Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


باسل صلّوخ, أستاذ مشارك في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت


December 2016
أزمة الشراكة السياسية في لبنان ما بعد الإنسحاب السوري

منذ عودته عام 2005، لم يملّ ميشال عون تكرار أنّ التنافس المحلّي على لبنان ما بعد الانسحاب السوري بين القوى السياسية الأبرز في الطائفتين السنّية والشيعية - هذا التنافس الذي تداخل مع صراع جيوسياسي سعودي إيراني أطلقت شرارته عملية الغزو الأميركي للعراق واحتلاله في العام 2003 - قد أدى إلى تهميش المسيحيين سياسياً في نظام مذهبي مبنيّ على فلسفة المناصفة في الشراكة السياسية.

عَون، الذي رفض القبول باتفاق الطائف عام 1989 لأنه يفتقر برأيه الى جدول زمني للانسحاب السوري من لبنان، أصرّ، بعد أن أصبحت القوات السورية خارج البلاد، على أن تطبيق هذا الاتفاق يجري بطريقةٍ من شأنها أن تقوّض أي مشاركة حقيقية  للمسيحيين، سواء على مستوى صنع القرار، أو على مستوى إنفاق الأموال والتعيينات في القطاع العام. هذا الصراع الداخلي لم يقتصر فقط على من سيحكم لبنان بعد الإنسحاب السوري، بل كيف وبأيّ طريقة؟ بعبارة أخرى، ما هو دور الممثلين الحقيقيين  للمسيحيين في عملية إدارة لبنان ما بعد الانسحاب السوري ضمن صيغة العيش المشترك التي تبنّاها اتفاق الطائف، في وقت يبدو واضحاً للجميع أنّ نسبة المسيحيين من مجموع السكان في تراجع مستمرّ؟

لقد أنهى انتخاب عون فراغاً رئاسياً دام تسعةً وعشرين شهراً، ووضع حدّاً للجمود السياسي الذي ترتّب على هذا الفراغ، غير أنّه لم يُنهِ التنافس المحلّي والإقليمي المتداخل على لبنان ما بعد الإنسحاب السوري، ولن يوقف الدفع باتجاه إعادة ضبط التوازن الطائفي في السلطة والذي تعتبر معظم الأحزاب المسيحية أنه قد مال بشكل حادّ جداً لصالح نظرائهم المسلمين في ظلّ الوجود السوري وبعد انسحابه.  في دولة تأسّست على مفهوم العيش المشترك وتقاسم السلطة، هذا الشعور بالتهميش السياسي في صفوف الجماعات المسيحية يتّخذ بكل بساطة شكل الأزمة الوجودية.

ويُنبئ خطاب القسم بمعارك مستقبلية تتّصل بشعور عميق بالحرمان السياسي لدى المسيحيين. نقرأ في خطاب عون أمام مجلس النواب أنّ "فرادة لبنان هي بمجتمعه التعدّدي المتوازن، وهذه الفرادة تقضي بأن نعيش روح الدستور، من خلال المناصفة الفعلية، وأولى موجباتها إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل". هذا الكلام يشير إلى شكوى التيار الوطني الحر وأحزاب مسيحية أخرى أنّ نحو نصف النواب المسيحيين يتم انتخابهم في دوائر تهيمن عليها أصوات ناخبين أغلبيتهم من المسلمين، وأنّ الفائزين في الانتخابات لا يمثلون الرأي العام المسيحي. هذه المطالبة بالمناصفة الحقيقية وليس العددية أو الرمزية بين المسيحيين والمسلمين في صنع القرار والتمثيل السياسي حدّدت وقد تحدّد المعارك السياسية التي خاضها عون وقد يخوضها في المستقبل. هل يشكّل انتخابه رئيساً للجمهورية سابقة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تُحفظ أبرز المناصب العامة للنخبة الطائفية من الوزن الثقيل أو للممثلين عنها من داخل مجموعاتها، كما هو حال الجماعات السياسية الأخرى؟ هذه المسألة تصبّ في قلب معضلة الشراكة السياسية في لبنان ما بعد الحرب، وأيّ تجاهل له سيعرّض النظام السياسي لخطر الأزمات والصراعات المفتوحة.

