Home | About LCPS | Contact | Careers
October 17, 2020
هل حققت ثورة 17 تشرين الأول أي إنجازات؟

 
بعد مرور عام على بداية انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، طلب المركز اللبناني للدراسات من علماء اجتماع لعبوا أدواراً قيادية أو نشطة في الانتفاضة، أن يقيّموا ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر والطريق قدماً. طرحنا على جميع المشاركين الأسئلة نفسها، وقد تمحورت حول أبرز الإنجازات، وتأثيرات جائحة كوفيد - 19 وانفجار 4 آب/أغسطس على التعبئة، بالإضافة إلى التحديات والفرص المستقبلية. صدرت إجاباتهم على كل سؤال في سلسلة من المقالات. ويركّز مقال اليوم على أبرز إنجازات الثورة برأيهم. تم تنظيم هذا المشروع بالاشتراك مع الدكتورة ريم صعب، وهي أخصائية في علم النفس الاجتماعي وزميلة في المركز اللبناني للدراسات. نبدأ بعرض مساهمات المشاركين قبل تقديم توليفة في نهاية المقالة.
 
قائمة المشاركين (حسب المداخلة)
لينا قماطي، أخصائية في دراسات التنمية، وعضو فاعل في الكتلة الوطنية
منى فواز، أستاذة في الدراسات الحضرية والتخطيط العمراني، عضو نشطة سابقة في بيروت مدينتي وزميلة أقدم في المركز اللبناني للدراسات
أوغاريت يونان، عالمة اجتماع، وخبيرة إستراتيجيات ومدرّبة في مجال اللاعنف، ومؤسسة الجامعة الأكاديمية للاعنف وحقوق الإنسان
رانية المصري، عالمة بيئية وناشطة وممثلة منتخبة عن "مواطنون ومواطنات في دولة"
نزار حسن، باحث ومعلّق سياسي، يشارك في استضافة بودكاست السياسات اللبنانية Lebanese Politics Podcast وعضو في "لِـ حَقّي".
سنا تنوري كرم، باحثة وناشطة في تاريخ الشرق الأوسط
كارمن جحا، باحثة وناشطة في الدراسات السياسية والإدارة العامة
 
المقدمة
 
ريم صعب
نحتفل اليوم بالذكرى الأولى لبدء انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر. في ذلك اليوم، وبسبب صدور قوانين لفرض ضرائب جديدة ونتيجة الانهيار الاقتصادي الذي كان يلوح في الأفق، نزلت مجموعات من المواطنين، بينهم كثيرون ممّن ينتمون إلى الشرائح المحرومة اقتصاديًا، إلى شوارع بيروت وسواها للتظاهر ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية وفساد الطبقة السياسية الحاكمة. وسرعان ما تعاظمت هذه الاحتجاجات الأولية وبشكل عضوي، فتحوّلت إلى انتفاضة شعبية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. وبغض النظر عن التسمية المختارة للإشارة إلى حركة 17 تشرين الأول، ما يستحيل إنكاره هو أن ذلك اليوم بالذات، أي قبل عام، علت نداءات ودعوات إلى ثورة فعلية، اكتسبت زخمًا لا مثيل له، حيث اجتاح الشوارع مئات الآلاف من الناس من جميع الطوائف والطبقات، في جميع أنحاء لبنان، على مدار الأيام والأسابيع التالية، مطالبين بوضع حد للفساد وإقصاء النخبة الحاكمة وإسقاط النظام الحالي.
 
وكأن الصحوة التي طال انتظارها بدأت ترى النور أخيرًا من خلال سلطة الشعب، فأصبح لبنان الحلم البديل، وأكثر من أي وقت مضى، أقرب إلى أن يتحقّق. هذه التجربة السحرية الخالدة التي تبيّن أن قوة الشعب قادرة على تحقيقها أتت مصحوبة بنشوة جماعية ويقين واضح لدى الكثيرين بأن التغيير الذي نطمح إليه لم يعد خيالاً بل أصبح ممكناً وحقيقياً ووشيكاً.
 
