Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


نايلة جعجع, محامية وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات


April 2015
أزمة لجوء أم أزمة عمالة مهاجرة؟

في محاولة لاحتواء تداعيات موجة اللجوء الكثيف من سوريا، اعتمدت الحكومة اللبنانية في أواخر العام 2014 ورقة سياسية وضعت بموجبها العناوين العريضة الناظمة لدخول اللاجئين السوريين إلى لبنان وإقامتهم على أراضيه. وكما يتبيّن من الوقائع والإجراءات العملية التي اتخذتها مختلف الجهات والوزارات المعنية في سياق تنفيذ هذه السياسة خلال الأشهر السابقة والتي يسردها المقال الحاضر، يتكبّد اللاجئ السوري في لبنان الأضرار الناتجة عن قصور المعالجة الجدّية والشاملة والحقوقية لهذه الأزمة على أكثر من صعيد: فهو من جهة أولى يتعذّر عليه التمتّع بالحماية القانونية التي في المبدأ يستفيد منها اللاجؤون نظراً لغياب سياسة لجوء في لبنان وعجز (أو امتناع؟) المجتمع الدولي عن توفيرها له؛ ومن جهة ثانية، بات أسيراً لنظام الكفالة الذي يخدم أساساً مصالح أرباب العمل دون ضمان الحد الأدنى من حقوق العمالة المهاجرة.  
     
بتاريخ 23/10/2014، صدر قرار عن مجلس الوزراء يقضي بالموافقة على ورقة السياسة بشأن النزوح السوري إلى لبنان المقترحة من قبل الخلية الوزارية المكلّفة منذ العام 2014 متابعة هذا الملف (1).  تمحورت هذه الورقة حول ثلاثة أهداف رئيسية، الأول "يقضي بتقليص الأعداد من خلال وقف النزوح على الحدود باستثناء الحالات الاستثنائية، الثاني يقضي بتوفير الأمن من خلال تكليف قوى الأمن الداخلي والبلديات ضبط أمن النزوح (2) والثالث يقضي بتخفيف الأعباء من خلال التشدّد في تطبيق القوانين على النازحين لحماية اللبنانيين في مجالات العمل والعمالة كافة". وتطبيقاً لهذا النهج، صدر عن وزير العمل الحالي بتاريخ 16 كانون الأول 2014 قرار أعاد تحديد المهن المحصورة باللبنانيين باتجاه تضييق فئات العمل التي يمكن للأجانب ممارستها في لبنان بعد أن كان وزير العمل السابق قد سمح استثنائياً للعمال السوريين مزاولة البعض منها لدواع إنسانية في شهر شباط من العام 2013 (3). وفي الاتجاه نفسه، جاء الإعلان الصادر عن المديرية العامة للأمن العام - وزارة الداخلية في مطلع العام الحالي باتجاه تشديد شروط إقامة السوريين الذين دخلوا إلى لبنان قبل العام 2015 وفرض نظام تأشيرة دخول على الحدود بالنسبة للوافدين الجدد باستثناء بعض الحالات(4).
 
فما هي آثار هذه الإجراءات الجديدة على الوضعية القانونية للاجئين السوريين؟ وماذا عن أهم تبعاتها على دائرة الحماية القانونية بالنسبة لهؤلاء على الأراضي اللبنانية؟ للإجابة على هذه الأسئلة، من المفيد ولو باقتضاب توضيح بعض المفاهيم والعودة أشهر قليلة إلى ما قبل صدور الإعلان الأخير. فمنذ شهر أيار 2014، بدأ الأمن العام وبصورة استنسابية بالاشتراط على بعض اللاجئين السوريين نيل إجازة عمل من أجل تجديد إقاماتهم وإلاّ مغادرة الأراضي اللبنانية. وكان العمال السوريون قبل الأزمة السورية وبموجب الاتفاقيات الثنائية بين الدولتين، يدخلون إلى لبنان دون تأشيرة دخول حيث يُمنحون إقامة مؤقتة لمدة ستة أشهر على الحدود السورية اللبنانية (5). مع الإشارة أن ذلك لم يكن يعني إعفاءهم من موجب الاستحصال على إجازة العمل إنّما في الممارسة نادراً ما كان يبادر رب العمل اللبناني أو الأجير السوري إلى القيام بهذه الإجراءات في ظلّ تغاضي السلطات المعنية وعلى رأسها وزارتي العمل والأمن العام عن هذا الواقع . وعليه، توجّه العديد من السوريين إلى وزارة العمل حيث اصطدموا برفض هذه الأخيرة حتى استلام طلب الإجازة تحت ذريعة حماية اليد العاملة اللبنانية. إزاء تضارب السياسات هذا، باتت فئة من السوريين مخالفة قسراً لنظام الإقامة على الأراضي اللبنانية نتيجة امتناع الوزارات المعنية عن توفير آليات متجانسة تمكّنهم من تسوية أوضاعهم. وحقيقة الأمر أنّ هذا "الالتباس" والتضارب على صعيد تطبيق الأنظمة من قبل المسؤولين خلال هذه الفترة يُبرز مدى عدم ملاءمة القوانين المحلّية التي يخضع لها السوريون اللاجؤون إلى لبنان بشكل خاص، والأجانب بشكل عام. أمر انعكس بشكل صارخ على صعيد المفاهيم التي تُستخدم اليوم: نازح، لاجئ، عامل أجنبي، عامل مهاجر، سائح...؟
 
