Home | About LCPS | Contact | Careers
August 05, 2021
خطّة التلقيح الوطنية في لبنان: وجهات النظر من القطاعَيْن العام والخاصّ

 
بعد الإصدار الأخير من «مرصد الحكومة» الذي ركَّزَ على الاستجابة لجائحة كوفيد-19 وخطّة التلقيح الوطنية في لبنان، أجرى علي طه، الباحث في المركز اللبناني للدراسات، مقابلةً مع الدكتور عبد الرحمن البزري والدكتور جورج غانم، للبحث في مختلف جوانب حملة التلقيح من وجهة نظر القطاعَيْن العام والخاصّ.
 
مقابلة مع الدكتور عبد الرحمن البزري، رئيس اللجنة الوطنية للقاح فيروس كورونا في لبنان

من المقرّر أن تتمكّن وزارة الصحّة العامّة من تلقيح 80 في المئة من السكّان بحلول نهاية العام 2021، لكنَّ عدد المسجّلين على المنصّة لم يتجاوز 23 في المئة. فهل هذا الهدف واقعي؟ وكيف تُخطّط الحكومة لتشجيع المزيد من المواطنين على التسجيل من أجل أخذ اللقاح؟
تخطّى عدد الأشخاص المسجَّلين على منصّة وزارة الصحّة العامّة نسبة 23 في المئة منذ 2 حزيران/يونيو، لكنَّ هذا الرقم ما زالَ متدنّيًا مقارنةً بما كُنّا نطمح إليه. ويُعزى ذلك إلى أسباب متعدّدة، مثل التردّد في تناول اللقاح ووجود منصّات أخرى لجأت إليها فئاتٌ معيّنة من السكّان.
 
على سبيل المثال، قدَّمَ عددٌ من السياسيين (الأحزاب السياسية) اللقاحات لبعض أتباعهم بعد تسجيلهم على منصّات منفصلة. وحاولت بعض البلديات إنشاء قاعدة بيانات خاصّة بها، لكنَّها أدركت أنّه عليها الرجوع إلى منصّة وزارة الصحّة العامّة. علاوةً على ذلك، أنشأ الجيش وقوى الأمن الداخلي، بالاتّفاق مع اللجنة الوطنية للّقاح ووزارة الصحّة العامّة، منصّاتهما الخاصّة وقاعدة بيانات خاصّة بهما، وسيتمّ دمجهما لاحقًا مع قاعدة البيانات الرئيسية الخاصّة بوزارة الصحّة العامّة.
 
أعتقد أنَّ معظم الأشخاص الذين يريدون تلقّي اللقاح في النهاية سيعمدون إمّا إلى التسجيل المسبق أو إلى التسجيل خلال عملية التلقيح، بالطريقة نفسها التي نعتمدها في حملات ماراثون التلقيح. ويُعتبَر هذا الأمر مشروعًا طموحًا، إنّما من المهمّ تحديد هدف عالٍ لبلوغ نتائج جيّدة. بالإضافة إلى ذلك، لدى وضع أيّ استراتيجية للتحصين المناعي، ولا سيّما في حالة اللقاح الجديد، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنَّ جزءًا كبيرًا من السكّان سيتردّدون أو يحتارون، وبالتالي قد يحتاجون إلى تشجيعٍ بسيط. وهناك أيضًا أشخاص كثيرون، ولا سيّما مَن يتجاوز عمرهم 40 عامًا، يريدون التسجيل لكنَّهم يجدون صعوبة في استخدام واجهة المنصّة، على عكس الشباب الذين يُجيدون التعامل مع التكنولوجيا.
 
نعلم الآن أنّنا تخطّينا 10 في المئة من نسبة التلقيح في بعض الفئات العمرية. ولولا هذه المنصّة، لم نكُن لنعرف هذه المعلومة. فنعلم مثلًا أنَّ حوالي 70 في المئة من الفئة التي يزيد عمرها عن 75 عامًا قد تلقّت اللقاح، وبالتالي يبقى علينا استهداف 30 في المئة. تمثَّلَ الهدف الأوّلي لحملة التلقيح في أن نُغطّي 20 في المئة من هذه الشريحة، لأنَّ هذه الفئة تُعتبَر الأكثر عرضة للإصابة بأمراض كوفيد، وفقًا لمنظّمة الصحّة العالمية. وقد كانَ هذا السبب وراء إنشاء منصّة كوفاكس التي تهدف إلى توفير التوزيع العادل للّقاحات في البلدان النامية، بهدف تلقيح ٢٠ في المئة من سكّانها.
 
