Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


May 2016
التغيير في لبنان يحتاج إلى أكثر من مجرّد انتخابات بلديّة

من المُزمع أن تجرى قريباً في لبنان الجولة الرابعة من الانتخابات البلديّة منذ عام 1998. ويلقي هذا الحدث الضوء على ثلاث تحدّيات أساسيّة ومترابطة تواجه البلاد. يتمثّل التحدي الأوّل فيما إذا كانت النخبة السياسيّة الحاكمة ستقرّر فعلاً إجراء الانتخابات البلديّة. وإذا تحقّق ذلك، يتعلق التحدّي الثاني فيما إذا كان أعضاء المجالس البلديّة المنتخبين سيلتزمون بخطّة عمل تعالج الحاجات المحليّة للشعب. أمّا التحدّي الثالث، فيكمن في دفع الناس إلى التصويت لمن سيخدمهم عوضًا عمّن يمثّل مصالح النظام السياسي. وتتداخل هذه المسائل لأنّ قرارات النخب السياسيّة حول إجراء الانتخابات لا تنفصل عن محاولاتها للتحكّم بالنتيجة، المتمثّلة فعليًّا بإيصال حلفائها إلى المجالس البلديّة. وبغية الفوز في الانتخابات، لابدّ أولاً من إقامة التحالفات بين الأحزاب والعائلات الكبيرة، ما يتمّ غالبًا على حساب أي برامج أو رؤية تنمويّة. ثانيًا، سيتم الدفع بالناخبين إلى صناديق الاقتراع في موجة من الخطاب الطائفي والفتنوي، ما يقوّض عامل المساءلة في التصويت.

وعلى الرغم من أنّ وزارة الداخلية والبلديات تستعدّ لإجراء الانتخابات، فالواقع أنّ سجلّ النخبة السياسيّة في احترام الدستور والمحافظة على الحقوق الديمقراطيّة ليس بمشرّف. فهي قد اغتصبت السلطة من خلال تأجيل الانتخابات التشريعيّة مرّتين خلال السنوات الثلاث الماضية. كذلك، فإنّ عجزها عن انتخاب رئيس للجمهوريّة وشلّها لعمل مجلس الوزراء لشاهد على عدم كفاءتها في الحكم.  

وفي حين حاولت بعض الأحزاب تأجيل الانتخابات البلديّة بشكل غير معلن، لا زال قرار إجرائها رهن بقياس كلفة اعتماد أيّ من المسارين. وينطوي الخيار الأوّل على موافقة الأحزاب السياسيّة مجتمعةً على تأجيل الانتخابات. إلاّ أنّ ذلك غير مرجّح على ما يبدو، لأنّ بعض الأحزاب كالتيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانيّة تريد إجراء الانتخابات لعرض عضلاتها مجتمعةً بعد الاتّفاق التاريخي الّذي تمّ التوصّل إليه بين هاتين القوّتين. وفي مقابل ذلك، لا يفضّل أيّ من تيار المستقبل وحزب الله إجراء الانتخابات البلديّة، إلاّ أنّ أيًّا منهما سيعلن عن نواياه أو دوافعه الفعليّة حيال ذلك. ولا يخفى عن كل هذه الأحزاب أنّ عدم إجراء الانتخابات البلديّة من شأنه أن يكبح فعليًّا الحياة السياسيّة، ويعكس مسار الإصلاحات الّتي دفعت بها منظّمات المجتمع المدني عبر إعادة الانتخابات البلديّة عام 1998، والأهمّ أنّ ذلك سيشكّل تجسيدًا لسوء إدارة البلاد، في حين حتّى البلدان الاستبداديّة قد نجحت في تنظيم انتخابات محليّة. أمّا المسار الثاني فيتمثّل بإرساء تحالفات بين الأحزاب السياسيّة والعائلات الكبيرة، ولا سيّما في المناطق الريفيّة، وذلك لتشكيل لوائح مشتركة لخوض الانتخابات البلديّة في حال إجرائها في الوقت المحدّد لها. وبما أن كلفة إتباع المسار الأول أعلى بكثير من الثاني، يرجح إجراء الإنتخابات. ففي نهاية المطاف، لا تجري الانتخابات البلديّة في لبنان عن قناعة ديمقراطيّة، بل إنّ إجراءها يمثّل الثمن الأقل الّذي سيتحتّم على النخبة تكبّده لضمان حفاظ الطبقة السياسيّة اللبنانيّة على القليل من الشرعيّة في محاولتها لإبقاء قبضتها على السلطة في البلاد.