فبالعودة إلى قرار الأمن العام الأخير، نقرأ سبع فئات مختلفة يمكن للسوري أن يدخل لبنان على أساسها: سياحة، زيارة عمل، تسوق، مالك ومستأجر عقار، دراسة، سفر، علاج ومراجعة سفارات. وفي حال تعذّر توفير أحد الشروط المتعلقة بكل فئة (حساب مصرفي، مبلغ نقدي، حجز فندق، موعد سفارة أو طبابة... إلخ) يتعذّر على السوري الدخول إلى لبنان إلا في حال كفله لبناني بموجب "تعهد مسبق بالمسؤولية". واللافت في هذا الإعلان الإبقاء على فئة النازح (6) إنما بصورة سلبية وشبه شكلية، حيث جاء تحت هذه الفئة حرفياً حظر "دخول أي سوري بصفة نازح إلا في حالات استثنائية تحدّد إجراءاتها لاحقاً بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية".  وواقع الحال أنّه وحتى تاريخ كتابة هذه الأسطر، لم يتم وضع المعايير التي يتم على أساسها هذا التصنيف ولم تبادر وزارة الشؤون إلى إرسال مندوبيها على الحدود. وبالنسبة للسوريين الذين كانوا مقيمين في لبنان قبل صدور القرار، فعليهم إمّا التعهد بعدم العمل وتجديد إقاماتهم على أساس وثيقة تسجيل لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة صالحة (تجدّد الإقامة بحسب المدة المتبقية من تاريخ صلاحية وثيقة التسجيل)؛ إمّا التجديد تحت صفة "عامل" على مسؤولية الكفيل اللبناني (غالباً ما يكون رب العمل) الذي بدوره يلتزم أمام الأمن العام ب "الاستحصال على إجازة عمل حسب الأصول ويتعهد بالمسؤولية عنه (أي العامل) وعن نشاطاته وعن أي عمل يقوم به يمكن أي يسيء إلى الآخرين أو يكون له تداعيات أمنية وبتأمين طبابته والسكن اللازم له". وفيما يتعلق بوزارة العمل، ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت ستستجيب إلى هذه الطلبات وماهية المعايير والشروط التي ستعمل بها.
 
أمام هذا الواقع، بات على السوري في الوقت الحالي إمّا الامتناع عن مزاولة مهنة في لبنان وبمعنى آخر التخلي عن تأمين أي مردود مالي له أو لأفراد أسرته، إمّا القبول بنظام الكفالة الذي "استحدثته" مؤخراً وزارة الداخلية. وفي كلا الحالتين، باتت دائرة الحماية القانونية ضيقة وهشّة جداً: فمن جهة أولى، يقتضي التذكير بأن وثيقة التسجيل لدى المفوضية العليا بالنسبة للسوريين لا تمنحهم أي صفة أو وضعية أو حماية قانونية، وبالتالي لا يتمتعون حتى بصفة طالبي لجوء وحالات إعادة التوطين شبه رمزية مقارنةً مع الأعداد الهائلة التي هربت من سوريا. ومن جهة ثانية، يخالف نظام الكفالة المعمول به حالياً قانون الأجانب وقانون العمل اللبنانيين، ولا يُخفى على أحد مدى قصور نظام العمالة الأجنبية (بصورة خاصة العمال المنتمين إلى الفئة الثالثة بحسب تصنيف وزارة العمل) (7) في لبنان عن تأمين الحد الأدنى من الحقوق والضمانات وشروط العمل اللائقة ليصبح العامل السوري أسير الممارسات الخاطئة والمخالفة للقوانين من قبل بعض أرباب العمل بغية المحافظة على إقامته (8).
 