ولكنْ، هذا لا يعني أنّه علينا الالتزام بذلك الهدف، لأنَّنا في نهاية المطاف نُريد وقف انتشار الفيروس في المجتمع من خلال التلقيح.
 
تُعتبَر جائحة كوفيد مثالًا جيّدًا عن التغيُّرات والدينامية المستمرّة في عالم الطبّ: ففي كلّ أسبوع، وكلّ يوم، وكلّ ساعة، نحصل على معلومات جديدة تدفعُنا إلى تغيير بعض افتراضاتنا. في الأسبوعَيْن أو الثلاثة أسابيع الماضية، أصبحَ الناس أكثر اهتمامًا من أيِّ وقتٍ مضى بالمناعة الطبيعية، مع ظهور بيانات حديثة (من المعهد الوطني الأميركي للصحّة ومنظّمة الصحّة العالمية) تُشير إلى أنَّ المناعة الطبيعية يمكن أن تدوم لفترة ١٠ أشهر أو أكثر. ويُعتبَر هذا الأمر مُشجِّعًا بالنسبة إلى تقييمنا لمناعة القطيع في مجتمعٍ معيّن، لأنّه ليسَ عليك أن تحتسب الأشخاص الحاصلين على اللقاح فقط، بل أيضًا أولئك الذين أُصيبوا بالمرض. فالفكرة تكمُن في بلوغ مناعة القطيع إمّا بشكل طبيعي وإمّا عن طريق اللقاح. وحتمًا، اللقاح هو الحلّ الأكثر أمانًا لأنَّ الكثير من الأشخاص سيُعانون من مضاعفات خطيرة في سيناريو المناعة الطبيعية.
 
إنَّ ثلاثين في المئة من السكّان في لبنان هم من غير اللبنانيين، لكنْ اعتبارًا من ٥ نيسان/أبريل، شكَّلَ هؤلاء ٥٫٣٦ في المئة فقط من المسجَّلين على المنصّة و٢٫٨٦ في المئة من الحاصلين على اللقاح. كيف تسعى الحكومة اللبنانية إلى جذب المزيد من هذه الشريحة من السكّان للاستفادة من الخطّة الوطنية للتلقيح ضدّ كوفيد-١٩؟
الطريقة الأولى لمعالجة هذه المسألة هي التعاون مع "وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأنروا)، و "مفوّضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين"، و "منظّمة العمل الدولية"، والقوى العاملة الأجنبية في لبنان. بالطبع، يجب أن تقوم الوزارات المعنيّة بدورها، مثل وزارة العمل والأمن العام، وهما يؤدّيان واجباتهما في هذا الصدد. علاوةً على ذلك، قدّمت ماراثونات التلقيح مثالًا جيّدًا عن كيفية التشجيع على المشاركة من دون التسجيل المسبق على المنصّة، ولا سيّما بين السكّان غير اللبنانيين، الذين شكَّلوا ٣٥ في المئة من العدد الإجمالي للأشخاص الحاصلين على اللقاح خلال الماراثون الأوّل.
 
أمّا بالنسبة إلى الأفراد غير اللبنانيين الذين يخشون من تداعيات تسجيلهم على منصّة الحكومة، لدينا ضمانات من مختلف السلطات بأنَّ هذا الأمر لا يُعَدّ مسألةً تتعلّق بالهجرة، بل هي مسألة صحّية. بالإضافة إلى ذلك، وَعَدَنا الأمن العام بأنّه سيعمل لتسهيل عملية التلقيح، وليس عرقلتها.
 
ما السبب وراء بطء عملية التلقيح؟ فقد حجزت الحكومة اللبنانية اللقاحات، ليس من خلال كوفاكس فحسب بل أيضًا عبر اتّفاقات منفصلة مع الشركات المُصنِّعة على أمل تسريع العملية.
لا أعتقد أنَّ عملية التلقيح بطيئة، بل أعتقد أنَّ كمية اللقاح محدودة. وعندما يزداد مخزون اللقاحات، سنشهد المزيد من الحركة. تمّ وضع خطط لتنظيم عمليات تلقيح مباشر من دون تسجيل (walk-in)، وإنشاء مراكز التلقيح "الميغا سنتر" وحملات الماراثون، وهذا دليل على أنَّ المشكلة لا تكمُن في الخطّة بل في كمية اللقاحات. وأعتقد أنّنا نؤدّي عملًا أفضل من الكثير من البلدان الأوروبية، وسيصبح هذا الأمر أوضح قريبًا. فعدد الأشخاص الذين يأخذون اللقاح سيستمرّ في الارتفاع.
 
