Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله , المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


December 2015
التشريع "للضرورة الخاصة بهم"

في الثالث عشر والرابع عشر من تشرين الثاني 2015، دعا رئيس مجلس النواب اللبناني إلى عقد جلسة نيابية تحت عنوان "التشريع بحكم الضرورة". وكان قد مضى عام بكامله على آخر اجتماع للبرلمان اللبناني الذي، وبحسب الدستور، لا يملك السلطة للتشريع ما لم ينتخب رئيساً للجمهورية، وهو المنصب الشاغر منذ أيار 2014. وفي ظل الفشل في التوصّل إلى اتفاق حول مرشّح لرئاسة الجمهورية، شعر رئيس مجلس النواب أنه من الضروري للمجلس التشريعي تمرير القوانين اللازمة لمواجهة التحديات الملحّة في البلاد. واستجابت جميع الأحزاب السياسية لهذه الدعوة وتهافتت إلى البرلمان "لإنقاذ الجمهورية". وذكّر أعضاء حزب الكتائب جميع الحاضرين بأن هذه الجلسة غير دستورية وانسحبوا منها، فيما ادّعى آخرون أنهم متمسّكون بالدستور والرئاسة قبل الانتقال للعمل كالعادة.
 
وبغضّ النظر عن الانتهاكات الدستورية والقانونية، يتساءل المرء ما الذي كان على المحك والذي دفع بكافة الأحزاب السياسية للاجتماع تحت سقف واحد من أجل إقرار ثمانية وثلاثين قانوناً في غضون 48 ساعة؟ لدى التمعّن بأبرز القوانين، يمكن للمرء ربط النقاط بعضها بالبعض الآخر. فتلك القوانين تهدف إلى إنقاذ القطاع المصرفي من العقوبات الدولية من خلال ضمان امتثال لبنان للشروط الجديدة التي تتناول تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، والحركات النقدية العابرة للحدود، وقوانين التعاون لمكافحة التهرّب من الضرائب. ووفقاً لحاكم مصرف لبنان الذي طلب عقد الجلسة النيابية، فقد سمحت هذه القوانين "بالحفاظ على الوضع المالي في لبنان". وكون العديد من البنوك اللبنانية تضم شخصيات سياسية تخدم أو تسيطر على مجالس إدارتها، لا يمكن التغاضي عن حقيقة مفادها أن هذا يخدم مصلحة البعض أو حتى الكثيرين ممن هم في السلطة.
 
بصراحة المسألة لا تتعلّق بالقطاع المصرفي وحسب. فقد أقرّت الجلسة النيابية أيضاً أربعة عشر قانوناً يسمح بضخ 1.26 مليار دولار، بينها  مليار دولار على شكل قروض، في مشاريع الاستثمار العامة- من مياه، وسكن، وإدارة النفايات، والطرق السريعة، والطاقة، والكهرباء، والتلوث، وغيرها- على أن يموّلها البنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. في الظاهر، هذا الجهد مرحّب به إذ يسمح بتعزيز الاستثمار في البنية التحتية المتهالكة. لكن سجلّ لبنان من حيث الكفاءة والفعالية في استخدام هذه الموارد ضعيف للغاية. والسبب هو أنّه في غالب الأحيان تلزّم مثل هذه المشاريع للنخبة السياسية واتباعها في مناطق نفوذها. ومن هنا، وبقدر ما تهدف هذه المشاريع إلى خدمة المنفعة العامة،  فبإمكانها أن تتحول إلى منفعة خاصة للنخبة السياسية. ففي النهاية، لقد نقصت السيولة النقدية لدى هذه الأخيرة في الآونة الأخيرة وهي مستعدة للترحيب بأي حقن لرأس المال في الاقتصاد من أجل استخداماتها الخاصة.
 
