Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


فاليري مارسيل, زميلة مشاركة في تشاتام هاوس


July 2016
متى على لبنان إنشاء شركة نفط وطنيّة؟

لا شكّ أنّ فكرة إنشاء شركة نفط وطنيّة في لبنان باتت الآن في طليعة اهتمامات النقاش الوطني المتّصلة بقطاع النفط والغاز الناشئ. وتستند الدعوات التي أُطلقت مؤخراً لتأسيس شركة نفط وطنيّة على اعتقاد مفاده أنّه من شأن لبنان أن يستفيد من إنشاء مؤسّسة تُشرف على مختلف النواحي للقطاع. وحتّى نقيّم على نحو ملائم وجوب إنشاء شركة نفط وطنيّة أو عدمه لا بدّ أوّلاً من تحديد ما إذا كان وجودها قابل للحياة، وفي حال كان كذلك، ففي أي مرحلة من المراحل يمكن لشركة النفط الوطنيّة أن تعود بالفائدة على لبنان.

ولطالما كان هذا الجدال السياسي قائمًا تاريخيًّا. وبالفعل، فإنّ لبنان ينظر إلى شركات النفط الوطنيّة الأخرى في المنطقة، على غرار ارامكو السعوديّة وقطر للبترول الناجحتين جدًّا في إدارة قطاع البترول في كل من بلديهما. إلى ذلك، فإن تاريخ تأميم الأصول البتروليّة والتعلّق الشديد بالسيطرة الوطنيّة على الموارد الطبيعيّة في المنطقة مألوفين لدى لبنان. غير أنّ آخرين في لبنان قد يشيروا إلى اختلالات في مجال الحوكمة شابت الأداء في العديد من شركات النفط الوطنيّة في الشرق الأوسط وغيره من المناطق.

ويمكن لهذه الأمثلة من المنطقة أن تنوّر النقاش الدائر، غير أنّ بإمكان لبنان استخلاص عبر أكثر إفادة من البلدان الّتي حققت اكتشافات أكثر حداثة أو تلك الّتي هي في المراحل الأولى للإنتاج، مثل قبرص وكينيا والموزمبيق وغانا، إذ يجهل كثيرون من المنتجين الناشئين، شأن لبنان، احتياطات النفط والغاز الّتي يمتلكونها. وبناءً على هذا الغموض الذي يكتنف حجم الأنشطة المستقبليّة المتّصلة بالنفط والغاز، على البلدان توخّي الحذر الشديد في إنشاء شركة نفط وطنيّة. فلتبرير إنشاء الشركة، لا بدّ من تبيان اضطلاعها بدور مفيد، ويسر كلفتها، كما لا بدّ أن تكون الحكومة قادرة على إخضاعها للمساءلة. 

يختلف ما يُعتبر مفيدًا وميسور الكلفة بشكل كبير بين مراحل ما قبل الاستكشاف ثمّ الاستكشاف فالإنتاج. فالواقع أنّ إنشاء شركة نفط وطنيّة في مرحلة ما قبل الترخيص غير مبرر، إذ لا يترتّب عليها القيام بالشيء الكثير. وقد أثبتت هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان قدرتها على الإشراف على القطاع وما من حاجة لأن تحل محلها منظمة جديدة في هذه المرحلة. وفي جميع الحالات، لا ينص التشريع الحالي في لبنان على إنشائها، بما أنّ قانون الموارد البتروليّة في المياه البحريّة يورد أنّه يمكن النظر في إنشاء شركة بترول وطنيّة "عند الاقتضاء، وبعد التحقق من وجود فرص تجاريّة واعدة".

بعد تحقيق الاكتشافات التجاريّة، يمكن إنشاء شركة النفط الوطنيّة. ويمكن أن يُسند إليها إدارة حصص أقليّة في الرخص أو حيازتها نيابة عن الحكومة – وهو الدور التقليدي لشركات النفط الوطنيّة لدى البلدان الّتي بدأت حديثًا بإنتاج البترول. ومن غير المرجّح لشركة النفط الوطنيّة هذه أن تعود بمنافع ملموسة على لبنان خلال فترة التطوير (أي خلال فترة سنة إلى خمس سنوات تحدّد خلالها الشركات كيفيّة إنتاج النفط و/أو الغاز الّذي اكتشفته على نحوٍ تجاري). وسيتعيّن على الدولة توفير الموارد المالية لشركة النفط الوطنيّة إلى حين بدء الإنتاج.

وتكمن قيمة إنشاء شركة نفط وطنيّة في مرحلة مبكرة في أنّه يتيح للشركة بضع سنوات لبناء مهاراتها قبل بدء الإنتاج، فيسنح لها أيضًا أن تتعلّم من شركات النفط الأجنبيّة المشغّلة كيفيّة إدارة مشروع معقّد. إلاّ أنّ ذلك لا يخلو من المخاطر. ويكمن الخطر الرئيسي في أن لا يبقى حجم الشركة صغيرًا، فتتحوّل إلى شركة متضخّمة مملوكة من الدولة تقدّم الخدمات إلى النخبة الحاكمة، ولا تأتي البلاد أي نفع. وعليه، لا يجب التفكير في إنشاء شركة نفط وطنيّة لحيازة حصص أقليّة في مرحلة التطوير إلاّ إذا أمكن تصميمها لتبقى محدودة الحجم ومركّزة الاهتمام، وإذا ما تمّ وضع الضوابط الماليّة للحدّ من خطر تحوّلها إلى أداة للمحسوبيّات، وإذا ما أمكن التفاوض على فوائد حصص الأقليّة في الرخص بشروط تلائم لبنان.

