Home | About LCPS | Contact | Careers
July 05, 2021
خلاف دستوري: مَن هي الجهة المخوّلة لتعديل المراسيم في ظلّ حكومة تصريف الأعمال؟


وقّفت المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم حدودهما البحرية بعد الجولة الخامسة من المفاوضات في 4 أيّار 2021. لغاية الآن، لم ينجح لبنان في تعزيز موقفه التفاوضي من خلال تعديل المرسوم رقم 6433، الذي يحدّد حاليًا حدوده البحرية وفقًا لترسيم العام 2009. إذا تمّ تعديل المرسوم رقم 6433، تُضاف مساحة تبلغ 1430 كيلومترًا مربّعًا وفقًا لاقتراح وارد في دراسة أجراها مكتب المملكة المتّحدة الهيدروغرافي في العام 2011. ولقد أثارت هذه القضية تساؤلاتٍ قانونية ودستورية حول ما إذا كانت حكومة تصريف الأعمال مخوّلة لتعديل مراسيم الدولة.
 
نشأَ خلاف دستوري بين رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية الذي اعتبر أنَّ تعديل المرسوم رقم 6433 يتطلّب قرارًا من مجلس الوزراء، حتّى في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، نظرًا لأهميته وتبعاته. استندت الرئاسة في موقفها إلى رأي صدرَ في 17 شباط 2021 (رقم 17) عن هيئة التشريع والاستشارات، وكذلك المواد 49 و52 و64 و65 من الدستور. وفي رأيٍ مخالف، اعتبرَ رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب أنَّ الموافقة الممنوحة لمجلس الوزراء تُستبدَل بموافقة استثنائية من رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال والوزراء المعنيّين، بسبب طابع المسألة الملّح.
 
في المقابلة التالية، يشرح الخبير الدستوري والوزير السابق زياد بارود القضايا الدستورية المطروحة.
 
هل يمكنك أن تشرح لنا الأساس المنطقي وراء هذين الرأيَيْن الدستوريَّيْن المختلفَيْن؟
هل نحن فعلًا نُناقش مسائل دستورية أم عقدة سياسيًة؟ في أحيان كثيرة، تُستخدَم الأحكام الدستورية للأسف في السياسة لدرجة أنَّ تفسير هذه الأحكام غالبًا ما يصبح مُنحازًا ويعكس موقفًا سياسيًا. في بعض الحالات، لا تكون الأحكام الدستورية واضحة تمامًا، وبما أنَّ المجلس الدستوري (الذي تأسَّس عام 1990) لم يُمنح صلاحية تفسير الدستور، باتت الأمور أكثر تعقيدًا وصعوبة. بالعودة إلى سؤالك، أودّ أن أشرح المقاربة بطريقة بسيطة، على النحو التالي:
 
1. هناك نوعان من المراسيم في الممارسة الإدارية اللبنانية: يُعرَف الأوّل تحت مُسمّى "المرسوم العادي" ويوقّعه الوزير أو الوزراء المعنيّون، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية. والنوع الآخر هو "مرسوم مجلس الوزراء" الذي يصدر عن الحكومة كما هو واضح من خلال تسميته. صدرَ المرسوم رقم 6433 لسنة 2011 على شكل مرسوم من مجلس الوزراء.
 
2. وفقًا لـ"مبدأ توازي الأشكال"، لا يجوز تعديل (أو إلغاء) مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، إلّا بالشكل نفسه. بالتالي، يتطلّب المرسوم 6433 قرارًا من مجلس الوزراء (ليسَ بالضرورة بالإجماع)، أيْ بناءً على اجتماع للحكومة. وبما أنَّ الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، يزعم البعض أنَّها لا تستطيع الانعقاد. أنا شخصيًا لا أوافق على ذلك، بناءً على السوابق وقرارات المحاكم والآراء القانونية لهيئات رفيعة المستوى.
 
3. في الواقع، وفقًا للفقرة 2 من المادّة 64 من الدستور، «لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلّا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال.» وما هو وراء اختلاف الآراء هو تفسير «المعنى الضيّق»، لأنَّ الدستور لا يقدّم تفاصيل أخرى عن المعنى الدقيق للمصطلح وما الذي ينطوي عليه.
 
4. وفي ظلّ عدم وجود تعريف واضح في الدستور، أعطى مجلس شورى الدولة تعريفه الخاصّ: في العام 1969 (قضية راشد ضدّ الدولة)، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنَّ "المعنى الضيّق" يشمل حالات الطوارئ والحالات التي تستوجب الالتزام بمُهَل قانونية. وفي قضية أخرى عام 1995 (قضية هنود ضدّ الدولة)، صدرَ الحكم الآتي: يمكن للحكومة/مجلس الوزراء المستقيل(ـة) إجراء أعمال لا علاقة لها بقضايا السياسات العليا للدولة، وتلك التي لا يمكن أن تُقيّد حرّية الحكومة المقبلة/التي ستخلفها. وكانَ لهيئة التشريع والاستشارات موقف مماثل.
 
