Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


جاد شعبان,  أستاذ مساعد في الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، عضو في الجمعية الاقتصادية اللبنانية وزميل باحث في المركز اللبناني للدراسات


September 2016
عام مضى وما زالت الروائح النتنة تنبعث من سياسات إدارة النفايات في لبنان

 عادت الروائح الكريهة لتفوح من صفقات التربّح من النفايات، والفساد، والاستيلاء غير المشروع على الأموال العامة في البلاد. ليس المقصود القول إنها لم تكن موجودة أو أنها اختفت. لكن بعد مرور عام على بداية أزمة النفايات في لبنان، تواصل الطبقة السياسية الحاكمة محاولاتها للدفع باتجاه اعتماد خطط غير مستدامة وباهظة الكلفة لإدارة النفايات، وهي خطط لا تعود بالفائدة سوى للأحزاب السياسية الحاكمة واتباعها.
 
يمكن تلخيص الوضع كالتالي: يُنتج لبنان كميات من النفايات البلدية الصلبة تُقدّر بحوالى خمسة آلاف طن في اليوم. وحتى العام الماضي، كانت "سوكلين" (أفيردا) الشركة الوحيدة المكلّفة إدارة جمع ومعالجة أكثر من 50٪ منها، تحديداً في بيروت الكبرى، وجبل لبنان، وكسروان، ما يشمل حوالى أربعمائة بلدية. وسوكلين" التي كانت تعمل منذ العام 1994 بموجب عقد وقّعته مع مجلس الانماء والاعمار، شهدت على تجديد عقدها ثلاث مرات من غير أن يجري مجلس الوزراء (حيث معظم الأحزاب الحاكمة ممثلة) أي مناقصة، وفي كل مرة كانت تتم زيادة أكلاف الجمع والمعالجة وتدفع على شكل تحويلات من الصندوق البلدي المستقل. بدأت العمليات ب 800 طن في اليوم في العام 1994 لتصل إلى 2600  طن في اليوم في العام 2015، كان يتم طمرها مع شبه انعدامٍ للفرز وإعادة التدوير في مطمر الناعمة الذي استنفذت قدرته الاستيعابية منذ عشرة أعوام. وقُدّرت عائدات سوكلين بما يزيد عن 170 مليون دولار أميركي في السنة (حوالي 150 دولار للطن الواحد)، وهو من أعلى المعدلات في العالم. ويشك الكثيرون في أن يكون جزء كبير من هذه الايرادات قد ذهب إلى جيوب السياسيين على شكل عمولات تقاضوها لضمان "سلاسة سير العملية".
 
ومع قيام المتظاهرين بإغلاق مطمر الناعمة في أوائل العام 2015، باشرت الحكومة باتخاذ سلسلة من القرارات المزعومة لإدارة النفايات، جميعها بتنسيق من مجلس الإنماء والإعمار بالتعاون مع وزارتي الداخلية والبلديات والبيئة. في بداية العام 2015 قررت الحكومة تقسيم البلاد إلى ست مناطق (وبالتالي"منطقة" سوكلين إلى ثلاث مناطق)، واستدراج العروض لإدارة النفايات في كل من هذه المناطق. وفي نيسان 2015 أقفل باب المناقصات، ولم يكن بالمفاجئ عدم تقديم أي عروض لمنطقتي بيروت وجبل لبنان، فيما ورد عرض واحد لكل من مناطق الشمال والبقاع والجنوب.  
 
في أعقاب الاحتجاجات الواسعة في صيف 2015، ألغت الحكومة المناقصات وقررت في تشرين الثاني 2015 تصدير النفايات، مرّة أخرى من خلال خطط يديرها مجلس الإنماء والإعمار. ولقي هذا المخطط المُكلف والكارثي معارضة واسعة من قبل شريحة من الناشطين، خصوصاً عندما كُشفت تفاصيل عن حصول فساد وتزوير في الوثائق من قبل شركة شينوك Shinook التي وقع عليها الاختيار. في أوائل العام 2016،  تم استبعاد خطة التصدير.
 
في آذار 2016، أقرّ مجلس الوزراء ما يُسمّى بخطة شهيّب. وعاودت الخطة الرباعية فتح مناقصة من خلال مجلس الإنماء والإعمار كي تقوم شركات بإدارة النفايات في "مناطق سوكلين"، كما ولحظت بناء مكبّين ساحليين للنفايات في برج حمود (ضاحية بيروت الشمالية) وكوستا برافا (الضاحية الجنوبية، بالقرب من مطار العاصمة). وتلقّت البلديات المحيطة بالمكبين حوافز نقدية كبيرة: 40 مليون دولار لكل بلدية (بلديات برج حمود، الجديدة - البوشرية، برج البراجنة والشويفات)؛ و 50 مليون دولار للمناطق الثلاث لتنفيذ مشاريع تنموية على مدى أربع سنوات؛ والحق لهذه البلديات في استغلال مناطق المطامر الساحلية. جرى استبعاد منطقتي عاليه والشوف من الخطة الأولية إذ لم يتم تأمين مطمر هناك (ومنذ ذلك الحين تتراكم النفايات في هذه المناطق). بدأ مجلس الإنماء والإعمار على الفور بإطلاق المناقصات التي تشمل جميع عناصر الخطة الجديدة. وتمّ منح العقد الخاص بمكب برج حمود في حزيران 2016 مقابل 77 مليون دولار، ومكب كوستا برافا في تموز لشركة جهاد العرب مقابل 60 مليون دولار (سُمح لهذا الأخير بتقديم عرض أقل كلفة حتى بعد رفض عرضه الأول). وفي الثاني من أيلول 2016، قبل مجلس الإنماء والإعمار بعرض قدمته شركة جهاد العرب، لفرز النفايات ومعالجتها في كل "مناطق سوكلين"مقابل 81 مليون دولار على مدى أربع سنوات. أما عقد جمع النفايات ونقلها فيبقى مع "سوكلين"، بانتظار إطلاق المناقصات بشكل رسمي.

