Home | About LCPS | Contact | Careers
September 09, 2020
مرفأ بيروت: تاريخ من التشاحن السياسي والفشل المؤسسي

 
في 4 آب 2020، تسبّب انفجار ضخم وقع في مرفأ بيروت بمقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة سبعة آلاف آخرين وتدمير ممتلكات عامة وخاصة. وعلى الرغم من عدم وجود سبب واضح وراء الانفجار، فإنه يُعزى إلى 2750 طنًا متريًا من مادة نترات الأمونيوم المخزّنة في المرفأ منذ عام 2014. ومنذ وقوع الانفجار، ظهرت إلى العلن المشاحنات السياسية والإدارية والقانونية حول الجهة المسؤولة عن هذا الانفجار المدمّر والمميت.
 
في ضوء ذلك، تحدّث المركز اللبناني للدراسات مع الدكتور رينود ليندرز، أستاذ في جامعة  King's College London  وزميل أقدم في المركز اللبناني للدراسات، بشأن المرفأ الذي تناوله في كتابه غنائم الهدنة: الفساد وبناء الدولة في لبنان ما بعد الحرب، منشورات مطبعة جامعة كورنيل، في عام 2012.
 
في عام 1990، انتهى الامتياز الخاص الذي كانت تقوده الشركة المساهمة  "Compagnie d’Exploitation et de Gestion du Port du Beyrouth"  التي كانت مسؤولة عن إدارة المرفأ منذ عام 1960. تحسباً لذلك، ماذا فعلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة لدمج المرفأ في القطاع العام؟
 
في الواقع، لم تفعل سوى القليل. وقد بُذلت جهود عديدة لتحقيق العكس تماماً، أي خصخصة المرفأ. وكان رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وراء هذه الجهود. لكن فشلت تلك الجهود كافةً بسبب معارضة شرسة من جانب سياسيين آخرين تحالفوا مع بعض الشركات الخاصة – المرتبطة في معظمها بهؤلاء السياسيين أنفسهم - التي استمر التعاقد معها في الشؤون اللوجستية والشحن مقابل تكاليف باهظة جداً. إلى جانب الحريري، لم يرفض سياسيون آخرون الخصخصة بشكل مبدأي، مع أنهم سارعوا إلى وضعها ضمن هذا الإطار من أجل تجنيد نقابة المرفأ في حال لم تأت شروط الخصخصة المقترحة - أو شبه الخصخصة - في صالحهم.
 
في الواقع، كانوا يساومون بشكل أساسي للحصول على حصتهم من الكعكة، وعندما لم يفلحوا في ذلك، قاموا بتخريب وتقويض المزيد من الخطوات الموجّهة نحو الخصخصة. وفي غضون ذلك، بقي المرفأ تحت إدارة قائمة على ترتيبات فوضوية وغامضة كان من المفترض أن تكون مؤقتة. وفي ظل هذه الخلفية، فشلت عملية الاندماج في القطاع العام وبقيت عائدات المرفأ الكبيرة محفوظة مطولا في حساب مصرفي خاص لم يكن لهيئات الرقابة التابعة للدولة - مثل ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي - وصول إليها.
 
كيف تمّت إدارة المرفأ من حيث الإجراءات والأنظمة القانونية وإدارة الإيرادات؟ ما كانت تبِعاتها أو نتيجتها؟
 
بعد انتهاء الامتياز الخاص على المرفأ، وبغياب الإجماع السياسي على شروط خصخصته، أصبحت تديره مجموعة من مجالس الإدارة "الموقتة". وعمد السياسيون اللبنانيون إلى توظيف أشخاص عيّنوهم بأنفسهم في هذه المجالس للحفاظ على نفوذهم في المرفأ. حتى هذه المجالس "الموقتة"، غالبًا ما ترأسها رؤساء مؤقتون عندما فشل السياسيون الرئيسيون - وخاصةً "الترويكا" (رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب) - في الاتفاق على مرشح يحلّ محل رئيس مجلس الادارة المتقاعد. وفي الوقت نفسه، ولأن وضع المرفأ بقي غير محدد من الناحية المؤسسية، بقيت شؤونه المالية خارجة عن الرقابة إلى حد كبير حيث جرت عمليات تدقيق داخلية فقط اكتفى بتدقيقها المجلس "المؤقت". فضلاً عن ذلك، لم يتم إدراج المرفأ على قائمة كيانات القطاع العام التي تخضع لمؤسسات الدولة الرقابية. وكان يتم تعيين الموظفين وفصلهم من العمل حسب الرغبة ومن غير تطبيق أي من الأنظمة القانونية الخاصة بالتوظيف في القطاع العام. وبقيت إدارة المرفأ تناور في منطقة قانونية ومؤسسية "محظورة" على ضوء استمرار الجِدَال بين السياسيين حول ما يجب فعله بها. وقد قلت في كتابي أن مثل هذه البيئة المؤسسية الفوضوية والغامضة تفتح المجال واسعاً أمام التدخلات السياسية، وغياب الشفافية، وعدم المساءلة أو ضعفها، مما يفضي في نهاية المطاف الى الأخطاء الإدارية والفساد.
 