مقابلة مع الدكتور جورج غانم، المدير الطبّي في المركز الطبّي للجامعة اللبنانية الأميركية - مستشفى رزق، والبروفيسور في طبّ القلب في كلّية جيلبير وروز ماري شاغوري للطبّ في الجامعة اللبنانية الأميركية
 
ما الدور الذي يؤدّيه القطاع الخاصّ المعني بالرعاية الصحّية من أجل دعم جهود التلقيح في لبنان، وما هو تقييمك لمستوى التنسيق مع وزارة الصحّة العامّة في تنفيذ حملة التلقيح الوطنية؟
القطاع الخاصّ المعني بالرعاية الصحّية هو الركيزة الأساسية لخطّة التلقيح الوطنية على المستوى الميداني، بالرغم من دوره المحدود على المستوى التنظيمي، مع العِلم أنَّ غالبية المتخصّصين الذين وضعوا خطّة حملة التلقيح الوطنية يأتون من مستشفيات جامعية كبرى. تمّ تنفيذ الحملة بالتنسيق مع المستشفيات في لبنان، ولا سيّما في منطقة بيروت، حيث شاركت المستشفيات الخمسة الكبرى بشكل واسع، وساهمت في توفير الكثير من الموارد من حيث البنية التحتية والمرافق والموارد البشرية، من دون فرض أيّ رسوم أو أعباء على وزارة الصحّة العامّة أو المواطنين. ولا شكّ في أنَّها أنجزت عملًا جيّدًا لناحية توفير اللقاحات، التي كانت بطيئة في بداية الحملة، لكنَّ الوتيرة تسارعت في المراحل اللاحقة.
 
بالإضافة إلى ذلك، بذلت الجامعات الكبرى في بيروت جهودَها لتأمين اللقاحات بشكل مباشر لطلّابها وأساتذتها وموظّفيها، من أجل إعادة فتح أبوابها في الخريف المقبل. وبعد إكمال عملية التلقيح الداخلية، تُخطّط هذه الجامعات لتوسيع جهود التلقيح لتشمل الفئات المحرومة، والمناطق الطرفية، وشرائح محدّدة من المجتمع، مثل السجناء.
 
على الصعيد العالمي، شهدت مرحلة التلقيح نجاحًا أكبر في تنسيق الجهود بين قطاع الرعاية الصحّية الخاصّة والحكومات مقارنةً بالمراحل الأولى من الاستجابة لجائحة كوفيد-١٩. وعلى الرغم من تحدّيات المراحل الأولى من حملة التلقيح العالمية، وتحديدًا لناحية تفعيل منصّة كوفاكس، يُعتبَر الأداء العام جيّدًا لأنّنا اعتمدنا على العلماء. وفي لبنان أيضًا، شهدنا عملًا ممتازًا من قِبَل الدكتور عبد الرحمن البزري وكلّ الأطبّاء والخبراء التقنيين الذين وضعوا الخطّة الوطنية، بالإضافة إلى الذين شاركوا في الجوانب التنظيمية والتنفيذية من الخطّة، مثل الدكتورة بترا خوري.
 
بعد استخلاص الدروس من الأخطاء التي اقتُرِفَت في الاستجابة لجائحة كوفيد-١٩، أتت خطّة التلقيح وتميّزت بمزيدٍ من الشفافية وتَخَلَّلها تنسيقٌ مكثّف بين القطاعَيْن العام والخاصّ، وشهدت دورًا أكبر للهيئات الدولية (البنك الدولي، الصليب الأحمر الدولي) في تمويل عملية التلقيح والإشراف عليها. ونظرًا للأزمات التي نمرّ بها وفشل الإدارة على مختلف المستويات وفي الكثير من المجالات، كانَ من الضروري وجود طرف ثالث للإشراف وضمان نجاح هذه الحملة. ما زالت وتيرة التلقيح بطيئة برأيي، خصوصًا مع وصول المتحوّر الجديد ومع إمكانية دخولنا في موجة ثالثة خلال الأشهر القادمة. وهذا يؤكّد على ضرورة تسريع الحملة وفتحها لكلّ الفئات العمرية.
 