بشكل عام، وبعد مرور سنة على نجاح الاحتجاجات في الشارع في التصدي لخطط الحكومة الفاسدة، لدينا الآن "خطة شهيّب" التي تكلّف 528 مليون دولار على مدى أربع سنوات، ناهيك عن الأموال المهدورة على الحلول القصيرة المدى في مطمر الناعمة في العام 2016 (حوالى عشرة ملايين دولار)، وغيرها من الأموال التي تقاضاها "المستشارون". ولو أجرينا عملية حسابية بسيطة، لتبيّن أن تكلفة الطن الواحد ضمن هذه الخطة الفاسدة تتجاوز بأشواط مبلغ 130 مليون دولار في السنة، لتصل إلى حوالي 170 دولار للطن الواحد إذا حسبنا تكاليف الجمع والنقل. مما يعني عشرين دولاراً إضافياً للطن الواحد مقارنةً بما كنا ندفعه لشركة "سوكلين". أضف إلى ذلك كلفة التدهور البيئي في المنطقة الساحلية بسبب المكبّين الجديدين، والخطر الذي يشكلانه على الصحة والسلامة (لا سيما على الرحلات الجوية عبر المطار )، إلخ.
 
الطبقة الحاكمة الفاسدة، وبالعودة إلى خطة مركزية مكلفة لإدارة النفايات عبر مجلس الإنماء والإعمار، مستمرة بممارسات التوزيع الريعية التي تضمن لها ولاءات أتباعها. فما كان يُشتبه بأن شركة "سوكلين" كانت تمارسه من تحت الطاولة أصبح اليوم معتمد في العلن من خلال "خطة شهيّب"، عبر "المدفوعات التعويضية" الضخمة والمكاسب العقارية للبلديات (وللأحزاب السياسية التي تسيطر عليها). وعلى غرار ما حدث في الكهرباء والمياه والقطاعات الأساسية الأخرى، تواصل الطبقة الحاكمة عملية "تقاسم الكعكة"فيما يدفع المواطنون والأجيال القادمة أغلى الأثمان.
 
وفي ظل انتشار الفساد وانعدام الشفافية، لم تتم الاستفادة من  دور هيئات الرقابة (مثل ديوان المحاسبة الغائب إلى حد كبير) والبرلمان من أجل تأمين مصالح المواطنين. ومن الغريب بشكل خاص، وقد يزعم البعض حتى بأنه مثير للقلق، أن النواب لم يدعوا إلى عقد جلسة لاستجواب الحكومة حول كيفية السماح لأزمة النفايات بالوصول إلى هذه المرحلة. من جانبها، خذلت الأحزاب السياسية أيضاً ناخبيها، حيث استمرت في رفض العمل من أجل حل يكون على حد سواء مستدام للبلد ككل وفي مصلحة الفئات التي تمثلها.
 
  أما الحل الوحيد لوقف هذه المخططات، فهو اعتماد لامركزية إدارة النفايات، حيث تقوم كل بلدية بعملية الفرز عند المصدر، وتلتزم بالحد من النفايات، وإعادة التدوير، ومعالجة النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد. فينتج ذلك تكاليف بيئية ومالية أقل، كما ويقلّل من حجم "الكعكة".  في موازاة ذلك، لا بدّ على الأقل من تجاوز مؤسسات هذا الكارتل الحاكم ما لم يتم تفكيكها كلياً. كما ومن المهم إصلاح مجلس الإنماء والإعمار لضمان اعتماد نظام مناقصات شفاف ويمكن محاسبته.
 
أيضا، كجزء من الحل، يجب على لبنان اتخاذ خطوات إضافية بالتزامن مع اللامركزية المؤسسية تتمثل بتعزيز دور الهيئات الرقابية والبرلمان. فمن دون هذه التدابير، هناك خطر  بأن تطول الأزمة ، وفي حال تم العثور على "حل" من دون أن يترافق ذلك مع تطبيق الرقابة اللازمة، فإن القوى الحاكمة تكون قد أثبتت أن المسار المفضل لديها لن يكون مستداماً، سوى لضمان وصول أموال الدولة إلى يد النخبة اللبنانية الفاسدة.
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.