كيف تحوّلت خصخصة المرفأ إلى احتمال، ولماذا فشلت؟
 
منذ البداية، ولدى انتهاء الامتياز الخاص بالمرفأ في عام 1990، شكّلت الخصخصة موضوع نقاش. وكان رفيق الحريري أحد أبرز المؤيدين لعملية الخصخصة، لكن شكّ سياسيون آخرون في أن يكون الغرض من ذلك تحقيق مكاسب مالية له أو لحلفائه في القطاع الخاص، وذلك على حسابهم. وقد احتكرت حوالي 30 شركة لبنانية مرتبطة بالزعماء السياسيين أعمال الرفع والأعمال اللوجستية في المرفأ لفترة طويلة، وعارضت الخصخصة بشدّة عندما فشلت في تلبية الشروط المالية المحددة ضمن العديد من المناقصات المصممة لتحقيق هذه الغاية. وتلا ذلك مشاحنات لا نهاية لها حول كيفية تنفيذ الخصخصة أو حتى إذا كان ينبغي تنفيذها. ولجأ الحريري إلى مخططات الخصخصة الجزئية أو شبه الخصخصة من خلال إخضاع بعض محطات الحاويات في المرفأ لعقود محدودة المدة تُمنح لشركات أجنبية، قبل أن يصعّد سياسيون آخرون من مقاومتهم لهذه المخططات لأن لديهم مصالح في الشركات اللبنانية المذكورة أعلاه. وفي عامَي 2004 و2005، جرت الاستعانة بمصادر خارجية بهذه الطريقة للقيام بالعمليات في محطة الحاويات الرئيسية لكن لم يتمكّن المشروع الأجنبي المشترك الذي فاز بالعقد من المضيّ قدمًا إلا بعد أن أُجبر على التشارك مع الشركات اللبنانية التي استفادت من العقود في المرفأ على مدى عشرات السنين. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ يتخبّط المرفأ ككل وإدارته بغياب إطار مؤسسي واضح، أو كما وصفه أحد الصحفيين اللبنانيين وبحقّ، بدا الميناء "كالابن غير الشرعي للدولة". [1]
 
ما الذي حال دون إدارة المرفأ بطريقة سليمة؟ وكيف أعاقت سياسة المحاصصة تطور الدولة على الصعيد البيروقراطي؟
 
أصدر المانحون الأجانب والبنك الدولي والشركات الاستشارية الخاصة الدولية العديد من التقارير حول الفوضى الإدارية التي يعاني منها المرفأ.[2] وقد وُضعت هذه التقارير طبقاً للمواصفات الإدارية واقترحت جميعها حلولاً ممتازة بناءً على رؤى في مجال الإدارة العامة والتنظيم الاداري. ومع ذلك، ما يجهلونه حتى اليوم هو أن العديد من المؤسسات العامة في لبنان لم تلتزم بالمعايير الأساسية للشفافية والمساءلة ليس بسبب الافتقار إلى الرؤى التقنية أو الإدارية أو الخبرة، بل بسبب السياسة، وبشكل أكثر دقة، بسبب الطريقة التي وُضعت بها قواعد صنع القرار السياسي وتطبيقها منذ اتفاق الطائف؛ أو ما سمّيته "التسوية السياسية" في البلاد. لو جمعنا بين قواعد صنع القرار الثقيلة هذه التي وُضعت على أساس توافق آراء يخدم جميع أصحاب المصلحة على قدم المساواة، والمصالح الخاصة القوية التي يسعى وراءها السياسيون بشراسة، سيبقى الطريق مسدوداً إلى ما لا نهاية. وهذا ما حال دون اتخاذ قرارات سياسية واضحة لحل الغموض المؤسسي في المرفأ. بدلاً من ذلك، اتفق السياسيون بشكل أساسي على توزيع "حصص" الكعكة في ما بينهم، مما سمح لكل منهم بالاحتفاظ بحصة من حيث التعيينات في إدارة المرفأ، والوزارة التي يُفترض أن تمارس سلطة "الوصاية" على المرفأ، ومتى وكيف تمت خصخصة بعض أصول المرفأ. في الواقع، المرفأ هو انعكاس لعجز التسوية السياسية المزمن عن توليد سياسات سليمة، بما فيها الخطوات نحو بناء البيروقراطية ومؤسسات عامة صلبة.
 