واقع الأمر أنّ الإشكالية الحقيقية اليوم تجاوزت الجدل حول مدى وجوب التزام لبنان بحق اللجوء ومبادئ عدم الردّ أو الإعادة القسرية، وباتت في آخر المطاف مشكلة عمالة أجنبية مهاجرة تمسّ مئات الآلاف من السوريين. فقرار الأمن العام جاء نتيجة إدراك مدى حاجة القطاع الاقتصادي اللبناني إلى اليد العاملة السورية؛ وإذا كانت الدولة اللبنانية في السنوات الأربعة الماضية قد تحمّلت مسؤوليتها في توفير الحدّ الأدنى من الحماية القانونية من خلال ضمان عبور آمن للاجئين السوريين وعدم ترحيلهم واحتجازهم تعسفياً مقارنةً مع ما كان ولا يزال يصيب لاجئين من جنسيات أخرى، يُخشى أن تؤدّي السياسة المعتمدة اليوم إلى تسخير هؤلاء واستغلالهم تحت غطاء نظام الكفالة. فبدل أن يبادر المسؤولون إلى إلغاء هذا النظام الذي يخالف الدستور أولاً ومجمل مواثيق وصكوك حقوق الإنسان الملزم لبنان تطبيقها، فهم لا يتردّدون في تكريسه. لعلّ بوادر هذه الأزمة الإنسانية الحقيقية ستدفع بالمعنيين إلى الوقوف أمام مسؤولياتهم وإعادة النظر بصورة جديّة ومعمّقة في نظام العمالة الأجنبية المعمول به اليوم، فالأمر سيتخطّى بأشواط أبواب البيوت المغلقة... 





(1)  سبق لمجلس الوزراء بموجب القرار رقم 72 تاريخ 23/5/2014 أن وافق على تشكيل خلية وزارية لمتابعة مختلف أوجه موضوع النزوح السوري إلى لبنان برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزراء الخارجية والمغتربين، والداخلية والبلديات، والشؤون الاجتماعية، مهمتها الأساسية اتخاذ التوصيات اللازمة لمواجهة حالة تدفق النزوح بالتنسيق مع الإدارات المعنية.
 
(2)  وكان قد سبق ذلك سلسة من الإجراءات اتخذتها مجالس بلديات تتعلّق باللاجئين السوريين القاطنين ضمن نطاق البلدية منها منع اللاجئين السوريين من التجول بعد ساعة محددة، وفي حال عدم الالتزام قد يتم احتجاز اللاجئ السوري في مبنى البلدية لساعات عدة. كما أن معظم المجالس البلدية دأبت على تسجيل اللاجئين السوريين لديها، ولم يقتصر الأمر على ذلك إنما إلى حجز الهوية وتأشيرة الدخول عند التسجيل، وصولاً إلى إصدار بطاقات تعريفية للاجئين بديلاً عن بطاقة الهوية وقد تضمنت إشارة إلى أن بطاقة الهوية الأصلية موجودة لدى البلدية. فضلاً عن ذلك، فقد اتخذت إجراءات أخرى أبرزها فرض رسوم سنوية، فرض غرامات عند مخالفة أحد القرارات الصادرة عن البلدية، منع تأجير شقة واحدة لأكثر من عائلة ومنع العائلات السورية من استقبال الزوار بعد ساعة محددة. إضافة إلى منع ارتياد الأماكن العامة (الحدائق) في بعض المناطق. كما عقد لقاء في مجمع البيال- وسط بيروت بتاريخ 5/9/2014، مع رؤساء البلديات واتحادات البلديات في لبنان بمشاركة قادة الأجهزة الأمنية وتمحور اللقاء حول تفعيل عمل الشرطة البلدية. ومن أبرز التوصيات المتعلقة بتفعيل عمل الشرطة البلدية والمتخذة في المؤتمر المذكور "ضبط قيود النازحين السوريين في كل بلدة ومتابعة موضوع المساعدات ومصادرها وضرورة إشراف البلدية عليها بشكل مباشر".
 