ويتمثّل أحد الخيارات الأقل شيوعًا رغم اعتماده في غانا وكينيا في إنشاء شركة نفط وطنيّة ذات مسؤوليّات في مراحل الصناعة اللاحقة (downstream). ويمكن لذلك أن يدعم إنشاء الأسواق والبنية التحتيّة على المستوى المحلّي، لنقل الغاز البحري إلى اليابسة. ومن شأن هذا الدور أن يكون مفيدًا للبنان الشديد الاعتماد على استيراد الطاقة لتلبية الطلب المحلّي، لكنّه يطرح مخاطر فعليّة في حال لم تسترشد شركة النفط الوطنيّة باستراتيجيّة حكوميّة واضحة للتطوير الاقتصادي والتحوّل إلى الصناعة، وإن لم تكن أسعار النقل مستندة إلى السوق (لأن مدخلات الطاقة المنخفضة الكلفة تستفيد منها بعض الشركات دون غيرها وستكون مثبطة للمستثمرين من شركات النفط الأجنبيّة). وعلى الحكومة أيضًا أن تأخذ بالاعتبار حيويّة القطاع الخاص في لبنان وقدرته، إذ يمكن للشركات الخاصة المحليّة أن توفّر الاستثمارات اللازمة في البنية التحتيّة لجمع الغاز من المنشآت البحريّة ومعالجته في حال لقيت الدعم من بيئة مؤاتية للاستثمار (مثلاً: محفّزات ماليّة، سياسات وإشارات تسعير واضحة، معلومات مبكرة حول عن كمية الإنتاج المتوقَّعة من المشروع البترولي).

في ظلّ توجه سياسيّ يتمثل عادةً في منح شركات النفط الوطنيّة المزيد من المسؤوليّات، لا بدّ من التذكّر بأنّه كلّما ازدادت موازنة الشركة، قلّت "حصّة الدولة" (الحصّة من إيرادات الإنتاج الّتي تدخل الخزينة). وفي حين أن الدولة تسدّد التكاليف في نهاية المطاف، يتعيّن على الحكومة النظر بعناية في الدور الأمثل لشركة النفط الوطنيّة الّذي من شأنه أن يفيد البلد. وفيما خصّ مدى طموح تفويض شركة النفط الوطنيّة ونطاقه، يجب الاسترشاد بحجم قاعدة الموارد وقدرة الدولة على مساءلة الشركة. وفي المراحل الأولى للانتاج، سمحت بعض البلدان لتوقّعات غير واقعيّة بشأن تدفّقات إيرادات النفط بالتأثير على قراراتها المتصلة بالأدوار المستقبليّة لشركة النفط الوطنيّة.

وبغض النظر عن الشكل أو الدور الّذي ستتخذه شركة النفط الوطنيّة في لبنان، فهي ستطرح بعض المخاطر الحقيقيّة ذات الصلة بالحوكمة. وفي  حين أنّ العديد من الآليات والقواعد قادرة على الحدّ من هذه المخاطر، يعتمد الكثير منها على القيادة السياسيّة القويّة. أمّا عمليّات المساءلة فلا يمكن أن تتّسم بالنجاعة إلاّ حينما يتمّ توضيح أدوار جميع المنظّمات المعنيّة بقطاع البترول، وعندما يتمتّع المسؤولون عن الرقابة بما يكفي من القدرة (والحوافز) لتحديد الأداء الجيّد والأداء السيّء. ومن شأن تأسيس شركة نفط وطنيّة من دون قيادة وتوجيه سياسيّين واضحين أن يؤدي إلى إخفاقات في مجال الحوكمة. وقد تتحوّل الشركة إلى مشروع خاص لدى بعض القيادات النافذة، للترويج لمصالحهم الشخصيّة بدلاً من الصالح العام.

يؤول بنا هذا النقاش إلى استنتاج مفاده أنّه من شأن شركة النفط الوطنيّة أن تعود بنفع أكبر على لبنان عند بدء الإنتاج – إذا ما كان لها أن تعود فعلاً بأي نفع. ولكنّ إنشاءها قبل ذلك سيشكّل ضغطًا على موازنة الدولة، في حين أن إسهاماتها في إدارة قطاع البترول ستكون محدودة. وعلى المجتمع المدني في لبنان أن يضمن أيضًا تأجيل إنشاء شركة النفط الوطنيّة إلى حين بلوغ مستوىً أعلى من القيادة السياسيّة والتوصّل إلى توافق واسع النطاق لترشيدها ومراقبتها. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.