Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله , المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


October 2015
تحرير الصندوق البلدي المستقل من قبضة السياسيين

 
أحد المطالب الرئيسية التي رفعتها حملة "طلعت ريحتكم" هو أن تقوم الحكومة بإعادة أموال الصندوق البلدي المستقل للبلديات حتى تتمكن هذه الأخيرة من تحمّل مسؤولياتها في إدارة النفايات. ويأتي هذا المطلب إلى حد كبير كردّ على رفض الحكومة، منذ العام 2002، تحويل الأموال من وزارة الاتصالات إلى البلديات، فضلاً عن اللجوء إلى الصندوق البلدي المستقل لدفع ثمن عقود باهظة الثمن تفرضها حالياً سوكلين وشركات أخرى معنية بجمع النفايات.
 
 قد يبدو الوضع سيّئاً جداً لكن الأسوأ هو طريقة إدارة الصندوق البلدي المستقل. فمنذ بداية التسعينيات، تعاقبت الحكومات اللبنانية التي أساءت إدارة الصندوق البلدي المستقل، حيث سعت إلى تخفيض قيمة المبالغ التي تذهب إلى الصندوق، كما دفعت مبالغ طائلة وغير قانونية من أموال الصندوق، مما حدّ وبشكل كبير من الأموال التي من المفترض أن تذهب للبلديات. ولوضع الأمور في نصابها، يبلغ حجم الصندوق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 0،4٪ في لبنان مقابل ما متوسطه 3٪ في بلدان أخرى. بالإضافة إلى ذلك، غيّرت الحكومة في صيغة التوزيع المعتمدة في تخصيص الأموال للبلديات وأخّرت صرف الأموال، معرقلةً بذلك التخطيط الاستثماري الذي ينبغي على البلديات تحقيقه.
 
يحصّل الصندوق إيراداته الرسمية عن طريق إحدى عشر ضريبة ورسماً أساسياً تجمعها الحكومة المركزية بالنيابة عن جميع البلديات. ومنذ أوائل التسعينيات، خفضت الحكومة من قيمة الأموال التي تذهب إلى الصندوق عن طريق تغيير القاعدة الضريبية، كتلك الخاصة بالضريبة على الأملاك المبنية، وضريبة الدخل، والرسوم الجمركية، ورسوم التأمين، فضلاً عن خفض معدل الضريبة على الدخل والرسوم الجمركية. وتمّ اتخاذ هذه القرارات بدون تقييم أولي لتأثيرها على أموال البلديات وبدون إيجاد مصادر بديلة للدخل. علاوة على ذلك، منحت الحكومة المصلحة العليا للجمارك السلطة لخفض التعريفات الجمركية، التي تشكّل مصدراً هاماً لدخل الصندوق، بدون التشاور مسبقاً مع البلديات. بالإضافة إلى ذلك، منعت الحكومة تحويل الضريبة على القيمة المضافة على الهواتف النقالة للبلديات (المادة 55 من القانون 379) فحرمتها مما لا يقل عن مليار دولار من الإيرادات على مدى عشر سنوات. وعند مقارنة المبلغ الذي كان ينبغي تحصيله مقابل ذاك الذي تم تحصيله بالفعل، يتبيّن أنه ينقص الصندوق حوالي 205 ملايين دولار.
 
لا تتوقف المشكلة هنا. فقد أنفقت الحكومة أموالاً من الصندوق على بنود لم يأذن بها المرسوم التشريعي رقم 118/ 1977 أو مرسوم التوزيع رقم 1917 الصادر في العام 1979. على سبيل المثال، تنطوي هذه البنود على نفقات الدفاع المدني والقرى دون بلديات، ورسوم المدارس الرسمية، ومشاريع يموّلها مجلس الإنماء والإعمار. وقد أنفقت الحكومة حوالي 300 مليون دولار منذ أوائل التسعينيات على هذه البنود بدون استشارة أو إبلاغ البلديات، وهي المستفيدة من الصندوق، بشأن هذه السحوبات.
 