(3)  استثنى القرار رقم 19/1 الصادر بتاريخ 2 شباط 2013 الفئات الآتية من المهن المحصورة على اللبنانيين (العمال ولاأجراء) حيث سمح للسوريين حصراً مزاولة المهن الآتية: المهن الفنية في قطاع البناء، المندوب التجاري، مندوب التسويق، أمين مستودع، الميكانيك والصيانة، حاجب وحارس، خياطة، مراقب أشغال، حدادة وتنجيد. ثم عاد القرار رقم 197/1 الصادر بتاريخ 16 كانون الأول 2014 وألغى هذا الاستثناء حيث أصبحت المهن الآتية محصورة باللبنانيين دون استثناء: الأعمال الإدارية والمصرفية والتأمينية والتربوية على اختلاف أنواعها وبصورة خاصة المهن التالية: الرئيس - العميد- المدير - نائب المدير - رئيس الموظفين - أمين الصندوق - المحاسب - السكرتير - المستكتب - الموثق - أمين محفوظات - كمبيوتر - المندوب التجاري - مندوب التسويق - مراقب أشغال - أمين مستودع - بائع - صائغ - خياط - رتي باستثناء عامل رتي السجاد - التمديدات الكهربائية - الميكانيك والصيانة - أعمال الدهان - تركيب الزجاج - الحاجب - الحارس - السائق - النادل - الحلاق - الأعمال الالكترونية - الطاهي (مأكولات شرقية) - المهن الفنية في قطاع البناء ومشتقاته كالتبليط والتوريق وتركيب الجفصين والألمنيوم والحديد والخشب والديكور وما شابه - التدريس في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية باستثناء تدريس اللغات الأجنبية عند الضرورة - الأعمال الهندسية بمختلف الاختصاصات - أعمال الحدادة والتنجيد - التمريض - جميع أنواع الأعمال في الصيدليات ومستودعات الأدوية والمختبرات الطبية - أعمال الكيل والمساحة - أعمال التجميل - وبصورة عامة جميع الأعمال والمهن وأعمال التدريس التي يتوافر لبنانيون لإشغالها.
 
(4)  يُراجع في هذا الصدد الإعلان الصادر عن المديرية العامة للأمن العام بتاريخ 31 كانون الأول 2014 وتعديلاته بتاريخ 3 شباط 2015 متوفر على العنوان الآتي:http://www.general-security.gov.lb/news_det.aspx?d=194
 
(5)  يُراجع في هذا الصدد دراسة تحت عنوان "الخطة الوطنية لحقوق الإنسان: حقوق العمال المهاجرين"، لجنة حقوق الإنسان النيابية، مجلس النواب اللبناني بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2008، ص. 15 وص.30، متوفر على العنوان الآتي: https://www.lp.gov.lb/Temp/Files/a11680de-ffc8-4128-839d-080ab1d14d7a.pdf
 
(6)  إن اعتماد كلمة "نازح" بدل من "لاجئ" لا يعكس الوصف القانوني الصحيح بالنسبة للسوريين اللاجئين إلى لبنان، فكما هو معلوم النازح هو من ينزح داخل إقليم الدولة أمّا اللاجئ هو من عبر حدوداً دولية خشيةً من التعرض للاضطهاد.

 
(7)  قسّم القرار رقم 42/2 تاريخ 2/2/1971 وتعديلاته الأجانب العاملين في لبنان إلى أربع فئات حسب طبيعة عملهم ورواتبهم، والفئة الثالثة تشمل أصحاب الحرف والأجراء العاملون في المؤسسات الذين لا تتجاوز رواتبهم ضعفي الحد الأدنى للأجور.
 
(8)  يُراجع في هذا الصدد الدراسة المذكورة آنفاً، "الخطة الوطنية لحقوق الإنسان: حقوق العمال المهاجرين" من ص.31 حتى 38.

 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.