Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


جيسيكا عبيد, مستشارة في السياسات الخاصة بالطاقة لدى الحكومات والمنظمات الدولية في الشرق الأوسط في مجال تحويل الكهرباء والطاقة وزميلة في المركز اللبناني للدراسات.


June 2020
كيف تنجح إصلاحات قطاع الكهرباء في لبنان

انهيار اقتصاديّ وتدابير لاحتواء فيروس "كوفيد-19" وأزمة سياسية واجتماعية... لقد انهالت المصائب على لبنان ولم يعد قادراً على تحمّل أعباء التحديات التي يواجهها في قطاع الكهرباء. ممّا لا شكّ فيه أنّ الأوان قد آن لإجراء بعض الإصلاحات، ولا سيّما إصلاحات تقنية ومالية. لكنّ الصعوبة تكمن في طبيعة المشاكل الهيكلية التي غالباً ما يتمّ إغفالها والتي هي في الواقع متجذّرة في حوكمة القطاع. فإذا لم تتمّ معالجة هيكل الحوكمة بالطريقة المناسبة ولم يتمّ نيل ثقة المواطنين والمستثمرين على حدّ سواء، ستكون الإصلاحات على الأرجح بلا فائدة وسيستمرّ الاستنزاف الماليّ.
 
يتجه لبنان اليوم نحو المجهول. ففي ظل التصدي للأزمات المالية والاقتصادية، تواجه البلاد تحديات كثيرة لكن لا بدّ من إدراج قطاع الكهرباء ضمن سلّم الأولويات. يتطلب إطلاق الإصلاحات في قطاع الكهرباء واحداً من أمرين: إمّا إجماع سياسيّ وإمّا الأمرين الغير المرغوب فيهما، الدين غير المستدام والأزمة الاقتصادية الكبيرة. وبما أنّ لبنان امتنع مؤخراً عن تسديد ديونه وطلب رسمياً مساعدة صندوق النقد الدوليّ، لا بدّ من إدخال إصلاحات على قطاع الكهرباء، لكن توجد خمسة مخاطر رئيسية: أولاً، يسعى القادة اللبنانيون إلى تحقيق نتائج سريعة عوضاً عن نتائح مستدامة بسبب الوضع الطارئ والملحّ ونفاذ الخيارات والاحتياطيات من العملات الأجنبية. ثانياً، من المستبعد أن يؤيّد المواطنون الخطط الحكومية المتعلقة بقطاع الكهرباء في ظلّ غياب الشفافية والمساءلة، خصوصاً بعد عقود من الفساد. ثالثاً، من غير المرجّح أن يوظّف القطاع الخاص والمستثمرون رؤوس الأموال بسبب الأزمة المالية الحالية. رابعاً، إن التراجع المستمر في قيمة العملة والبطالة المتزايدة يجعلان من الصعب على الحكومة والمواطنين دفع أي فواتير كبيرة. خامساً، سيتم توقيع جميع عقود قطاع الكهرباء بالدولار الأميركي بينما التحصيل بالليرة اللبنانية المستمرة بالانهيار، مما سيبقي الدعم على القطاع حتى مع زيادة التعريفات.
 
قطاع الطاقة في لبنان: عقود من النقص في التغذية
يشهد قطاع الكهرباء في لبنان نقصاً مزمناً في التغذية الكهربائية ويعتمد على الدعم الحكومي ويتكبّد خسائر فنية وغير فنية تتراوح نسبتها التقديرية بين 36 و40%. ويعتمد لبنان لتوليد الطاقة الكهربائية على محطات حرارية بكفاءة متدنية تستخدم النفط الثقيل والديزل المستوردَين والمكلفَين والملوِّثَين. أنّ التغذية الكهربائية ليست كافية، فذروة الطلب تصل تقديرياً إلى 3500 ميغاوات، ما يؤدي إلى نقص في التغذية بمقدار 1600 ميغاوات، وبالتالي إلى انقطاع الكهرباء بشكل يوميّ. أضف إلى ذلك أنّ محطات الكهرباء قديمة وغير كفؤة وقد تم بناء المحطة الأخيرة في العام 1999، أي قبل 21 سنة.[i] وبما أنّ نقص التغذية الكهربائية استمرّ لحوالي ثلاثة عقود واضطرّ المواطنون إلى استخدام المولدّات الخاصة بكلفة مرتفعة تبلغ 0.30 دولار تقريباً لكلّ كيلووات في الساعة، وجدت الحكومات المتعاقبة نفسها عاجزةً عن رفع تعرفة الكهرباء التي ظلت مدعومة من الحكومة منذ العام 1994.
 
