Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


ميلاني كاميت,  أستاذة في الشؤون الحكومية في جامعة هارفارد وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات


November 2015
الأبعاد السياسية والطائفية لتوفير الخدمات الاجتماعية في لبنان

 
لطالما فشلت الحكومة اللبنانية في توفير مجموعة من الخدمات بالشكل المناسب، من بينها توفير المياه والكهرباء وجمع النفايات ومعالجتها. ويعود هذا الوضع في جزء منه الى حقيقة مفادها أن تقديم الخدمات في لبنان قضية تعتمد على الزبائنية بطبيعتها، مما يعني أن المواطنين يعتمدون في كثير من الأحيان على الزعماء السياسيين والأحزاب للحصول على الخدمات التي عادةً ما توفّرها الدولة. في الوقت الحاضر، تأتي هذه القضايا في طليعة الخطاب العام، حيث يعم حال من الجمود السياسي دون توصّل القادة الوطنيين الى اتفاق حول كيفية تأمين الخدمات،  وقد نزل المواطنون في مناسبات متعددة إلى الشارع للتعبير عن استيائهم من النخبة السياسية في البلاد. والموضوع الأبرز الذي دارت حوله هذه الاحتجاجات هو محاربة الفساد والتبعية للنظام السياسي الطائفي. في كتابي الطائفية الرحيمة: الرعاية الاجتماعية و الطائفية في لبنان، أنظر في الطريقة والشروط التي تعتمدها الأحزاب في توزيع الخدمات، وفي الجماعات السياسية والطائفية التي يتم توفير تلك الخدمات لها.
 
في حين من المفترض عموماً من الجماعات العرقية أو الطائفية أن تكتفي بخدمة أتباعها وتستبعد هؤلاء الذين ينتمون الى الجماعات الأخرى، غير أنه لا بدّ من إعادة النظر والتشكيك في هذه الفرضية العامة. في الواقع، ليس واضحاً لماذا تلتزم الجماعات الطائفية بتوفير الخدمات العامة طالما أنها تضمن دعم أفرادها لها، كما تشير البحوث حول السياسات الدينية-العرقية. مما لا شك فيه أن الاهتمامات الخيرية والرؤى الخاصة بالعدالة الاجتماعية تجبر العديد من المسؤولين والموظفين ضمن هذه المجموعات على تقديم المساعدة الاجتماعية، ولكن الدوافع السياسية مهمة أيضاً.
 
عند التركيز على الأبعاد السياسية لعملية توفير الخدمات الاجتماعية، نلاحظ وجود عاملين أساسيين توزّع على أساسهما الخدمات الاجتماعية من جانب الأحزاب الطائفية. أولاً، من المهم معرفة ما إذا كان الحزب يطبّق استراتيجية سياسية "محورها الدولة" أو إذا كان يركّز على توفير الخدمات من خارج مؤسسات الدولة الرسمية. في الحالة الأولى، تميل الأحزاب الى خدمة أفراد الطوائف الدينية أو الجماعات الطائفية الأخرى، فضلاً عن أنصار غير فاعلين (passive supporters)، بينهم هؤلاء الذين لم يسجلوا او بالكاد سجّلوا دعمهم المباشر للحزب المعنيّ. وتركز الاستراتيجية الأخيرة على مؤيدي الحزب المتشددين وتنطوي على تنفيذ السياسة من خارج نطاق مؤسسات الدولة، وغالباً ما يتجلى ذلك في الشارع من خلال الاحتجاجات أو أعمال الشغب، أو سياسات الميليشيات. ثانياً، من المهم معرفة ما إذا كان الحزب يواجه منافسة أحزاب أخرى تدّعي تمثيل المجموعة نفسها (المنافسة داخل الجماعة أو بين الطوائف). في هذه الحالة، من المرجح أن يتم توزيع خدمات الرفاهية على أفراد "ضمن المجموعة "، وفي معظم الأحيان على المؤيدين المتشددين.
 
في لبنان، أقارن استراتيجيات توزيع خدمات الرفاهية التي تعتمدها الأحزاب السياسية المسيحية والشيعية والسنية البارزة، مع جماعات طائفية أخرى في العراق والهند. ويتفاوت توزيع خدمات الرعاية الاجتماعية في لبنان بين مختلف الأطراف. على سبيل المثال، وحتى أواخر العقد المنصرم، قام تيار المستقبل المسلم السنّي بتوفير الخدمات على نطاق واسع نسبياً، وهو أمر تغيّر في الآونة الأخيرة، في حين قدّم حزب الله المسلم الشيعي خدمات في المناطق الشيعية بوجه خاص، على الرغم من أنه استقبل في مؤسسات الرعاية الاجتماعية التابعة له أفراداً من طوائف أخرى وبدأ يتفرع خارج مناطق عملياته الأساسية. وتميل الأحزاب السياسية المسيحية إلى تركيز جهود المساعدة الاجتماعية في المجتمعات ذات الأغلبية المسيحية. فدرجة تعرّض هذه الأحزاب للمنافسة الخطيرة داخل طوائفها وأنواع الاستراتيجيات السياسية التي تعطيها الأولوية، تسمح بشرح الاختلاف في ميل هذه المنظمات الى خدمة المجتمعات المحلية من خارج الجماعة أو الى تجاوز قاعدة مؤيديها الأساسيين في مرحلة معيّنة.
 
