيّ المؤسف الذي أوقف عمل الهيئة في العام 2014.
 
عودة المنظمات العمالية والتجمعات المهنية منذ تشرين الأول 2019
منذ بداية الثورة في تشرين الأول 2019، برزت مجموعات جديدة من العمّال والموظفين والمهنيين. وكانت هذه التحركت في معظمها عشوائية وغير منظّمة، إلا أنّ حجم الأزمة المالية وتداعياتها الكارثية على سوق العمل دفعت الموظفين إلى التضافر والتكاتف في أكثر من مناسبة، إمّا بشكل غير نظاميّ وإمّا عبر الاتحادات القائمة، من أجل حماية حقوقهم والتفاوض بشأن الرواتب والمنافع.
 
وكما كان متوقعاً، لم يشارك الاتحاد العماليّ العامّ في لبنان في الثورة، وفضّلت النقابات المهنية أيضاً التزام الصمت والبقاء على هامش الأحداث التاريخية. ولم يبرز دور النقابات المهنية إلا بعد انتخاب مرشّح مستقلّ كنقيب للمحامين في بيروت. وفي الوقت نفسه، بدأت اتحادات وتجمعات مهنية جديدة تتشكّل كبديل عن النقابات والاتحادات المعطّلة والمهيمن عليها. وفي خطوة مستوحاة من تجمّع المهنيين السودانيين، أُعلن في 28 تشرين الأول عن إنشاء "تجمّع مهنيات ومهنيين" الذي دعا المهنيين والموظفين والعمّال إلى التجمّع في أماكن عملهم وضمّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية إلى المشاكل السياسية لإعادة موضوع العمل والعدالة الاجتماعية إلى الواجهة.
 
إنّ هذا النوع من المبادرات يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في الثورة، لكنّ نجاحه في تغيير دور النقابات وإنشاء تحرّك عماليّ وطنيّ يعتمد إلى حدّ كبير على قدرة المهنيين والموظفين والعمّال على التجمّع بطريقة ديمقراطية ومتّسقة. فهذه التجمعات الناشئة تواجه اليوم تحدياً يتمثّل في اضطرار الكثير من الموظفين إلى العمل من المنزل وضرورة ذهاب "العمّال الأساسيين" إلى العمل بلا انقطاع. وفي هذه الأوقات الصعبة والاستثنائية، لا بدّ من التوصل إلى أساليب جديدة للتجمّع والتحرّك تتيح ممارسة الضغوط من أجل التفاوض والدفاع عن حقوق العمّال والمطالبة بشبكات الحماية الاجتماعية.
 
فضلاً عن ذلك، ينبغي أن تفسح هذه المبادرات المجال أمام إنشاء أنواع أخرى من التجمّعات غير الاتحادات العمالية أو النقابات المهنية التقليدية. على سبيل المثال، نظراً إلى انتشار القطاع غير النظاميّ في لبنان ومعدلات البطالة المرتفعة، سيكون من المنطقيّ أن تنشئ هذه الفئات المجتمعية تجمّعات تهدف إلى معالجة المشاكل المرتبطة بالقطاع غير النظامي أو بالبطالة. فهذا النوع من التجمّعات ضروريّ لتحقيق العدالة الاجتماعية بما أنّه سيرفع مطالب مهمة جداً كحقّ العاطلين عن العمل في الحصول على منافع، ما يساهم في الحدّ من الزبائنية وهجرة الشباب، أو الحقّ في الرعاية الصحية المجانية للجميع. ولو تمّ إنشاء هذه الاتحادات والتجمعات قبل فترة طويلة، لاختلفت الاستجابة لوباء كورونا إلى حدّ كبير اليوم.
 
ولا شكّ في أنّ إنشاء تحرّك عماليّ قويّ ومستقلّ هو خطوة ضرورية لتحويل مطالب الثوّار المتعلقة بالعدالة الاجتماعية إلى مشروع سياسيّ قد يؤدي دوراً كبيراً في توازن القوى بين النظام والشعب. فعند النظر إلى ثورات الربيع العربيّ في السنوات العشرة الماضية، يتّضح لنا أنّ البلدين الوحيدين اللذين نجحا في الاستفادة من الانتفاضات الشعبية لإطلاق عملية تحوّل سياسيّ ديمقراطية نسبياً هما تونس والسودان. وفي كلا البلدين، كان للاتحادات العمالية والتجمعات المهنية دور أساسيّ ومحوريّ.
 
وبالتالي، إذا أراد لبنان الانتقال إلى نظام سياسيّ أكثر عدالةً وإنصافاً، لا بدّ من أن تضطلع الاتحادات والنقابات بدور مهمّ، خصوصاً اليوم في ظلّ الركود الاقتصاديّ الذي يتهدّد العالم بأسره والذي سيؤدي إلى تراجع فرص لبنان في "تصدير" شبابه للعمل في الخارج، كما هي الحال منذ عقود. إنّ حماية المجتمع تعني التجمّع على أساس مصالحنا كعمّال أو موظفين أو عاطلين عن العمل أو أفراد يعانون من البطالة المقنّعة. فالحصول على عمل وعلى أجر لائق هو في النهاية حقّ لا امتياز، وأساس المشكلة يكمن في توزيع الثروات وليس في وجودها.
 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.