الآن وقد طالبت النخب الاقتصادية والسياسية بنصيبها من الكعكة، لا بدّ لها من إبقاء الدولة وما تبقّى من مؤسساتها واقفة على قدميها. فقد أقرّ البرلمان قانوناً يمنح الجيش تجهيزات بقيمة 900 مليون دولار ومرّر قانونين يسمحان للحكومة بصرف ثلاثة مليارات دولار إضافية لتلبية "احتياجات القطاع العام"، بالإضافة إلى 600 مليون دولار لموظفي القطاع العام. أضف إلى ذلك قانوناً آخر يسمح للحكومة باقتراض حوالى ثلاثة مليارات دولار بالعملة الأجنبية لإعادة هيكلة الدين العام في لبنان. وهذه ليست بالمبالغ الضئيلة التي يقوم بإقرارها البرلمان. وعلاوة على ذلك، هي تنتهك قوانين الموازنة وتقوّض أي نوع من الشفافية. وهي تذكّرنا بمدى عدم استعداد البرلمان لمحاسبة السلطة التنفيذية. فبدلاً من  تمرير هذه القوانين، كان الأجدى للبرلمان دعوة السلطة التنفيذية إلى تقديم موازنة رأت النور آخر مرة في العام 2005.
 
 أخيراً، ما كان ليتم إقرار تلك القوانين لولا قانون الجنسية الذي شكّل تمريره شرطاً مسبقاً فرضه الطرف المسيحي للمشاركة في مسخرة التشريع بحكم الضرورة. فمع تضاؤل ​​أرقامها في صناديق الاقتراع، فضلت الأحزاب المسيحية تعزيز حضورها في الانتخابات المقبلة من خلال اجتذاب "غير اللبنانيين" من أصل لبناني للمشاركة فيها.
 
ومن وجهة نظر النخبة، هذه القوانين ضرورية ومكمّلة. فهي تحفظ ثروتها من خلال احترام الالتزامات الدولية وضخ الأموال في النظام السياسي لتوفير المنافع العامة التي  تمتد أيضاً إلى مصالحها الخاصة. وللحرص على سير شؤون الدولة، سعت إلى دفع رواتب الجيش والقطاع العام فضلاً عن توفير التجهيزات لهما. وفوق كل ذلك الأحزاب المسيحية حصلت على فرصة زيادة أعدادها في الانتخابات المقبلة من خلال قانون الجنسية.
 
وما يعبّر عن ذلك أيضاً هي مشاريع القوانين التي لم توضع حتى على الطاولة. على سبيل المثال، لا يبدو النواب منزعجين من غياب الموازنة في لبنان منذ العام 2005، مما أدى الى تقويض فعالية المالية العامة في البلاد. كما أن القانون الانتخابي الذي يُعتبر أساسي لتأمين تمثيل سياسي أفضل، فقد جرى دفنه في إحدى اللجان. أما حقوق المرأة فتبدو غير ذي أهمية بالنسبة إلى السياسيين الذين يأثرون الحفاظ على السلطة الأبوية من خلال قانون الجنسية بدلاً من تمرير قانون أحوال شخصية مدني منصف وعادل. أما بالنسبة إلى أساتذة المدارس الرسمية، فقد جرى تأجيل تصحيح سلسلة الرتب والأجور الخاصة بهم. يجري كل ذلك على خلفية تراجع الخدمات العامة بدءاً من جمع النفايات وصولاً إلى النقص في المياه والكهرباء.

مرّةً أخرى، أتى مجلس النواب ليؤكّد على أنه يخدم مصالح القلة ويتجاهل أولويات الأغلبية. فهو يتمسك بالالتزامات الدولية فيما يتجاهل ناخبيه المحليين. وهو يساوم مع الحكومة حول المالية العامة بطريقة تشبه ممارسات البازار بدلاً من إجبارها على تقديم الموازنة. وهو يعطي الحقوق "للأجانب" وليس للمرأة اللبنانية. هذا البرلمان ليس فاقداً للشرعية من الناحية الدستورية وحسب بل أيضاً من الناحية الأخلاقية. فقد فشل في الاستجابة لاحتياجات الناس وتطلعاتهم وأولوياتهم. ومن المشين أن يعاد انتخاب أعضائه.
 
 
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.