كيف تعبّر حالة المرفأ عن قدرة الزعماء السياسيين والأحزاب على بناء الدولة؟
 
شهدت السنوات الثلاثون الماضية تسلق النخب السياسية على بعضها البعض في لبنان كي تسود وتحافظ على مسيرتها السياسية الخاصة والحصول على العقود المربحة والموارد المالية، وخدمة حلفائها، وخدمة دوائرها الانتخابية الضيقة متى احتاجت إلى أصوات ناخبيها كي تبقى في مناصبها. ليس مرفأ بيروت سوى حالة بين حالات كثيرة أخرى تؤشّر الى الفشل الذريع في بناء الدولة. ولم تنجح التسوية السياسية بعد الطائف في إدارة هذه المنافسة الجامحة بين النخب بطريقة تسمح بنشوء إدارة قوية للمرفأ ولأغلب مؤسسات الدولة. في غضون ذلك، بنى السياسيون وحلفاؤهم من القطاع الخاص مصالح راسخة وقوية بفضل هذا الوضع السائد، مما أضاف إلى العديد من العقبات التي تحول دون القيام بالأمور بشكل مختلف، أو حتى الشروع في الإصلاحات. ويمكن النظر إلى الأزمة المالية والاقتصادية الحالية في البلاد على أنها نتيجة مباشرة لهذا الفشل في بناء الدولة وتغذية أي حسّ بالصالح العام، حيث استفادت النخب السياسية من الفوضى المؤسسية التي ظهرت بدل ذلك. وتزدهر في هذا السياق الحوكمة غير الكفؤة والفساد وخصخصة عنف الدولة والتدخل الأجنبي وعدم الاستقرار، ومنذ انفجار المرفأ فهمنا أن هذا قد يؤدي إلى كوارث. كل هذا دليل كاف على عدم قدرة الطبقة السياسية الحالية على بناء دولة.
 
كيف للمشاكل المؤسساتية والسياسية المتعلقة بالمرفأ أن تكون مرتبطة بالأحداث التي أدت إلى الانفجار؟
 
بالطبع، لا يسعنا سوى أن نشك في أن افتقار المرفأ للإطار المؤسسي والمشاحنات السياسية المستمرة من وراءه ذلك قد تسببت في عدم ردع سلسلة الأحداث التي أدت إلى حدوث الانفجار. أما التقارير التي تفيد بأن المسؤولين في المرفأ وكبار السياسيين والقضاة الذين يتنصّلون من 2750 طنًا متريًا من نترات الأمونيوم المخزنة بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان، والذين يرمون بالمسؤولية على الآخرين، فهي قصة مألوفة. على سبيل المثال، نشأت ديناميكية مماثلة إلى حد ما في التسعينيات عندما تم التعاقد مع شركة أجنبية لإزالة حطام السفن في المرفأ.[3] وقد تسبّب ذلك بنشوب صراع شرس حول صاحب المسؤولية، سيما أنه في سياق نظام السلطة السائد في المرفأ شكّل العقد فرصة لطلب الرشاوى. واستمرّ عدد كبير من الوزراء والمسؤولين عن المرفأ والقضاة بالمساومة لسنوات طويلة، فبقي حطام السفن في مكانه. وفي ذلك الوقت، تكبدت شركة أجنبية خسائر مالية؛ واليوم، يدفع سكان بيروت ثمناً أعلى بكثير. إلا أنه لا يمكننا عزل المرفأ ومشاكله عن العالم الخارجي. ففي نهاية المطاف، هو يلعب دورًا رئيسيًا في حركة الشحن الدولي – وهو عالم لا يخلو بدوره من عيوبه الخطيرة ومن تجاهله للسلامة والمساءلة الذي يحرّكه الجشع. علاوة على ذلك، فإن علاقات لبنان الخارجية مضطربة على أقل تقدير، وفي هذا السياق لا يمكن التقليل من أهمية وجود حزب الله في المرفأ، لو أردنا أن نجمع أجزاء القصة وراء انفجار بيروت. لست أحمل أسراراً في هذا الصدد ولا آخذ بنظريات المؤامرة على اختلافها. ما أقوله هو أن مشاكل لبنان العديدة تميل إلى التراكم والتكتّل، ومن المؤكّد أن أوجه القصور وعدم الكفاءة المؤسسية للمرفأ لعبت دورًا في الانفجار، لكن يبقى هذا جزءًا واحدًا فقط من القصة.
 
[1] Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-Building in Post War Lebanon, (Cornell University Press, 2012), p. 95.
[2] المصدر نفسه، 91-94
[3] المصدر نفسه، 37-40

 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.