في نيسان/أبريل، أطلقت الجامعة اللبنانية الأميركية حملة تحت عنوان «آن الأوان لتلقيح لبنان» لتسريع عملية التلقيح بين طلّابها وأساتذتها وموظّفيها، وعامّة الناس. هل يمكنك أن تُطلعنا على تقدُّم الحملة والصعوبات التي تواجهونها في تأمين اللقاحات وتوزيعها (بصفتكم مؤسّسة خاصّة)؟
وضعنا مشروعنا في بداية شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام، لكنّه لم يُطبَّق حتّى أيّار/مايو عندما وقّعنا الاتّفاق، ثمّ في حزيران/يونيو عندما بدأنا بتلقّي جرعات اللقاح بكميات صغيرة. كانت العملية شاقّة وافتقرت إلى الشفافية، وخصوصًا في ظلّ عدم وجود بروتوكول واضح للتنسيق على مستوى وزارة الصحّة العامّة.
 
بدايةً، حاولنا الحصول على لقاح فايزر مباشرةً من الشركة، لكنْ تبيَّنَ أنَّ الأمر مستحيل، فاضطررنا إلى المرور عبر وزارة الصحّة العامّة. والسبب يعود إلى أنَّ الترخيص الممنوح للقاحات كوفيد-١٩ هو ترخيصٌ مُخصَّص للاستعمال الطارئ، كما أنَّ شركات الأدوية تُفضِّل حماية التزاماتها التعاقدية قانونيًا عن طريق إبرام الاتّفاقات مع الهيئات الحكومية حصرًا. وكانت المفاوضات مع وزارة الصحّة العامّة طويلة وواجهنا الكثير من المشاكل، لكنَّنا نجحنا في تخطّيها. وحتّى خلال مرحلة التنفيذ، واجهنا الكثير من العقبات، مثل التأخُّر في توفير اللقاحات لعدّة أسابيع، الأمر الذي أبطأ حملتنا وعرقل جهودنا التي أردنا من خلالها تحصين طلّابنا وأساتذتنا وموظّفينا لفصل الخريف المقبل.
 
تأسَّسَ اتّحاد الجامعات والمستشفيات، المؤلّف من الجامعة اللبنانية الأميركية، والجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة القدّيس يوسف، ومستشفى سان جورج، ومستشفى المعونات - من أجل التفاوض كطرفٍ واحد مع شركات اللقاحات، مع اعتماد هدف واحد ورؤية موحَّدة، لتوفير ظروف أفضل لإبرام الاتّفاق في نهاية المطاف. وحتّى الآن، تمكَّنَ المستشفى لدينا (مستشفى رزق) من تلقيح ٨٠ في المئة من موظّفيه من خلال حملة وزارة الصحّة العامّة، التي استهدفت العاملين في مجال الرعاية الصحّية. أمّا بالنسبة إلى الجامعة اللبنانية الأميركية، نأمل أن يتمّ تلقيح كلّ الأساتذة والطلّاب بالكامل بحلول شهر أيلول/سبتمبر.
 
ما هو تقييمك الإجمالي لخطّة التلقيح ضدّ كوفيد-١٩ التي وضعتها الحكومة، وما هي الدروس المستخلصة من أجل استعداد لبنان في المستقبل؟
بدأنا حملة التلقيح هذه من دون امتلاك كلّ المعلومات التي نحتاج إليها، ومع كلّ معلومة مخفيّة، ظهرَ كمٌّ هائلٌ من المشاكل. وهذا النقص في المعرفة هو النقطة الأضعف في تدخّل الحكومة. فالدرس الأوّل الذي تعلّمناه هو أنَّ العنصر الأهمّ لتحضير البلد للاستجابة لمرضٍ ما هو وضع سياسات وبروتوكولات مناسبة لحشد الموارد وتنسيق الجهود، إلى جانب أهمية الشفافية حول خطّة العمل الموضوعة في هذا الصدد.
 
أمّا الدرس الثاني فهو أنَّ الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاصّ في مجال الرعاية الصحّية مهمّة وأساسية، ولا سيّما إذا كانَ القطاع العام ضعيفًا، كما هو الحال في لبنان. لهذا السبب، أعتقد أنَّ المستشفيات الجامعية الكبرى يجب أن تُشكّل نواة الحملات الصحّية العامّة، لأنّها تملك ما يلزم من بنية تحتية وموارد ومهارات. فهذه الشراكة هي التي سمحت لنا ببلوغ مستويات التلقيح التي حقّقناها خلال حملة التلقيح.
 
والدرس الثالث هو أهمية الإشراف من قِبَل هيئة دولية، ولا سيّما في ظلّ حكومة تصريف الأعمال التي تفتقر إلى أيّ تعريف واضح للمسؤوليات. فالإشراف من قِبَل هيئة دولية يُساعِد في تفادي الحوكمة غير الفعّالة أو سوء الإدارة.






Copyright © 2021 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.