على الرغم من أن المرسوم رقم 1917 منح الحكومة الحق في استخدام بعض أموال الصندوق ليعود ذلك بالفائدة إلى جميع البلديات، نجحت الحكومة هنا أيضاً في استغلال الوضع وإساءة التصرّف. فقد انتهكت هذا المرسوم من خلال إنفاق المال على بعض البلديات دون سواها. ولإضفاء الشرعية على مثل هذا العمل، أصدرت الحكومة المرسوم رقم 3038 في العام 2000، الذي يجيز لمجلس الوزراء إنفاق مال الصندوق على أعمال تعود بالفائدة إلى بعض البلديات وليس جميعها. وعلى الرغم من أن ديوان المحاسبة اعتبر أن هذا العمل غير قانوني، فقد مهّد الطريق لقانون الموازنة رقم 326 الذي سمح للحكومة بأن تخصم ل 255 بلدية تستفيد من خدمات جمع النفايات الصلبة 40٪ من حصتها من الصندوق البلدي المستقل. المبلغ الذي تقاضته سوكلين وشركات جمع النفايات الأخرى يقدّر بحوالي 160 مليون دولار. باختصار، أدّى استغلال الحكومة للصندوق إلى حرمان البلديات من 1،2 مليار دولار من الإيرادات. ومع التحفّظ بالتقديرات، يتبيّن أن 460 مليون دولار على الأقل من إنفاق الحكومة المركزية غير قانوني.
 
 بالإضافة إلى حرمان البلديات من حصتها من الصندوق، غيّرت الحكومة معايير التوزيع أربع مرات على الأقل في السنوات الخمس عشرة الماضية ولم تقدّم أي مبرّر لذلك. على سبيل المثال، غيّرت الحكومة النسب المئوية المخصصة للبلديات مقارنةً باتحادات البلديات. كذلك، فقد غيّرت في وزن المعايير مع إعطاء معيار السكان المسجلين الأفضلية على معيار الضرائب المحصّلة محلياً. وفي بعض الحالات الأخرى، قررت تخصيص مبلغ ثابت لجميع البلديات الصغيرة، أي تلك التي تضم تسعة أعضاء أو اثني عشر عضواً في مجلسها البلدي، حيث اعتبرت وبشكل خاطىء أن البلديات الصغيرة تكون فقيرة تلقائياً. وبعد اتخاذ هذه القرارات وإصدارها وفقاً لمعايير توزيع محددة، مضى تسعة أشهر من السنة قبل أن تصرف الحكومة الأموال، خلافاً لما هو منصوص عليه في القانون. في الواقع، باستثناء العامين 2009 و2010، أخّرت الحكومة عملية صرف الأموال واختارت أيضاً تحويل الأموال على شكل أقساط. وترك كل ذلك أثراً سلبياً على مالية البلديات والتخطيط الاستثماري.
  
إن المطالبة بتحرير أموال الصندوق البلدي المستقل يجب أن تأخذ بالحسبان هذه الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة المركزية. وتحقيقاً لهذه الغاية، يجب أن نطالب بإجراء مراجعة نزيهة لحسابات الصندوق على طول العقدين الماضيين لمعرفة ما إذا كانت الأموال التي كان من المفترض أن يتم تحصيلها قد وجدت طريقها إلى الصندوق. وعلينا أيضاً أن نحدّد مقدار كل الإنفاقات التي صُرفت من أموال الصندوق. فلعدم الوقوع ضحية حيل الحكومة، لا بدّ من التحقيق في حسابات الصندوق لتكوين صورة كاملة عن ماليته. كما أن فشل الحكومة في إدارة الصندوق يجب أن يدفع بمنظمات المجتمع المدني للمطالبة باستقلالية الصندوق عن طريق خلق آلية مؤسسية جديدة بحيث يديره المستفيدون منه، أي البلديات، من خلال آلية مناسبة. في الواقع، وبهذه الروحية، اقترحت مسودة مشروع قانون اللامركزية الذي أعلن عنه في نيسان 2014 والذي أعدته اللجنة التي ترأسها وزير الداخلية والبلديات الأسبق، الأستاذ زياد بارود، إعادة تنظيم الصندوق البلدي المستقل.
 
باختصار، مشكلة الصندوق البلدي المستقل أكبر بكثير من حصة البلديات من عائدات الهاتف والمدفوعات لشركة سوكلين.
 
 
 
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.