على الرغم من أنني أركّز على الديناميات الطائفية في توزيع الرعاية الاجتماعية، لا ينبغي النظر الى الهوية الطائفية كثابتة جامدة وغير قابلة للتغيير. فالتنظيمات الطائفية لها أهداف معقدة عند تقديم الخدمات الاجتماعية؛ قد توزّع أو تسهّل الحصول على الخدمات الاجتماعية للوفاء بالتزاماتها الغيرية، أو تنصّب نفسها على أنها الحامية والضامنة لرفاه الناس، أو تجتذب أنصاراً لها، أو تعزّز سيطرتها على الأرض وعلى الناس. وما يحفّز توفير الخدمات الاجتماعية من جانب هذه الجماعات هي الأهداف السياسية المحددة وليس الدوافع الخيرية وحسب. بيد أنّ حشد الدعم من خلال توفير الخدمات ليس بالضرورة صفقة اقتصادية أو مادية، وهذا لا يحدث دائماً من خلال التبادلات المباشرة. وكما تكشف المقابلات المعمّقة مع المواطنين اللبنانيين، فإنّ تلقي الخدمات أو الرعاية بشكل مباشر أو من جانب أفراد الأسرة الذين هم أعضاء في جماعاتهم وخارجها، يولّد شعوراً بالانتماء إلى جماعة محددة، مما يحمل فوائد نفسية كبيرة، وبخاصةٍ في ظلّ مؤسسات الدولة المتخلفة وغير المستقرة.
 
إنّ الخدمات الاجتماعية التي توفّرها الجماعات العرقية أو الطائفية هي مصدر دعم أساسي لبعض الذين هم بأمسّ الحاجة اليه ولكن تكاليفها الاقتصادية والسياسية مرتفعة. أولاً، يمكن القول إن أنشطة الرعاية التي تمارسها الأحزاب الطائفية وأسلافها قد ساعدت في خلق نزعة باتجاه تشرذم نظام الرعاية الاجتماعية اللبناني وتعزيز هذه النزعة، مما يولّد عدم الكفاءة ويحول دون إجراء إصلاح ذي مغزى. ثانياً، طالما أن المنظمات الطائفية توصل الفوائد لأنصارها، من غير المرجّح أن تعزز التزامات مشتركة لنظام حكم وطني من خلال أنشطتها التوزيعية. والأثر الضار الذي قد تخلّفه البرامج الاجتماعية على الاندماج الوطني هو الأبرز في قطاع التعليم، حيث أدّت الصراعات المزمنة إلى تعقيد عملية وضع المناهج الدراسية لموضوعات مثل التاريخ والتربية المدنية. كما أن عدم القدرة على الاتفاق على سرد وطني مشترك يعيق بناء التضامنات الوطنية، وهو أمر يربطه العديد من علماء الاجتماع بعملية تحسين الخدمات الاجتماعية والخدمات العامة المقدّمة. ثالثاً، وعلى الرغم من أن المنافسة تعزّز المساءلة في المبدأ، فهي، وفي ظل ظروف معينة، قد تحدّ من درجة توفير الرعاية الاجتماعية وشموليتها. في أنظمة تقاسم السلطة، مثل النظام التوافقي اللبناني، تمنح الأحزاب الحوافز لتحديد أولويات الأعضاء ضمن الجماعة فيما تتنافس الأحزاب الأخرى ويحاول كل منها تنصيب نفسه كالممثل الرئيسي عن الجماعة الطائفية نفسها.
 
للحصول على الرعاية، النتائج المترتبة على تقديم الخدمات من جانب الأحزاب الطائفية معقدة. فمن ناحية، نرى أن هذه الجماعات، الى جانب جهات فاعلة أخرى من غير الدولة، تملأ الفجوة التي تعجز المؤسسات العامة عن ردمها. ومن ناحية أخرى، توزّع المنافع على أساس تقديري استنسابي، مما يحبس الفقراء والضعفاء في علاقات غير متكافئة من المبادلات الزبائنية. وكما أشار مدير إحدى المنظمات غير الحكومية اللبنانية "لولا [البرامج الاجتماعية للجماعات الطائفية]، لكان لبنان أفقر من الهند". بيد أن الأب غريغوار حداد، وهو مؤسس الحركة الاجتماعية غير الطائفية، قد أكد أن "المنظمات الطائفية قسّمت البلاد وقسّمت عقليّة وذهنية الشعب اللبناني".






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.