5. ومع ذلك، لا أفهم لماذا لا يندرج تعديل المرسوم رقم 6433، بما يحفظ المصالح العليا للبنان وحقوقه القانونية، ضمن المعنى الضيّق لتصريف الأعمال. أعتقد أنَّ القضية مُلِحَّة ولا يمكن أن تنتظر ريثما يتمّ تشكيل حكومة جديدة، وبالتالي كان ينبغي على حكومة تصريف الأعمال الحالية أن تجتمع بهذا البند الوحيد على جدول أعمالها. وهناك سوابق مشابهة، عندما اجتمعت حكومات تصريف الأعمال التالية: حكومة الرئيس رشيد كرامي عام 1969 لإقرار الموازنة؛ وحكومة الرئيس سليم الحصّ عام 1979 للموافقة على مشاريع قوانين مستعجلة؛ ومؤخّرًا حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من أجل تعيين هيئة الإشراف على الانتخابات عام 2013.
 
في 20 نيسان 2021، حمّلت لجنة الإدارة والعدل النيابية المسؤولية الكاملة لحكومة تصريف الأعمال ودعتها إلى «الانعقاد الفوري واتّخاذ قرار بتعديل المرسوم 6433 تحت طائلة المساءلة الدستورية جرّاء التقصير في أداء الواجب الوطني.» ورأى بعض الخبراء السياسيين، بأنَّه واجب رئيس الجمهورية، وحمّلوه المسؤولية عن فشله في أداء دور الضامن لحقوق لبنان الإقليمية وموارد الطاقة. ما هي الإجراءات الدستورية لمحاسبة المسؤولين الحكوميين المعنيّين في هذه الحالة؟
قد يبدو السؤال هنا متعلقاً بمسألة تقنية، إلا أنها مسألة مرتبطة بالمصلحة الوطنية العليا، ولها تداعيات معنوية وسياسية، بالإضافة إلى المسؤولية القانونية، وفقًا للأحكام الدستورية. وفقًا للمادّة 60 من الدستور، "لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى". كذلك، تنصّ المادّة 70 على أنّه «لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم». وإذا افترضنا أنَّ الإخلال بالواجبات تمّ إثباته، فالإجراءات الدستورية لمحاسبة المسؤولين المعنيّين معقّدة جدًا. على سبيل المثال، تتطلّب هذه الإجراءات غالبية الثلثَيْن ومحكمةً متخصّصة (المجلس الأعلى) وظيفتها محاكمة الرؤساء والوزراء. 
 
في 5 كانون الأوّل 2020، أشارَ الرئيس ميشال عون إلى أنَّ اللجوء إلى التحكيم الدولي هو خيار مُحتمَل إذا فشلت المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بشأن الحدود البحرية. هل يمكن لدولتَيْن في حالة حرب اللجوء إلى التحكيم الدولي؟
إنَّ اللجوء إلى التحكيم لحلّ النزاعات الإقليمية لا يمكن أن ينجح إلّا عندما وحيثما يلتزم الطرفان بشكل متبادل وطوعي بحلّ النزاع سلميًا من خلال التحكيم. وبذلك، يوافقان على تسوية نزاعهما بواسطة التحكيم، والأهمّ من ذلك هو التعهّد بقبول قرار التحكيم.
 
هناك عدد من الحالات التي تم اللجوء فيها إلى التحكيم في قضية نزاع حدودي بين أطراف لها تاريخ من النزاع العنفي: "التحكيم بشأن ران كوتش" بين باكستان والهند، و"التحكيم بشأن منطقة طابا" بين مصر وإسرائيل، ومؤخّرًا، التحكيم بين نيكاراغوا وكوستاريكا (2018).
 
ولكي تنجح عملية التحكيم في معالجة مثل هذه النزاعات، يجب أن يكون لدى الطرفين حدّ أدنى من الثقة في بعضهما البعض وأن يكونا على استعداد لقبول احتمال الخسارة. لا يمكن أن يؤدّي اتّفاق تحكيم مدفوع من قبل "رعاة دوليين" إلى تسوية إذا تم فرضه على أيّ من جانبَيْ النزاع.
 
وحتّى الآن، يُصرّ لبنان على إجراء مفاوضات غير مباشرة، كونه في حالة حرب مع الطرف المقابل. أمّا خيار "قانون البحار" في هذا الصدد فلم يتمّ طرحه على الطاولة بعد.
 






Copyright © 2021 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.