لكن، ومع تقدّم العام الأول، لم تجد هذه الحركة الشعبية الثورية نفسها في صراع مع الواقع والصعوبات في تحقيق التغيير السياسي في لبنان وحسب، مثل الصعوبات التنظيمية الداخلية، والقيادات السياسية الاستقطابية التي تهدّدنا بحرب أهلية، والنظام السياسي الراسخ الذي يزداد قمعاً بدعمٍ من قوى إقليمية ودولية مفترسة، في منطقة محيطة غير مستقرة سياسياً تتميز بالاحتلال والحروب والأنظمة الاستبدادية، بل وجدت نفسها أمام كوارث ملحمية لا يتصوّرها إنسان: انهيار اقتصادي لا يرحم – وهو علّة وجود الثورة - إلى جانب جائحة عالمية تسبّبت بإغلاق تاريخي أفضى إلى صدمة اقتصادية واجتماعية وسياسية دولية، فضلاً عن وقوع أكبر انفجار غير نووي في القرن الحادي والعشرين في مرفأ بيروت. بعد مرور عام، نحن أمام واقع مرير أكثر من أي وقت مضى. نحن مجتمع يشهد على تقلبات واضطرابات عميقة، ويكافح في خضم صدمة اجتماعية ونفسية واقتصادية هائلة.
 
واعترافاً بالأزمات التي كان على ثورة 17 تشرين الأول مواجهتها، ولكي نكوّن فهماً أوضح لما وصلنا اليه اليوم، أطلقنا أول سلسلة من المقالات حيث طلبنا إلى مجموعة من علماء الاجتماع والناشطين تقييم ثورة 17 تشرين الأول بعد مرور عام عليها والتفكير في الطريق قدماً. صحيح أن من المُبكر توقّع ظهور بيانات تجريبية علمية حول الثورة، لكن الإجابات المقدمة تستند إلى رؤى المشاركين بصفتهم علماء اجتماع، حيث أنّ بعضهم متخصص في دراسة الحركات الاجتماعية والعمل الجماعي، كما وقد أدّوا وما زالوا يؤدّون أدواراً قيادية أو نشطة في الانتفاضة. وبالتالي، فإن المشاركين أنفسهم هم دليل حي على استمرار مشروع 17 تشرين الأول السياسي، ولدينا اليوم فرصة للاستماع إليهم مباشرةً. تركّز كل من المقالات على جانب مختلف من الثورة. فبعد مرور عام على انطلاق ثورة 17 تشرين الأول، سألنا المشاركين عن أبرز إنجازات الثورة برأيهم. ونختم بتوليفة تسلّط الضوء على أهم الموضوعات المنبثقة عن أجوبتهم.
 
بعد مرور عامٍ على اندلاع ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر، ما كانت أبرز إنجازات هذه الثورة برأيك؟
 
لينا قماطي
لا شك في أن ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر شكّلت علامة فارقة في تاريخ بلادنا. فالنظام السياسي الطائفي كما عرفناه منذ الطائف بدأ ينهار، وهو يعيش أيامه الأخيرة. في الأساس، تمثل هذه الثورة بداية نهاية الحرب الأهلية. إنها ثورة حقيقية في قلوبنا وعقولنا جميعًا. فمع سقوط قناع الطبقة السياسية، أصبح كسر الحواجز الإنجاز الرئيسي لثورتنا. ما هي هذه الحواجز؟
 
  • حاجز الانقسامات المجتمعية. خلافاً للانتفاضات الشعبية في الخمسين سنة الماضية، وحّدت ثورة 17 تشرين الأول المواطنين اللبنانيين متجاوزةً جميع الانقسامات التي اعتدنا على الاعتقاد بها. ولأول مرة، استعاد المواطنون من جميع الطوائف والأجيال والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والانتماءات المهنية المساحات العامة في جميع المناطق.
  • حاجز الخوف. من خلال صحوة اجتماعية وسياسية، أصبح مجتمعنا الآن على دراية تامة بالفساد الذي تمارسه الطبقة السياسية وهو يعبّر بشدّة عن إرادته بتغييرها. فخلال العام الماضي، غابت مواكب الزعماء أو قلّ عددها، كما لم يعد يفخر الناس بشكل عام بدعمهم للزعيم. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حاول النوّاب الوصول إلى البرلمان وهم يختبئون مثل اللصوص. بدأ اتجاه جديد للتشهير بالزعماء السياسيين في العلن وخفّ وجودهم في الأماكن العامة نتيجةً لذلك. لقد تحطّمت صورة الزعيم إلى الأبد ومعها الخوف الذي صاحب الهالة التي كانت تحيط به.
 
