Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


منى خشن, مخططة وباحثة مستقلة في مجال التنمية الحضرية وزميلة أقدم في المركز اللبناني للدراسات


June 2020
لماذا يحتاج لبنان إلى نُهج تنموية إقليمية متكاملة؟

يواجه لبنان تحدّيات جمّة تستوجب اعتماد طرق تفكير تحوّلية في ما يتعلق بالتنمية والنموّ الاقتصاديّ. فالأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة في البلاد ومعدلات البطالة المرتفعة والبنية التحتية المهمَلة والخدمات الاجتماعية المتداعية والإرث الطبيعيّ والثقافيّ المعرّض للخطر والظروف البيئية المأساوية والفساد المستشري في المؤسسات تبرّر كلّها الغضب الشعبيّ العارم والمطالب المتزايدة بإجراء إصلاحات جديّة على صعيد الاقتصاد والحوكمة. وفي هذه الظروف الحرجة التي تفاقمت نتيجة تفشي وباء "كوفيد-19"، لا بدّ من التركيز بشكل خاص على الأسئلة المتعلقة بنوع التنمية التي يحتاج إليها لبنان. كيف يمكن ضمان حقّ الناس في معيشة مستدامة وعمل لائق وبيئة نظيفة وآمنة وطعام مغذٍّ وبنية تحتية وخدمات عامة أساسية (مثلاً، الخدمات الصحية والصرف الصحيّ والكهرباء والماء والتعليم والإسكان الميّسر والنقل العامّ)؟ ما هي آلية تمويل المبادرات العامة الحيوية؟ ما هي الأولويات؟ وعلى أيّ مستوى ونطاق ينبغي تخطيط الإجراءات وتنفيذها؟
 
ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان بحاجة إلى رؤوس أموال خارجية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمرّ بها حالياً، وأيضاً إلى إصلاحات عميقة على صعيد السياسات المالية والاقتصادية والمؤسسات وهياكل الحوكمة. يقع في صلب هذا النقاش الدور المحوري الذي تستطيع الحكومات المحلية أن تؤديه في تحقيق نموّ وتنمية أكثر توازناً. لقد نصّ اتفاق الطائف الذي وُقّع في العام 1989 ومهّد الطريق لنهاية الحرب الأهلية التي دامت 15 سنة، على أنّ "اللامركزية الإدارية الموسّعة" على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) هي واحدة من الإصلاحات الضرورية التي يحتاج إليها لبنان. ومن بين الإصلاحات التي نصّ عليها الاتفاق "اعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة". ومذّاك الحين، باتت اللامركزية موضوعاً جدليا جدا في لبنان نظراً إلى إشكالية علاقته بالتنمية المحلية.
 
العلاقة بين التنمية واللامركزية
تطرح العلاقة بين التنمية واللامركزية تحدّيات كبيرة. ففي الدول التي أثمرت فيها اللامركزية عن تنمية محلية، توفّر عدد من العوامل الضرورية التي ساهمت مجتمعةً في نجاح هذه العلاقة. وشملت هذه العوامل أولاً مستوى التزام الدولة اللامركزية بالتنمية، وثانياً استقلالية السلطات المحلية ومساءلتها وقدرتها على حشد موارد محلية إضافية لتعزيز التنمية المناطقية، وثالثاً تدعيم الإصلاحات المرجوّة باستراتيجية وطنية للتنمية الإقليمية والتي من شأنها تمكين السلطات المحلية.[i]
 
أمّا في لبنان، فتواجه اللامركزية عوائق متعددة، وهو واقع تتّفق عليه جهات محلية وخارجية كثيرة.[ii],[iii] فالبلديات تعجز عن تأدية مهامها الرسمية (كتوفير الخدمات العامة الأساسية وضمان السلامة العامة وإدارة التوسّع الحضريّ والتنمية البلدية) وتعاني من وضع حرج بسبب قدراتها الإدارية الضعيفة ومواردها البشرية والمالية المحدودة واعتمادها الماليّ على الحكومة المركزية وعدم استقلاليتها سياسياً. وقد تفاقمت هذه المشكلة في السنوات الأخيرة مع توافد اللاجئين السوريين إلى لبنان. وبالتالي، تراجعت قدرة البلديات على تأدية مهامها وعلى تخطيط التنمية المحلية المستدامة وإعداد الموازنات اللازمة لها.[iv]
 
غير أن لبنان لديه استراتيجية وطنية للتنمية الإقليمية. فالخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، التي صودق عليها بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء في حزيران 2009 (المرسوم رقم 2366)، تشكّل وثيقة رئيسية للتنمية والتخطيط المحليين والمناطقيين. فهي تحدّد إطاراً شاملاً لسياسات التنمية المناطقية المستدامة بهدف توجيه الاستثمارات العامة الكبيرة مع الحرص على الوحدة الوطنية والتنمية المتوازنة وترشيد استخدام الموارد.[v] لكنّ الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية لا تحلّ محلّ الخطط المحلية. بحسب قانون التنظيم المدنيّ الصادر في العام 1983 (المرسوم الاشتراعيّ رقم 69/83)، يجب وضع التصاميم وأنظمة القرى والمدن أو مراجعتها، إن وُجدت، "ضمن الخطة الشاملة لتنظيم الأراضي". هذا لا يحدث اليوم.
 
