Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


November 2016
الإجراء البالي لانتخاب الرئيس يكرّس الوضع الراهن

أخيراً انتخب مجلس النواب في 31 تشرين الأول 2016 العماد ميشال عون ليصبح بذلك رئيس لبنان الثالث عشر. استغرقت المسألة 29 شهراً و 46 جلسة انتخابية ليوافق 83 من أصل 127 نائباً على إعادته إلى القصر الجمهوري. وفيما تتكاثر التكهنات حول العوامل الإقليمية التي أثّرت على توقيت الانتخابات، بما فيها تفضيل إيران لعون على سليمان فرنجية، وهو الموقف الذي تجاوز رغبات المملكة العربية السعودية وسوريا معاً، تبرز بعض الديناميات الداخلية التي لا بدّ من التوقف عندها.
 
في مقابل طموح عون الأساسي للعودة إلى بعبدا بعد 26 عاماً، كان سعد الحريري أحرص أيضاً على العودة إلى منصبه السابق في السراي، على أمل استعادة بعضٍ مما خسره سياسياً ومالياً خلال نصف العقد الماضي. فبوجوده خارج السلطة منذ كانون الثاني 2011 لم يعد بمقدوره التنقّل بين الرياض وباريس في وقت تتلاشى فيه قاعدته السياسية. كما أن خسارة الانتخابات البلدية في طرابلس هذا العام لمصلحة أشرف ريفي، حليفه السابق الذي تحوّل إلى خصم، شكّلت ضربة قاسية لتيار المستقبل. فقد نجح ريفي في استغلال غضب الجماعات الإسلامية السنية المتململة لكسح الأصوات، متفوقاً بذلك على اثنين من أصحاب  المليارات – سعد الحريري ونجيب ميقاتي - اللذين شكلا لائحة مشتركة إنما في جوّ من الشك المتبادل بينهما. حتى بيروت كانت أقل تعاطفاً مع الحريري. فعلى الرغم من فوز اللائحة التي أيّدها في الانتخابات البلدية مقابل حراك المجتمع المدني الناشئ المعروف باسم "بيروت مدينتي"، أظهرته النتائج ضعيفاً، لاسيما أن لائحته لم تفز سوى بسبعة آلاف صوت تقريباً، وتراجعت  بما مجموعه عشرون ألف صوتاً مقارنةً بانتخابات العام 2010.
 
على هذه الخلفية، لم يكن بمقدور الحريري خوض الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في أيار 2017 من موقع ضعيفً وبموارد تشحّ. فأصبح التوصل إلى اتفاق مع عون ضروري لإنقاذ حياته السياسية. ولكن قبل التنازل لعون، سلك الحريري طرق أخرى للعودة إلى السراي. وكونه يعلم جيداً أنه يستحيل انتخاب مرشحه الأول للرئاسة، حليفه في 14 آذار سمير جعجع، قام الحريري بأول تحرّك مفاجئ وأيّد سليمان فرنجية من تحالف 8 آذار المعارض. وفي محاولته للتفرقة بين خصومه من خلال إرغامهم على الاختيار بين عون وفرنجية، أفضت مغامرة الحريري إلى نتائج عكسية أدت إلى حصول شرخ في كتلته هو. أما جعجع الذي رأى في خطوة الحريري تهديداً لاستمراريته السياسية، فقد آثر عقد السلم مع خصمه اللدود عون على أن يرى فرنجيّة، خصمه المحلي في الشمال، يتولّى الرئاسة. ولمّا فشل فرنجية في الحصول على الدعم المطلوب من مجمل الأفرقاء اللبنانيين، اضطرّ الحريري للتصالح مع عون. وفي حين أن حزب الله وجعجع والحريري قاموا بتأييد ترشيح عون في مراحل مختلفة، لم يتوقّع أيّ منهم على الأرجح أن ينتهي الأمر بتصويت الطرفين الآخرين لصالح عون.
 