فضلاً عن ذلك، ليست السياسات العامة متسّقة كما وتعمدت الحكومات المتعاقبة إلى تطبيق القوانين انتقائياً. وبالتالي، لم يتمّ تطبيق القانون رقم 462 الذي صدر في العام 2002 ونصّ على إنشاء هيئة لتنظيم قطاع الكهرباء وإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان.
 
التخطيط بطريقة مستدامة
يشكّل قطاع الكهرباء في لبنان مثالاً ملموساً على النظام السياسيّ المختل، القائم على التقاسم الطائفيّ للسلطة والمصالح المكتسبة.[ii] ويفتقر القطاع إلى رؤية متينة ترتكز عليها الانظمة والسياسات. تركّز الخطط الحكومية في لبنان على الإجراءات السريعة والقصيرة الأمد وعلى توليد الكهرباء المؤقت، كاستخدام بواخر الكهرباء، بدلاً من التخطيط على المدى البعيد وعلى أساس التكلفة الأقلّ. ولذلك، سيستمرّ العجز الماليّ حتى لو رفعت الحكومة تعرفة الكهرباء من 0,09 دولارات لكلّ كيلووات في الساعة إلى 0,144 دولاراً إلى أن يتمّ خفض الخسائرالفنية والغير فنية بشكل كبير واستبدال المحروقات بالغازالطبيعي ورفع كفاءة محطات الكهرباء.
 
إنّ معظم إصلاحات قطاع الكهرباء في الدول النامية متخلفة مقارنةً بالدول الأخرى على صعيد توليد الكهرباء بأقلّ تكلفة ممكنة والتوصل إلى تعرفة تعكس التكلفة الحقيقية للكهرباء. ويعتبر استرداد التكلفة في لبنان مرتفع إذ إنّه يتراوح حالياً بين 0,25 و0,27 دولاراً لكلّ كيلووات في الساعة. ويرتبط استرداد التكلفة بالخسائر الفنية والغير فنية الكبيرة الناجمة عن التعدي على شبكة الكهرباء وعدم الفوترة وعدم الجباية والتكلفة المرتفعة لإنتاج الكهرباء بسبب كمية المحروقات ونوعيتها. بتعبير آخر، يساهم استخدام المحروقات والمحطات القديمة وغير الفعالةفي زيادة استرداد التكلفة. ينبغي معالجة هذه النقاط كلّها.
 
لقد أظهرت التجارب أنّ الإصلاحات التدريجية التي تشارك فيها جهات معنية مختلفة أفضل من الإصلاحات السريعة والخاطفة.[iii] إن التطلع إلى نتائج مختلفة يجب أن يدفع بالحكومة إلى تغيير طريقتها بإدارة الأمور، مثل اعتماد نهج شامل ومستدام للإصلاحات. وهذا يتطلّب تبني استراتيجية قائمة على التخطيط الأقل تكلفة، والتخفيف من التأثيرات السياسية، والحد من الاحتكار، وتعزيز اللامركزية، وإشراك مختلف الجهات الفاعلة.
 
إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم قطاع الكهرباء
تتطلّب الحوكمة الرشيدة رؤية واضحة وهيئة ناظمة موثوقة تتمتع بالاستقلالية في اتّخاذ القرارات وبالقدرة على تخطّي الأجندات السياسية. لا يفترض بالهيئة التنظيمية أن تأخذ شكل إدارة تخطيط أو أن تكون مفوضة للعمل وكأنها كذلك. غير أن الحكومة تحاول القيام بذلك عن طريق الضغط من أجل تقليص صلاحيات الهيئة الناظمة لصالح الوزير. ولكي تؤدي الهيئة الناظمة دورها بفعالية، ينبغي أن تكون العوامل التالية متوفرة كحدّ أدنى: أولاً، الاستقلالية المالية وعدم الارتباط بالموازنة الحكومية؛ ثانياً، صلاحية تامّة لإصدار التراخيص وتحديد التعرفة بما يحدّ من النفوذ السياسيّ في إصدار التراخيص وإلغائها والمحافظة على الدعم؛ ثالثاً، الاستقلالية المكانية؛ رابعاً، مؤهلات عالية تعكس المصداقية والشرعية.
 
