Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


فريق الأبحاث في المركز اللبناني للدراسات,  


August 2020
انفجار بيروت يبرز الحاجة إلى إعادة بناء الدولة

الانفجار الذي وقع في الرابع من آب 2020 في مرفأ بيروت لم يكن مجرد حادثة. إنه المظهر الأخير لفشل الحكم الكبير في النظام السياسي الذي يتغلغل بعمق في معظم مؤسسات الدولة وإداراتها، إن لم نقل جميعها. إنه النظام ذاته الذي تسبّب بأزمة النفايات والانبعاثات السامة من محطات الكهرباء وحرائق الأحراج، ومؤخراً الأزمة المالية. هذا النظام الذي صنعته الأحزاب السياسية الحاكمة ورسّخته على مدى 30 عاماً لم يفشل فقط بالإتيان بمسؤولين حكوميين وتمكينهم لتوفير الخدمات العامة وحماية المواطنين، بل تم توظيفه لخدمة المصالح الضيقة للزعماء السياسيين ومقربيهم وزبائنهم. وقد قام هذا النظام على توزيع مناصب الدولة ومؤسساتها على مختلف الأحزاب السياسية وتقويض آليات المحاسبة. في المحصلة، إن المنظومة السياسية التي حكمت لبنان على مدى الأعوام السابقة هي المسؤولة عن هذا الانفجار الضخم.
 
لو وضعنا جانباً المسبب، انفجاراً كان أو هجوماً، فإن مجرد تخزين 2750 طناً من نترات الأمونيوم بالقرب من مدينة مأهولة لمدة سبع سنوات ينمّ عن الفشل الذريع في الحوكمة السياسية والإدارية.
 
لقد جاءت استجابة الدولة في إدارة الأزمة مخيبة للآمال. فهي فشلت في حماية موقع الجريمة من التلاعب، وكانت بطيئة جداً في بحثها عن الضحايا، كما لم تضع أياً من المسؤولين الرئيسيين تحت الإقامة الجبرية فوراً. ونظراً إلى طبيعة النظام السياسي وعجزه عن تحميل المذنبين المسؤولية بصورة عامة، لم تكن الإجراءات المتخذة حتى اللحظة موضع ثقة أو مصداقية. وفي الوقت الذي يطالب فيه الناس بتحقيق دولي، يتعين على لبنان تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم أشخاصاً أكفاء وأهلاً للثقة، توضع بتصرفهم الموارد اللازمة، يمكنهم الاستعانة بالخبراء الدوليين لدعم عملهم.
 
عدا عن ذلك، لم نلمس أيّ مسعى جدّي من الحكومة لتصارح شعبها بحجم الأضرار وبحالة البحث عن الضحايا وبمن يجب الاتصال للحصول على الدعم. وفي هذه المرة أيضاً تُرك الناس وحيدين لإسعاف ضحاياهم واستجداء المعلومات عن مفقوديهم وإزالة الركام عن أثاث منازلهم وسط الظلام، ومغادرة منازلهم بدون حماية في ساعات الليل المتأخرة. وعندما تقاعست الدولة، قيادةً وأجهزةً عامة، عن مسؤولية الاعتناء بالمواطن، وجد اللبنانيون الدعم في جيش من المتطوعين والمنظمات غير الحكومية والناشطين والنقابات في محاولة لملء الفراغ الكبير الذي خلفته الدولة.
 
لقد لجأت الدولة التي أفرغها قادتها السياسيون على مدار السنوات من أي سلطة فعلية إلى أدواتها المعتادة للاستجابة للأزمة، فاستدعت شركات ذات ارتباطات سياسية لتزيل الركام وتمسح الأضرار. في أعقاب هذه الكارثة، نتيقّن مرة جديدة من أن دولتنا تفتقر إلى أدنى الإجراءات الفعالة (أو إذا كانت فعالة فهي ليست مطبقة)، أو الأدوات أو المعدات أو التدريب للتعامل مع هكذا مصيبة. لا مجال للأعذار هنا. فلبنان يملك الموارد البشرية والمالية لفعل ذلك، غير أن نخبه الحاكمة قررت عدم توظيف الأشخاص المناسبين أو شراء المعدات أو حتى استخدام تلك المقدمة على شكل هبات. والادعاء بأننا لا نملك الموارد هو أيضاً كذبة: فقادتنا قرروا عدم جباية الضرائب أو لم يوقفوا التهرب الضريبي أو أعفوا بعض القطاعات من دفعها أو لم يفرضوها على الشرائح المناسبة من المجتمع لتوليد ما يكفي من الإيرادات لبناء دولة قادرة.
 