في الواقع، ينبغي إعادة النظر في أطر التخطيط المحليّ الحالية بشكل أوسع من نطاقها الحاليّ الضيّق وأبعد من الحدود الإدارية للبلدية الواحدة. فمن الضروريّ إعداد خطط واستراتيجيات مفصلة للتنمية بالإستناد إلى الأهداف والمبادئ التوجيهية العامة للخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية على نطاق جغرافيّ متوسّط (مثلاً، المناطق أو الأقضية وما دونها أو مجموعات البلديات). وتماشياً مع توصيات الخطة الشاملة، ينبغي أن تراعي هذه الاستراتيجيات التفصيلية الارث الطبيعي والسمات الطبيعية والخصائص التاريخية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمناطق التي تستهدفها بما يتيح تحريرالإمكانات الاقتصادية لهذه المناطق وتحسين جودة حياة سكّانها.
 
المنحى الإقليميّ للتنمية المحلية
باتت نُهج التنمية الإقليمية تُعتمد أكثر فأكثر من قبل وكالات التنمية الدولية وصنّاع السياسات والباحثين والعاملين في المجال حول العالم، مع أنّها ليست بجديدة. وتُعزى شعبيتها المتزايدة إلى الإقرار بأهمية الفوارق المكانية، خلافاً لما أشار إليه البنك الدوليّ في تقريره المثير للجدل حول التنمية في العالم والصادر في العام 2009 بعنوان "إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية". بالتالي، حظيت السياسات الوطنية ودون الوطنية التي تتطرق إلى التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة من خلال التركيز في آن واحد على التنمية الإقليمية وعلى تمكين السلطات المحلية والمواطنين بتأييد دوليّ ملحوظ في السنوات القليلة الماضية.
 
على سبيل المثال، تروّج المفوضية الأوروبية منذ العام 2013 نهجاً إقليمياً للتنمية المحلية يُقصد به بشكل عامّ "التنمية الداخلية والمتكاملة مكانياً والتي تساهم فيها جهات فاعلة على مستويات متعددة وتضفي قيمة متزايدة على جهود التنمية الوطنية".[vi] وتعتبر المفوضية الأوروبية أنّ هذا النهج الذي يعتمد على المواطنة الفاعلة وعلى سلطات محلية مستقلة وخاضغة للمساءلة يمكنه أن يؤمّن حلقة الوصل الضائعة بين اللامركزية والتنمية. وفي إطار السعي إلى تعزيز التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والاستدامة البيئية، يُعتبر هذا النهج أيضاً وسيلة ممكنة لإضفاء الطابع المحلي على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة و"تحرير إمكانات المناطق في النموّ الاقتصاديّ الوطنيّ" من خلال "رؤية مكانية مشتركة [على نطاق الإقليم] والعمل المشترك بين القطاعين العام والخاص".[vii]
 
التنمية الإقليمية في السياق اللبنانيّ
يختلف مفهوم "الإقليمية" المذكور أعلاه تماماً عن مفهوم المناطقية التي سادت لبنان منذ الحرب الأهلية والتي أدت في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد إلى كانتونات سياسية وطائفية منعزلة. فمن شأن نُهج التنمية الإقليمية المتكاملة في لبنان أن تكسر الحواجز وتقرّب المناطق الإدارية المحاذية بعضها من بعض. ومن شأنها أيضاً أن تساهم في التصدي للزبائنية السائدة حالياً في تقديم الخدمات العامة وللنفوذ السياسي والحدود الاصطناعية الحالية بين المناطق المسلمة والمسيحية والدرزية، وكذلك في تخطي الفروق المكانية الاعتباطية بين المناطق الحضرية والريفية، والوسط والضواحي، والشمال والجنوب. ونظراً إلى الفجوات والتفاوتات الكبيرة بين المناطق وداخلها على صعيد البنية التحتية والخدمات العامة والمرافق (كتوفر مياه الشفة والكهرباء وعدد المدارس العامة والأسرّة في المستشفيات الحكومية نسبةً إلى عدد السكان)،[viii] تُعتبر هذه النُهج أيضاً ضرورية لتفعيل الالتزام الدستوريّ بـ "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً".
 
