Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


كارول نخله, مديرة كريستول إنرجي (المملكة المتّحدة) وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات


August 2016
الاكتشاف المصري يغيير مشهد النفط في شرقي المتوسّط

عند الحديث عن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما، تجد مصر في مصاف مختلف عن جيرانها في منطقة شرقي المتوسّط. ذلك أنّ أنشطتها النفطيّة تعود إلى نحو قرن من الزمن، كما أنّ البلاد تتمتع بمشهد منّوع من الشركات، حيث تتعاون الشركات الأجنبية الكبيرة والصغيرة والشركات الوطنية معًا وما تزال تحقّق الاكتشافات المهمّة. ومن المنظور الإقليمي، يطرح وجود منافس بهذا الحجم في الجوار التحديات لبلدان مثل لبنان وقبرص وإسرائيل. إلّا أنّ ذلك لن يؤدّي بالضرورة إلى سباق تقهقري إلى الهاوية، بل من شأنه على العكس أن يتيح فرصاً جديدة إذا ما تمّ السعي لتحقيق التعاون.

اللعب في ملعب آخر
تحتضن مصر احتياطي غاز مؤكّد يبلغ أكثر من 65.2 تريليون قدم مكعّب، بحسب الاستعراض الإحصائي للطاقة العالمية الّذي تعده شركة بريتيش بتروليوم. هذا الاحتياطي هو الثالث في إفريقيا، بعد نيجيريا والجزائر، والسابع عشر عالميًّا بعد النرويج (65.6 تريليون قدم مكعّب). ولدواعي المقارنة، نذكر أنّ الوكالة الأميركيّة للمسح الجيولوجي تقدّر أنّ الموارد الغازيّة الّتي يُحتمل وجودها في الحوض المشرقي الّذي يمتدّ على مساحة 83 ألف كلم مربّع في أقصى شرق المنطقة المتوسّطيّة، والممتدّ من إسرائيل إلى سوريا شاملاً لبنان وقبرص، تبلغ 122 تريليون قدم مكعّب، إلاّ أنّ هذه الكميّة لن تصنّف كاحتياطي مؤكّد إلاّ في جزءٍ منها بعد تحقيق الاكتشافات والتأكيد على طابعها التجاري.

أمّا إمكانيّات مصر النفطيّة فليست بهذا الحجم ولكن لا يُمكن الإستهانة بها أيضًا، إذ تحوي البلاد 3.5 مليار برميل نفط، سابقةً بذلك اليمن والمملكة المتّحدة، لتحلّ في المرتبة الـ29 عالميًا. ومجدّدًا، ولدواعي المقارنة، يُرجّح أنّ يضمّ الحوض المشرقي بأكملة 1.7 مليار برميل من النفط وسوائل الغاز الطبيعي بحسب الوكالة الأميركيّة للمسح الجيولوجي.

من حيث الإنتاج، تُعدّ مصر الدولة الأولى المنتجة للنفط وغير العضو في الأوبك في إفريقيا، إذ يعود تاريخ بدء الإنتاج فيها إلى العام 1910، علمًا أنّها ثالث أكبر منتج للغاز في القارّة. عام 2005، انضمّت مصر إلى مجموعة منتجي الغاز الطبيعي المُسال الصغيرة، وحلّت عام 2014 في المرتبة الثانية عشرة لأهمّ مصدّري الغاز الطبيعي المُسال في العالم.

وعلى خلاف باقي الدول العربيّة الغنيّة بالمحروقات، أرست مصر علاقات مستقرّة مع شركات النفط الدوليّة. فمشهد الشركات في مصر هو الأكثر تنوعًا في شمال إفريقيا، إذ تؤكّد المصادر وجود ما يقارب مئة شركة نفط دوليّة ناشطة في قطاع النفط والغاز في مصر، وتشمل أكبرها شركة أباتشي الأميركيّة، والشركات متعددة الجنسيات البريطانية بي جي وبريتش بتروليوم، وإني Eni الإيطاليّة، وشركة النفط الوطنيّة الماليزيّة بتروناس. وتتعاون هذه الشركات على نحو وثيق مع شركات مصر الثلاث الأساسية المملوكة من الدولة: الهيئة المصريّة العامّة للبترول، وإيجاس (المصريّة القابضة للغازات الطبيعيّة)، وشركة جنوب الوادي القابضة للبترول، وذلك لتطوير الأنشطة السابقة للإنتاج في قطاع النفط والغاز، برًّا (لاسيّما في الصحراء الغربيّة) وبحرًا (لاسيّما في البحر المتوسّط). وقد بنت هذه الشركات شبكة واسعة من البنى التحتيّة التي تربط مختلف الحقول بالخطوط والمصافي المحليّة كما بمرافق التصدير.