أما الإنجاز الكبير الآخر فهو على المستوى التكتيكي، حيث فرض المواطن اللبناني نفسه كلاعب مركزي في السياسة اللبنانية. ويسود جوّ عام من التمرد في البلاد اليوم، حيث لا تتخذ الطبقة السياسية قراراً قبل أن "تجسّ نبض" الشارع.
 
أخيرًا وليس آخرًا، لقد حققنا انتصارات صغيرة وملحوظة تستحق الذكر، إذ لا نريد المخاطرة بتركها تغرق في سياق العمل الضخم الذي ينتظرنا. في تشرين الأول/أكتوبر 2019، تمثّل أول رد لسعد الحريري على احتجاجاتنا بخطة إصلاحية من خمس نقاط ما كان ليقدمها أبدًا لولا خروجنا إلى الشوارع. أجبرناه لاحقًا على الاستقالة وفعلنا الشيء نفسه مع حسان دياب في آب/أغسطس من هذا العام. لقد أنقذنا سد بسري ووادي نهر الكلب من دمار بيئي وثقافي صارخ. أتينا بملحم خلف إلى السلطة ومعه جيل جديد من المدافعين عن الثورة، وفي الأسبوع الماضي فاز المستقلون في الانتخابات الطلابية في الجامعة اللبنانية الأميركية في كلا الحرمين الجامعيين. هذه مجرد بداية والآتي أعظم.
 
منى فواز
كثيرة هي الإنجازات البارزة، سأذكر منها خمسة. أولاً، تطور ممارسة التنظيم الجماعي وتمكينها عبر كافة الأراضي اللبنانية، فضلاً عن توسيع نطاق الاحتجاجات التي كانت تقتصر على بيروت لتشمل مدناً وبلدات أخرى حيث كان الشعور بالاستياء واضحًا. ثانيٍا، خلق محادثات ومناقشات جديدة بين الفئات الاجتماعية (ولو مع وجود خطوط حمراء)، ولا سيما في صفوف الشباب اللبناني، والتوصل إلى إجماع على بعض (وليس كل) التحديات الوطنية. ثالثًا، تعرف الكثيرين منا على بعض التحديات الوطنية، خاصةً الاقتصادية والمالية منها.
 
رابعا، تبيّن أنه حتى داخل مجتمعات مؤيدي الطبقة السياسية، يوجد اعتراف ولو حذِر بالفساد وبحالة من الاستياء المتفاقم. وأخيرا، رفع طابع القدسية عن جميع القادة السياسيين والنخبة السياسية والسماح بالتشهير العلني بهم، حتى لو بقي بينهم من "يحتمي" وراء التهديد بالعنف الجسدي (والإلكتروني).
 
أوغاريت يونان
لبنان الذي نعرفه يحتاج منذ زمن إلى ثورة؛ لا أقلّ. منذ لحظة نشوئه بالصيغة السياسية-الطائفية-الاقتصادية التي أُقرت له، نشأ فيه الصراع على هذه الصيغة، حيث قسمٌ مشى معها عن اقتناع أو انتفاع، وقسمٌ آخر سار بوجهها أكان بمشروعٍ بديل أمْ لا. والمهم أن قاعدة هذا الصراع لم تُحسَم نتيجتها بعد، وهو ما يجعل من قيام ثورة مدنية لبناء لبنان غير الذي عرفناه، حاجة وجودية.
 
لستُ في معرض جردة عن كلّ ما جرى ولا حتّى عن أبرز ما جرى، بل اخترت ثلاثة عناوين فقط.
 
الرغبة بالثورة
ما جرى في 17 تشرين أول 2019 وامتدادًا لأشهر، يقع ضمن "الرغبة بالثورة" أو وجود "إرادة ثورة". فالرغبة محرّكٌ أساس في مسار التاريخ، حتّى وإن لم يكن البديل واضحًا أو الاستراتيجية منظمة في المرحلة الأولى. والأمر لم يحصل فقط لدى الذين افترشوا الساحات، بل وأينما ذهبنا نسمع اللبنانيين يريدون غير هذا اللبنان وينتفضون في أماكنهم وبألف طريقة "عن بُعد".
 
عمق الأمل
إنّ أيّ مجتمع تستيقظ فيه هذه الرغبة أو تتهيّأ فيه إرادة ثورة و’تنزل‘ إلى الشارع كما هي، أكان بعفوية أمْ بتخطيط، لا بدّ وأن يعكس أملاً حقيقيًا، وهذا ما شعر به الناس وكان جبّارًا.
 