لقد سبق عملية اختيار عون لفٌ ودوران هدفه تأمين تأييد الأحزاب الأساسية لضمان نجاح الصفقة. بعضهم، مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، أيّد في البداية المكائد المحبكة في الكواليس، مطلقاً عليها تسمية "سلّة" التفاهمات المتكاملة والتي تنطوي على تسمية الحريري لرئاسة مجلس الوزراء، وتوزيع المقاعد الوزارية على الأحزاب، والتوصل إلى اتفاق حول قانون الستين الانتخابي. وهذا بالفعل يخفّف من الشكوك التي تحملها الرئاسة الجديدة بشأن الأحزاب السياسية. ففي حين أن هذه العملية قد تضمن الاستقرار السياسي في أوساط النخبة، هي في نهاية المطاف تكرّس الوضع الراهن وترسّخ مصالح القلّة. وأي طرف يخرج عن الصفقة سينادي بالغبن ويلجأ للتحريض الطائفي لكي يعود إلى طاولة التفاوض، وقد تلبور ذلك في مواقف نبيه بري خلال الأسابيع القليلة الماضية. هذا التسييس الحاصل وراء الكواليس بعيد كل البعد عن مصالح المواطن أو مخاوفه. في الواقع، يعتبر السياسيون أن الشعب اللبناني مجموعة من البيادق الطائفية التي يكمن دورها، بعد تسميمها بخطاب النخبة الطائفي، في ترداد مصالح النخبة الحاكمة.
 
لن يؤدي ملء الفراغ الرئاسي إلى حل مشاكل البلاد، كونه يمنح فقط شعوراً مزيفاً بوجود وضع طبيعي هو في الحقيقة معدوم في النظام السياسي. في الواقع، نحن نعاني من فراغ في معظم، إن لم يكن في كافة، المؤسسات التي تم تقويضها، مما حال دون تلبيتها احتياجات المواطنين. عيوب لبنان أعمق بكثير من عدم وجود رئيس للبلاد. فهي متجذّرة في قانون انتخابي يسمح للنخبة باختيار ناخبيها بدلاً من قيام الناخبين بانتخاب ممثليهم. علاوة على ذلك، عدم قدرة الطبقات الحاكمة على احترام الدستور واجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها يلقي بظلاله على نزاهتها وعلى التزامها بالديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، أفضت هذه المهزلة السياسية إلى ما يزيد عن 29 شهراً من الفراغ، ويوم الانتخابات عبّرت الطبقة السياسية عن مستوى عالٍ من عدم المسؤولية مما يطرح تساؤلات حول دورها كهيئة ناخبة بشكل عام. إنّ عدم قيام أي مسؤول منتخب خلال السنوات القليلة الماضية بمحاسبة الحكومة - أو حتى المشاركة في جلسات رقابية – على فشلها في التعامل مع العديد من التحديات التي تواجه البلاد، يبرز عدم رغبتهم في الحكم بشكل صحيح. أضف إلى ذلك أن السلطة التنفيذية المعهودة إلى مجلس الوزراء هي غالباً ما تتكون من تجمّع من الأحزاب يفتقر إلى برنامج واضح لإدارة البلاد ولا يولي اهتماماً يذكر بالناس الذين يخدمهم. هذه الإخفاقات تستدعي أولاً وقبل كل شيء إصلاح عملية انتخاب رئيس البلاد. على لبنان اجراء انتخابات رئاسية مباشرة من قبل الشعب بحيث يتم احترام المهل وتجنّب اللف والدوران على حساب المواطنين.
 
لا يحتاج لبنان إلى رئيس مسيحي قوي ليدفعه إلى الأمام، بل يحتاج إلى آلية مؤسسية تسمح للمواطنين بإعطاء رأيهم في اختيار رئيسهم. هو بحاجة إلى هيئة تنفيذية متماسكة بدلاً من تجمّع من السياسيين المتشاحنين والمستقطَبين. هو بحاجة إلى مجلس نيابي قادر على التشريع ومساءلة السلطة التنفيذية. هو بحاجة إلى قانون انتخابي يعطي فرصةً عادلة لنشوء نخبة حاكمة جديدة، نخبة تمثّل شريحة أكبر من المجتمع وتشعر بالمسؤولية تجاه قاعدتها الانتخابية. هو بحاجة إلى قضاء مستقل يعطي الأولوية لحماية المصلحة العامة. هو بحاجة إلى مجلس دستوري جريء في محاسبة الأحزاب السياسية لانتهاكاتها للقانون.

لقد أتت عملية انتخاب الرئيس معومة بصفقات من خلف الكواليس هدفها الحفاظ على أو حتى ترسيخ مصالح النخبة على حساب المواطنين الذين ينازعون نتيجة لمجموعة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على حياتهم.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.