إلاّ أنّ مساهمة مصر في العرض العالمي للنفط والغاز لا ينحصر بإنتاجها الخاص. فمصر تشكّل خطّ عبور أساسي للموارد العالميّة للنفط والغاز من خلال قناة السويس و خط أنابيب السويس-البحر الأبيض المتوسط، ما يعزز من الأهميّة الاستراتيجيّة لهذا البلد لناحية استقرار أسواق الطاقة العالميّة.

أرض خصبة
على الرغم من مرور عقود على انطلاق الأنشطة، لا زالت الاكتشافات تتحقّق على أساس شبه سنوي. وبحسب الهيئة المصريّة العامّة للبترول، تم تسجيل أكثر من 86 اكتشافًا خلال عام 2013 وحده. وفي حين أنّ الكثير من هذه  الاكتشافات ضئيلة نسبيًّا، إلاّ أنّ اكتشاف إني Eni  في حقل زهر عام 2015 قد بدّل المشهد بالنسبة إلى مصر وجيرانها أيضًا.

ورغم أنّ تقييم حجم زهر لم يُستكمل بعد، تشير التقديرات الأوليّة إلى احتوائه على 30 تريليون قدم مكعّب (مقارنةً بحقل ليفياتان الّذي يضمّ 21 تريليون قدم مكعب، وهو أكبر اكتشاف في إسرائيل حتّى الساعة). وزهر هو الثامن حجمًا من بين الحقول التي تمّ اكتشافها منذ 2005.

وتتوقع إني Eni أن ينطلق الإنتاج في عام 2018 أو 2019 ما يُعدّ بحسب المعايير الدوليّة عمليّة تطوير سريعة لحقل غاز. فعادةً ما تستغرق اكتشافات الغاز ولاسيّما البحريّة منها سنوات عديدة قبل بدء الإنتاج، ويُردّ ذلك في جزءٍ منه إلى الكلفة الرأسماليّة العالية لتطوير البنية التحتيّة اللازمة لاستخراج الغاز واستغلاله ونقله وفي جزئه الآخر إلى حاجة المنتجين أن يضمنوا أسواقهم قبل الانخراط في مثل هذه الالتزامات الكبيرة. فحقلا ليفياتان في إسرائيل وأفرودايت في قبرص على سبيل المثال، اللذان اكتُشِفا تباعًا عامي 2009 و2011، لم يتوصّلا حتّى اليوم إلى خطط نهائيّة للتطوير. في مصر، يمكن لإني Eni أن تستغلّ توفّر البنية التحتيّة الواسعة في حين أنّ السوق مضمونة، أي سوق الغاز المصريّة المحليّة الكبيرة.

حتّى العام 2012، كان استهلاك الغاز في مصر يتزايد بوتيرة عالية كانت الأسرع في إفريقيا، مدفوعًا إلى حدّ كبير بدعم سخيّ ولكنه غير فعّال، قد شكّل لفترة طويلة عنصراً هاماً من العقد الاجتماعي في البلد وفقاً لصندوق النقد الدولي. وقد أجبرت الزيادة السريعة في الاستهلاك مقرونةً بتقلّص الإنتاج المحلي مصر إلى اللجوء إلى الموارد الخارجيّة، واستيراد الغاز الطبيعي المسال من دول كالنرويج والجزائر. أمّا الإنتاج المحلّي الجديد من حقول مثل زهر فسيصبّ في السوق المحليّة، فتتقلّص بل تنتفي الحاجة إلى استيراد الغاز، ما من شأنه أن يعيد حتّى إلى مصر الموقع الّذي لطالما احتلّته كأحد أبرز مصدّري الغاز.
 