لكنّ الواقع هو أنّ التحالفات الّتي تقيمها الأحزاب السياسيّة مع العائلات والعشائر لتشكيل لوائح انتخابيّة مشتركة تعيق دور البلديّات كجهات تنمويّة. ويقودنا ذلك إلى التحدّي الثاني، أي تشكيل اللوائح المشتركة لتفادي المنافسة. ويترتّب على ذلك نتيجتان، تتمثلّ أولاهما بعدم تمثيل شرائح كثيرة من المجتمع، ولا سيّما النساء، والشباب، والمجموعات المهمّشة، لأنّ الطوائف والعائلات والعشائر تاخذ الأولوية. أمّا النتيجة الثانية، فتكمن في أنّ الانتخابات، وحتّى التنافسيّة منها، غالبًا ما ينتج عنها مجالس منتخبة تتكون من تركيبات غير فعّالة لمجموعات مصالح ذاات قواسم مشتركة قليلة جداً. فلا تجمعها برامج أو خطط مشتركة لتعزيز التنمية، ولا أيّ دافع للعمل معاً. وغالبًا ما يقتصر هدفها على خدمة مصالح المجموعة الضيّقة الّتي أوصلتها إلى السلطة، متجاهلةً المسائل التنمويّة. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ النظام السياسي قد آثر نوعًا محدّدًا من التمثيل على حساب تعزيز مصالح المواطنين.

قد يحاجج البعض أنّ التمثيل مهمّ، إذ بدونه لا يمكن تلبية حاجات الناخبين. إلاّ أنّ ذلك هو غير صحيح في الواقع. فليس التمثيل ما يضمن تحسين تقديم الخدمات، بل المساءلة. وقد أكّد المركز اللبناني للدراسات على هذه الاستنتاجات في دراسة سابقة نبيّن فيها، بناءً على أدلّة تجريبيّة، أنّ البلديّات الّتي تغلب على تمثيلها طائفة واحدة لا توفّر الخدمات أكثر من غيرها.

أمّا التحدي الثالث فيتمثّل بحشد أكبر عدد ممكن من المواطنين لممارسة حقّهم بالانتخاب، حتّى يختاروا الممثّلين الّذين سيعملون لمصلحتهم ويخضعون للمساءلة. إلاّ أنّ هذه العمليّة قد قوّضت إلى حدٍّ كبير كما يلي: أوّلاً، يظهر الكثير من الناخبين لا مبالاة شديدة حيال الانتخابات، ما يُعزى إلى حدّ كبير إلى اللف والدوران الّذي تمارسه النخبة السياسيّة الّتي تتجاهل حاجاتهم بكلّ بساطة. وفي الواقع، لم تتجاوز نسبة المقترعين في الانتخابات الأخيرة في بيروت الـ20 بالمئة من عدد الناخبين. وثانيًا، يرتهن العديد ممّن يصوّتون إلى شبكات سياسيّة زبائنيّة، أوّ يخشون أن تتعدّى جماعات طائفيّة أخرى على حياتهم عبر تعزيز سلطتها السياسيّة في حال لم يقترعوا. ومن بين العوامل الأخرى، الّتي تشمل غياب أيّ بديل منظور، يُعزّز الناخبون الوضع القائم، من خلال التصويت لمن يزرعون الخوف في النفوس، متعهّدين بتمثيل مصالح طائفة أو فئة معيّنة، وكلّ ذلك على حساب المساءلة. وإنّ طريقة إدارة الانتخابات، بدءًا من عدم تأكّد إجرائها في الوقت المحدّد إلى محاولات النخبة للتحكم بالنتيجة، قد ألحقت الضرر بأيّ عمل تنموي يمكن للبلديّات، بل يتوجّب عليها، القيام به. فما يحتاجه لبنان يتخطّى الانتخابات البلديّة. نحن بحاجة إلى أحزاب سياسيّة جديدة تقدّم البدائل، وتتنافس على أساس البرامج والأفكار، وتمثّل المجتمع متخطيةً الانقسامات الطائفيّة الضيّقة، لتشمل أيضًا مصالح النساء والشباب والأقلّ حظوةً. نحتاج أحزابًا قادرة على العمل معًا. نحتاج أحزابًا تنشر الأمل بدلاً من أن تزرع الخوف. ونحتاج أكثر ما نحتاج إلى مواطنين يسائلون مسؤوليهم، عبر طردهم من خلال صناديق الاقتراع. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.