وبما أنّ الطبقة السياسية في لبنان تتدخّل إلى حدّ كبير في قطاع الكهرباء، لا بدّ من إنشاء هيئة ناظمة قوية ومستقلة لدفع عجلة الإصلاحات. وفي هذا الإطار، أظهرت دراسات عدّة أنّ ضعف المؤسسات الناظمة وعدم استقلاليتها (كما هي الحال في تايلاند) والتدخل السياسيّ في الهيئات الناظمة (كما في غانا) وعجزهاعن اتخاذ قرارات مستقلة (كما في فيجي) تعيق إلى حدّ كبير تنفيذ الإصلاحات بكفاءة وفعالية.[iv]
 
جذب المستثمرين وزيادة مشاركة القطاع الخاصّ
ستحدّد التجارب السابقة في القطاع والإجراءات الحالية نظرة المستثمرين المستقبليين وبالتالي المسار الذي قد يسلكه القطاع. وفي ظلّ تردّد المستثمرين حالياً في المخاطرة في لبنان، تتطلّب المرحلة المستقبلية بذل جهود فورية لاعتماد إطار تنظيميّ متين وعمليات شراء شفافة.
 
إنّ الانهيار الاقتصاديّ يقلّص الخيارات التمويليّة المتاحة أمام القطاع. وقد استغلّت الحكومة هذه الفرصة لإلغاء المزادات التنافسية والسعي إلى مفاوضات مباشرة وغير شفافة. وستؤدي هذه الخطوة، إلى جانب بيئة الأعمال الضعيفة في لبنان وتاريخه الحافل بالمناقصات والعقود غير الشفافة، إلى إضعاف المنافسة وقد تؤدي إلى نتائج عكسية في المشاريع المستقبلية وإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان.
 
في الواقع، إنّ جميع الإصلاحات متداخلة. وبالتالي، ستعتمد مشاركة القطاع الخاصّ أيضاً على قدرة الحكومة على تقليص الخسائر وإلغاء الدعم لإثبات الجدوى المالية وتراجع المخاطر في القطاع. وبما أنّ هذا العامل يطرح تحديات ويزيد من المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بالاستثمار في لبنان، لا بدّ من اعتماد أدوات تعزّز الشفافية والحوكمة الرشيدة وممارسات الشراء الجيدة لخفض تكاليف المخاطر وجذب القطاع الخاصّ.
 
ستفتقر الحكومة إلى القدرة على الإنفاق لتلبية متطلبات القطاع الاستثمارية للسنوات المقبلة، وسيعتمد أداء القطاع في كافة المراحلإلى حدّ كبير على قدرة السلطات على إشراك القطاع الخاصّ وتشجيع المنافسة الصحية، إلا أنّ الإصلاحات غالباً ما لا تعالج هذه النقطة. وفي هذا السياق، أظهر الاستبيان العالميّ الذي أجراه البنك الدوليّ حول إصلاحات قطاع الكهرباء أنّ الإصلاحات لم تؤدِّ إلى معالجة الاستثمار في القطاع في معظم الدول النامية بسبب الأداء الضعيف.[v] لذلك، من الضروريّ التركيز باكراً على إشراك المستثمرين والقطاع الخاصّ ومنح هذه الخطوة الأولوية.
 
بناء الثقة لدى المواطنين
لم تحاول الحكومات المتعاقبة منذ عقود إشراك المواطنين في عملية اتخاذ القرارات، بل احتكرت هذه العملية من دون استشارة عامّة الشعب أو التواصل معه أو تزويده بالمعلومات. وفي ظلّ الإفلاس والدين العامّ الذي يُعتبر قطاع الكهرباء مسؤولاً عن 43% منه، لا بدّ من بناء الثقة لدى المواطنين من خلال التشاور معهم وتعزيز الشفافية في المرحلة المقبلة.
 
بغية إبقاء الإصلاحات على السكة الصحيحة وبناء الثقة، يتعين على السلطات تكثيف تفاعلاتها مع المواطنين ورفع مستوى الشفافية.[vi] أمّا عدم إشراك المواطنين والعجز عن إقناعهم بأنّ الإصلاحات تصبّ في مصلحتهم فقد يؤديان إلى إعاقة التغيير. لذلك، ينبغي إطلاق تشاورات عامّة وحملات تواصل وتوفير المعلومات للمواطنين من أجل تمهيد الطريق للتغيير. فكسب تأييد المواطنين هو شرط أساسيّ للإصلاح ويتطلّب إشراكهم في العملية الإصلاحية.
 