وفي سياق الاستجابة للكارثة، سارع رئيس الوزراء (المسقيل الآن) على غرار أسلافه إلى طلب الدعم الخارجي. فلبنان بأمسّ الحاجة إلى الأموال العاجلة لإعادة إعمار بنيته التحتية. غير أن الحكومات المتعاقبة منذ العام 2003 لم تحصل على التمويل الموعود بسبب رفضها السير في طريق الإصلاح. وفي الآونة الأخيرة، لم تلتزم الحكومة ببرنامج الإصلاحات المنصوص عليه في مؤتمر "سيدر"، مع أن ذلك يشكل الشرط الأساسي لتحصل على مبلغ الـ 11 مليار دولار أمريكي الذي تعهد المانحون الدوليون بتقديمه إلى لبنان لإعادة إعمار بنيته التحتية. كيف لنا إذاً أن نثق بالسلطة نفسها لإدارة أموال المساعدات من أجل إعادة إعمار نصف المدينة الذي دُمّرت بفعل الانفجار؟ لهذه الأسباب، يجب أن تمرّ جهود المساعدة والإغاثة وإعادة الإعمار الدولية بمنظمات مستقلة أو غير طائفية أو دولية لكي تصل إلى من هم بأمس الحاجة إليها. ولا يمكن في أي حال من الأحوال إرسال الأموال عن طريق مؤسسات الدولة تجنباً لإساءة استخدامها واستغلالها بشكل ضمني لتخفيف الضغوط من أجل تنفيذ الإصلاحات اللازمة.
 
لقد شكّل مرفأ بيروت شريان حياة العاصمة منذ العام 1948 على الأقل. ولا بد لنا من إعادة بنائه من خلال عمليات تلزيم ملائمة وشفافة لا تشارك فيها شركات ذات ارتباطات سياسية. ولكننا أيضاً بحاجة إلى إبقاء المرفأ تحت سلطة الدولة وإلا ستؤدي اتفاقات الخصخصة أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص في ظل نظام الحوكمة الضعيف – الذي يعاني أيضاً من ضعف النظام الرقابي والقضائي – إلى مزيد من الفساد.
 
وفي حين يحتاج اللبنانيون إلى المساعدات والدعم لإعادة بناء مساكنهم وأحيائهم، لا يقدر ذوو الإمكانات المالية منهم على سحب مدخرات عمرهم من البنوك التي أساءت إدارة ودائعهم بإشراف المصرف المركزي. وبدلاً من منحهم إمكانية الوصول إلى أموالهم، يجبرهم تعميم البنك المركزي الأخير على اقتراض الأموال. وقبل وقوع الانفجار، عملت اللجنة النيابية جاهدةً لتجنيب القطاع المصرفي أعباء الانهيار المالي على حساب ممتلكات الدولة والمواطن العادي.
 
وفي أعقاب الانفجار الذي أطاح بما تبقى من ثقة في الحكومة والدولة والزعماء السياسيين وبدّد آمالاً كثيرة، رأينا عدداً من اللبنانيين يطالبون بشكل مباشر أو غير مباشر بالتدخل الأجنبي من منطلق اليأس الذي وصلوا إليه. ومن المهمّ هنا أن نتذكر أنّ نظامنا السياسي المتهالك تأسس في ظل التدخل الأجنبي، ولا يمكن لبناء دولة فعالة وعادلة ومسؤولة إلا أن يكون مشروعاً وطنياً بحتاً. علينا أن نعمل على إعادة بناء مؤسساتنا وعقدنا الاجتماعي على نحو يضع رفاه الناس في الصميم. لا يمكن، بل لا يجب لأي دولة أخرى أو منظمة أجنبية أن تقوم بذلك عنّا.
 
يجب أن يشكل الرابع من آب منعطفاً حاسماً، فالمنظومة السياسية البالية لم تعجز فقط عن توفير ما يحتاج إليه المواطن، بل قتلت بفعل إهمالها وفسادها أحباء لنا، وشردت آخرين ودمرت الممتلكات والمصالح التجارية. والأسوأ من ذلك أن هذا الانفجار حطّم أحلام وآمال الكثيرين.
 
يدّعي القادة السياسيون الذين لم يتحملوا أي مسؤولية ولم يقرّوا بالأسباب الحقيقية لهذه الفاجعة بأنهم لم يكونوا على علم أو ألقوا بالمسؤولية على عاتق غيرهم. وسرعان ما سيلجأون إلى الخطاب المذهبي ليدّعوا بأنهم هم حماة أعضاء الطائفة. وهذا كذب. هذه العقلية بالتحديد وما استتبعها من أفعال هي ما أوصلتنا إلى شفير الهاوية.
 
من أجل إعادة بناء دولتنا، نحن بحاجة إلى حكومة انتقالية لا تضم أصحاب الكفاءة وحسب بل أشخاصاً ذوي رؤية حول كيفية معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. ولا بدّ من منح هذه الحكومة صلاحيات تشريعية وإلا ستصبح رهينة للأحزاب السياسية الفاشلة في البرلمان. لكن ذلك وحده لا يكفي على الرغم من ضرورته. فينبغي أن يواصل الناس تنظيم أنفسهم وأن يعيدوا بناء نقاباتهم واتحاداتهم التي تشكل ركيزة من ركائز المجتمع الديمقراطي. وعلى وجه الخصوص، لا بدّ للناس من أن يتغلبوا على خوفهم من الطبقة السياسية ومن الزعماء وشبّيحتهم الذين عاملوهم كزبائن وليس كمواطنين يتمتعون بحقوق. ولا بدّ أن يتحلى عدد أكبر من الناس بالشجاعة للوقوف في وجه النخب الفاسدة التي لا تشكل عائقاً أمام بناء الدولة فحسب، بل أيضاً مصدراً لبؤسنا وفقرنا. لا سبيل آخر سوى ذلك.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.