منافسة متزايدة
خلط حقل زهر الأوراق لا في سوق الغاز المصريّة المحليّة وحسب، بل أجبر الدول المجاورة على إعادة النظر في خططها لاستغلال الغاز. وكان كلّ من قبرص وإسرائيل يأمل بتصدير بعض من غازه إلى مصر لغايات الاستهلاك المحلّي. غير أنّ الحاجة إلى هذه الموارد الإضافيّة قد انتفت في ظلّ اكتشاف حقل زهر، وبات يتعيّن على كلّ من قبرص وإسرائيل البحث عن مستهلكين آخرين.

إضافةً إلى ذلك، بات بإمكان مصر أن تطمح لأن تكون محور أساسياً للغاز لبلدان شرقي المتوسّط، وهو الموقع الّذي كانت تطمع به قبرص سالفًا. ومع هبوط أسعار الغاز بالتزامن مع أسعار النفط، أشارت قبرص إلى أنّها ترجّح تعديل خططها الأساسيّة للغاز الطبيعي المسال المتّصلة باستغلال غاز أفرودايت. وفي شباط 2015، وقّعت قبرص مذكّرة تفاهم مع مصر لنقل الإنتاج المحتمل من حقل أفرودايت، حيث يتوقّع للانتاج أن ينطلق عام 2020، من خلال أنابيب بحريّة، مباشرةً إلى مصر بهدف إعادة التصدير. وتعدّ إعادة تصدير الغاز الإسرائيلي من حقلي تامار وليفياتان عبر منشآت الغاز الطبيعي المسال مصرية أيضًا بين الاحتمالات، والأمر نفسه ينطبق على لبنان في حال تحقيق الاكتشافات، نظرًا لوجود خطوط أنابيب تربط هذين البلدين بمصر. 

في الوقت عينه، يبزغ مع حقل زهر أمل جديد، وهو يضخّ بعض الحماسة في المنطقة. فبما أنّ الحقل موجود في رقعة الشروق المصريّة، المحاذية للرقعة 11 القبرصيّة حيث أجرت توتال عمليّات الاستكشاف الأوليّة، كما بالقرب من الرقعة 12 حيث وجدت نوبل إنرجي حقل أفرودايت، من شأن هذا الاكتشاف أن يسرّع أنشطة الاستكشاف في الرقع المجاورة. وقد وافقت الحكومة القبرصيّة ومجموعة إني/كوغاس على تمديد مرحلة الاستكشاف الأوليّة لمدّة سنتين للرقع التابعة للمجموعة. على نحو مماثل، تسعى توتال، الّذي أٌشيع عنها أنّها تخلّت عن حقوقها قبل اكتشاف زهر، إلى الاضطلاع بأنشطة استشكاف إضافيّة. وفي لبنان، كلّما ازداد عدد الاكتشافات في الدول المجاورة، ازداد الضغط على المسؤولين لإجراء جولة التراخيص الأولى الّتي طال انتظارها، مع ازدياد المخاوف من تراجع حظوظ البلاد بسبب المزيد من التأجيل في حين أن البلدان المجاورة تتهافت على ضمان أسواقها.

بالنسبة إلى بلد يسعى ليصبح مصدّرًا للغاز، قد يبدو وجود جارٍ كمصر للوهلة الأولى مقلقًا إذ يتسبب بتكثيف المنافسة ويعقّد خطط التصدير. غير أنّ قطاع الطاقة قد برهن مرارًا وتكرارًا عن قدرتها على إيجاد التكامل. وفي هذا الصدد، فإنّ التطوّرات الأخيرة في مصر قد تشكّل فرصة، وتوفّر ربّما مزيدًا من خيارات التصدير العمليّة إذا ما جرى التفاوض على اتفاقيّات مفيدة للطرفين، وإذا ما تمّت الاستعانة بالحس السليم في منطقة لا تشتهر بالعقلانية في التفكير والسلوك.  






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.