كلّما قلّت ثقة المواطنين في قدرة الدولة على توفير الخدمات لهم، تراجع اندفاعهم لدفع رسوم أيّ خدمة تقدّمها إليهم الدولة. لذلك يؤثّر الدعم الحكومي تأثيراً سلبياً على أداء القطاع، ولا بدّ بالتالي من إلغائه تدريجياً. لكنّ إلغاء الدعم خطوة يصعب تطبيقها حتى في الدول التي لا ينقطع فيها التيار الكهربائيّ بشكل متكرّر. ويصبح هذا التحدّي أكبر عندما يشكّك المواطنون في وعود الإصلاح الفارغة، كما هي الحال في لبنان منذ عقود. فضلاً عن ذلك، يشهد لبنان ارتفاعاً في نسبة الفقر وزيادة سريعة في اعداد المواطنين الفقراء الذين يحتاجون إلى شبكة أمان من خلال المحافظة على الدعم أو تنفيذ برنامج رعاية اجتماعية هادف. سيؤدي رفع الدعم إلى زيادة التعريفات. يجب الحدّ من الخسائر غير الفنية، وإلا فإن ارتفاع الأسعار سيزيد من حدّتها. للحد من الخسائر غير الفنية، لا بدّ من ممارسة صحيحة للسلطة وبناء الثقة وتعديل نظام الفوترة والجباية، علماً أنّ تنفيذ هذه الخطوات يتطلب وقتاً.
 
وبحسب بيانات البنك الدوليّ المتعلقة بإصلاحات قطاع الكهرباء، أدّى خفض التكاليف دوراً أكبر من تعديلات تعرفة الكهرباء في استرداد التكاليف بالكامل، كما حصل في فيتنام والبيرو،[vii] ولا سيّما أنّه من الصعب تنفيذ إعادة هيكلة التعرفة. لكنّ الحكومات بشكل عامّ، بما في ذلك الحكومة اللبنانية، غالباً ما تقلل من مستوى الخسائر غيرالفنية وتبالغ في تقدير قدرتها على تقليصها.
 
قد تمهّد الظروف غير المؤاتية في لبنان الطريق إلى بعض الإجراءات الفورية في قطاع الكهرباء، علماً أنّ هذه الإجراءات قد لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين القطاع أو معالجة مشكلته الهيكلية. فالإصلاحات الجدية تتطلّب بناء الثقة لدى المواطنين وصياغة رؤية واضحة وإنشاء هيئة ناظمة موثوقة ومستقلة والتخطيط بطريقة مستدامة وإشراك القطاع الخاصّ من خلال تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة وأطر الشراء المتينة. وما زال أمام لبنان طريق طويل ليسلكه. فالحكومة لم تقم حتى الآن بإشراك المواطنين أو نشر الوثائق والبيانات، ولم تضع رؤية محددة للقطاع، كما أنّها لا تقوم بالتخطيط على أساس التكلفة الأقلّ وتسعى إلى استبدال المناقصات الشفافة بالمفاوضات المباشرة. إنّ معالجة كلّ هذه العوامل يرسي الأسس لإجراء إصلاحات جدية تؤثّر بشكل إيجابيّ على قطاع الكهرباء وعلى الاقتصاد في المستقبل.
 
 
[i] عبيد، ج. 2019. "لبنان: محاولات لتسريع إصلاحات الكهرباء" (‘Lebanon: Attempts to Fast-Track Electricity Reforms.’). شركة Castlereagh Associates الاستشارية. https://castlereagh.net/lebanon-attempts-to-fast-track-electricity-reform/
[ii] عبيد، ج. 2019. "لبنان: إصلاحات قطاع الكهرباء المستحيلة المستمرة منذ 3 عقود" (‘Lebanon: The 3-Decade Impossible Power Sector Reforms.’). معهد الدراسات السياسية الدولية. https://www.ispionline.it/it/pubblicazione/lebanon-3-decade-impossible-power-sector-reforms-25377
[iii] لي، أ. د.، ز. عثمان، 2018. "تقييم الاقتصاد السياسيّ لإصلاحات قطاع الكهرباء في الدول النامية" (‘Taking Stock of the Political Economy of Power Sector Reforms in Developing Countries.’). ورقة عمل حول بحوث السياسات، مجموعة البنك الدولي، ص. 27. http://documents.worldbank.org/curated/en/431981531320704737/pdf/WPS8518.pdf
[iv] جاماسب، نيبال، وآخرون. 2015. . "مساعٍ مستمرة منذ ربع قرن لم تعطِ ثمارها بعد: استبيان حول إصلاحات قطاع الكهرباء في الدول النامية" (‘A Quarter Century Effort Yet to Come of Age A Survey of Power Sector Reforms in Developing Countries.’).  
[v] المصدر السابق نفسه.
[vi] فوستر، ف.، أ. رنا. 2019. "إعادة النظر في إصلاحات قطاع الكهرباء في العالم النامي" (‘Rethinking Power Sector Reform in the Developing World.’). مجموعة البنك الدولي، ص. 93. https://www.worldbank.org/en/topic/energy/publication/rethinking-power-sector-reform
[vii] فوستر ورنا. 2019. "إعادة النظر في إصلاحات قطاع الكهرباء في العالم النامي" (‘Rethinking Power Sector Reform in the Developing World.’).








Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.