وبالتالي، تستوجب التنمية الإقليمية المتكاملة في لبنان الانتقال من السيادة المحلية إلى التفكير في تدخلات إقليمية شاملة لقطاعات متعددة يتخطى نطاقها الجغرافي الضوابط والحدود الإدارية للسلطة المحلية الواحدة. ويستدعي هذا النهج التنمويّ أيضاً ترسيخ مفهوم جديد للتنمية المحلية تُعتبر فيه المحلية "مفهوماً اجتماعياً" يحدّده التاريخ والقيم والموارد والاحتياجات و/أو التجارب المشتركة بين سكّان منطقة جغرافية معيّنة بغضّ النظر عن حدودها الرسمية.
 
تقدّم الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية إطاراً متيناً لإعادة توحيد الأراضي الوطنية مع مراعاة خصائص المناطق الجغرافية المختلفة والاستفادة من مواردها والفرص المتاحة فيها. وفي ظلّ انتشار العولمة، ترتبط الظروف الوطنية حتماً بالديناميات والمشاكل الإقليمية والدولية، كالهجرة القسرية والتغير المناخيّ والأمن الغذائيّ وسلاسل القيمة. هذا لا يعني أنّ الأراضي المحلية والوطنية ينبغي أن تكون "متلقّية سلبية [أي خاملة] للسياسات التي يتمّ تحديدها في مكان آخر من العالم"،[ix] بل يجب ترجمة أطر التنمية الإقليمية والعالمية (كأهداف التنمية المستدامة والخطة الحضرية الجديدة) إلى سياسات وأفعال ملموسة متعددة الأبعاد ترتبط بسياقها الجغرافي وتنطوي على مستويات متعددة من التفاعل والتنسيق (المستويات دون الوطنية والوطنية والإقليمية والدولية).
 
قد تستدعي التنمية الإقليمية في لبنان بالمعنى المذكور آنفاً إعادة تعريف مفهومَي اللامركزية والإستقلالية المحليّة. وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء هياكل حكومة موحّدة جديدة تضمن التوازن بين المدن والأرياف، والترابط بين المناطق المتقدّمة والمتأخرة اقتصادياً، والحفاظ على إستمرارية تواصل المواقع والمناظر الطبيعية (كالغابات والوديان والساحل اللبنانيّ) بعيداً عن التعريفات الضيّقة للمناطقية.
 
[i] روميو، ل. 2015. "ما هي التنمية الإقليمية؟" (“What is territorial development?”)، مجلة Great Insights الصادرة عن المركز الأوروبيّ لإدارة سياسات التنمية، المجلّد 4، العدد 4. ص. 15-17.
[ii] منظمة Democracy Reporting International. 2017. "إصلاح اللامركزية في لبنان: الوضع الحاليّ" (“Reforming Decentralization in Lebanon: The State of Play”).
[iii] حرب، م.، س. عطالله. 2015. "الحكومات المحلية والمنافع العامة: تقييم اللامركزية في العالم العربي" (Local Governments and Public Goods: Assessing Decentralization in the Arab World"). بيروت: المركز اللبنانيّ للدراسات.
[iv] منظمة Democracy Reporting International. "إصلاح اللامركزية في لبنان: الوضع الحاليّ" (“Reforming Decentralization in Lebanon: The State of Play”). المرجع المذكور سابقاً.
[v] مجلس الإنماء والإعمار. 2005. "التقرير النهائيّ للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية".
[vi] المفوضية الأوروبية. 2016. "دعم اللامركزية والحوكمة المحلية والتنمية المحلية من خلال نهج إقليميّ. (“Supporting Decentralization, Local Governance and Local Development Through a Territorial Approach"). سلسلة الأدوات والوسائل (Tools and Methods Series)، الوثيقة المرجعية رقم 23.
[vii] المفوضية الأوروبية. 2013. "رسالة من المفوضية إلى البرلمان الأوروبيّ. تمكين السلطات المحلية في الدول الشريكة لتعزيز الحوكمة وتحقيق نتائج تنموية أكثر فعالية" (“Communication from The Commission to the European Parliament. Empowering Local Authorities in Partner Countries for Enhanced Governance and More Effective Development Outcomes”).
[viii] غاروت سانشيز، د. 2018. "استمرار التفاوتات المناطقية في البنية التحتية في لبنان: دور الاستثمارات العامة". المركز اللبناني للدراسات، موجز السياسات رقم 36.
[ix] المفوضية الأوروبية. 2016. المرجع المذكور سابقاً.








Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.