طرح خطاب القسم أيضاً مطلب اللامركزية الإدارية الحقيقية التي تسمح للجماعات الطائفية والمذهبية المتعددة بالتعبير عن "رؤاها للبنان"، على حدّ تنظير المؤرّخ ألبرت حوراني، كلٌ على طريقته الفريدة والخاصة، لكن من غير المسّ بالتقليد الوطني المتمثّل بالتعدّدية الطائفية والعيش المشترك. هذا المطلب المسيحي البحت اليوم، والذي يتعارض مع منطق الدولة المركزية، لا بدّ وأن يشكّل محوراً آخر في معركة التمثيل السياسي. لكن هذه المعركة تتعدّى مسألة الأوزان السياسية الطائفية والحصص المذهبية. إنّها معركة العيش المشترك في مجتمع تعدّدي تعبّر كلّ من فئاته عن لبنانيتها بطريقة مختلفة و ديمقراطية.

لطالما قامت علاقة عضوية بين الدولة اللبنانية المركزية وهيمنة النظام الطائفي الاقتصادية والسياسية. فهذه الدولة المركزية تضع مجموعة كاملة من الشبكات المؤسساتية والزبائنية والإيديولوجية تحت سيطرة النخبة الطائفية، ممّا يؤدي إلى غياب المساءلة السياسية وتصلّب الهويات الطائفية والمذهبية. إذاً، اللامركزية الإدارية ليست مجرد مطلب مسيحي في سياق واقع ديموغرافي مقلق، بل أهميتها تكمن في مقدرتها على كسر تلك العلاقة العضوية بين الدولة المركزية والنظام الطائفي، بحيث تسمح بالمساءلة على المستوى المحلّي وتطلق العنان لأنواع جديدة من الهويات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية والبيئية والجندرية العابرة للطوائف أو المناهضة للطائفية.

وإن دلّت معضلة تشكيل الحكومة على شيء، فهو أنّ المطبّات بانتظارنا لاسيما أنّ فرقاء الطوائف والمذاهب على اختلافهم مستمرون بالتنافس على لبنان ما بعد الإنسحاب السوري عوضاً عن التفكير جدّياً في الأولويات السياسية الملحّة في البلاد. ولكن الأمر الوحيد المؤكد هو أنّ الرابح الفعلي بعد الانتخابات الرئاسية هو النظام الطائفي السياسي المتعنّت الذي ينجح دائماً في إعادة إنتاج نفسه، وخاصة متى يمرّ في أزمات، ولكن دائماً على حساب منظمات المجتمع المدني والحركات السياسية المناهضة للطائفية والعابرة للطوائف، والتي تعمل بِلا كلَل من أجل نظام سياسي أكثر ديمقراطية شعاره المساءلة والمحاسبة والحقوق المدنية. واليوم، وبعد أن أصبح الفراغ الرئاسي وراءنا، عون ونظراؤه في النخبة الطائفية معاً مدينون للطائفة التاسعة عشرة المؤلّفة من اللبنانيين الذين لا يعترفون بالحدود والقيود الطائفية، بالحد الأدنى من الإصلاحات التي تسمح لهؤلاء بالإنضمام الى مؤسسات الدولة اللبنانية والتعبير من الداخل عن حقوقهم المدنية والديمقراطية، وعن رؤية للبنان متعدّدة الأصوات والمخيّلات الوطنية المناهضة للطائفية والعابرة للطوائف. قد لا يكون ذلك من ضمن أولويات النخبة الاقتصادية والسياسية الطائفية اليوم، لكنه أولوية لإنقاذ مفهوم العيش المشترك الذي يعاني من أزمة حقيقية، فضلاً عن تحديد اي لبنان علينا أن نتعايش ونعيش فيه.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.