كان جميلاً ما حصل في البداية، بالأخص ما عاشه الناس في أعماقهم ببساطة وفرح، وذلك بغضّ النظر عن أيّ تحليل أو تقييم. في الوقت عينه، لا بدّ من الدقة؛ فما جرى كان بمثابة "هبّة عارمة، بداية انتفاضة"، سُمِّيت "ثورة" (لا بأس)، كونها نابعة فعلاً من الحاجة إلى ثورة.
 
تصالح الجيل الجديد مع السياسة
في هذه الفترة القصيرة، تأكد كمْ أن فئات متنوعة من الجيل الجديد، (داخل لبنان ومن خارجه)، أظهرت رغبة صريحة بالنشاط السياسي وبالنقاشات للتغيير الجذري، وهذا على عكس ما كانت تُوصف به عمومًا من لامبالاة وغربة وانصراف إلى أمور جزئية وأحيانًا سطحية وبالأخص الفكرة الشائعة حول ابتعادها عن السياسة. حتّى أن البعض ومن أكثر من منطقة، لشدّة ما انبهر بالأجواء، انضم إلى الساحات وتجرّأ حتّى على معارضة "جماعته" و"زعمائه". صحيح أنّ غالبية الجيل الجديد بحاجة إلى بناء ثقافة سياسية ومراكمة تجربة أشمل من التعبير في الشارع، لكن تبقى مشاركتهم في ما حصل مؤشّرًا لافتًا أيًا كان النقد وأيًا كانت النتائج، ومن المؤسف أن الوقت الذي مرّ ثقيلاً بعد الأشهر الأولى جعل العديد من الشباب ينتقلون إلى الإحباط أو الاستقطاب السيئ
 
رانية المصري
بصفتي ممثلة منتخبة عن الحركة السياسية (مواطنون في دولة)، كنت مسؤولة عن تنظيم حضورنا في خيمتنا في العازرية وفتح نقاشات سياسية فيها منذ بداية الانتفاضة. ومنذ إغلاق الخيام، ألتقي بمجموعات سياسية منظمة أخرى من الانتفاضة وأنسّق أنشطة مختلفة معهم، وأكتب المقالات، وأعمل على بناء قدراتنا الداخلية.
 
أتفهّم الاستخدام الشعبي والشائع للكلمة، ولكن بما أن هذا السؤال يطرحه أكاديميون وينشره مركز للسياسات، أرجو أن تسمحوا لي بمناقشة كلمة "ثورة". كي تُستخدم عبارة "ثورة"، لا بدّ من أن يُقصد بها تغيير جذري في الظروف الأساسية المحيطة بمجال معيّن في الحياة. في الجوهر، تكمن الثورة إما في تغيير جوهري في السلطة السياسية نتيجة انتفاضة شعبية تؤدي إلى الإطاحة بالنظام السياسي بطريقة خارجة عن الدستور، أو في تحوّل كبير وجذري في المجتمع. كما يمكن تعريف الثورة بمعناها الفضفاض على أنها محاولة لتحويل المؤسسات السياسية والسلطة السياسية من خلال التعبئة الجماهيرية. هل ينطبق أي من هذه التعريفات على الاحتجاجات التي بدأت في 17 أكتوبر /تشرين الأول 2019؟ لم يحصل أي تغيير جوهري في السلطة السياسية خارج الدستور، ولم تتمّ حتى الدعوة إلى ذلك. كما لم يُبذل جهدٌ موحّد لتغيير المؤسسات السياسية. وفي حين أعرب الجميع عن غضبهم وسخطهم بسبب الوضع الاقتصادي السيئ، أعلن البعض من أصحاب الروح الثورية رفضهم القاطع للنظام السياسي فيما آخرون كانوا ليكتفوا بتغيير الأشخاص عوضاً عن التغيير الجوهري الذي يحوّل النظام السياسي نفسه.
 
ولعلّ أحد الإنجازات الواضحة والبارزة هو تغيير موضوع النقاش بين مجموعات الناشطين. ففي الأشهر الأولى من الاحتجاجات، علت أصوات منظمي الاحتجاجات المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، وبقضاء مستقل، وبإعادة الأموال المنهوبة. أما اليوم، فقد أصبح الشعار الأساسي الذي يرفعه المنظمون على اختلافهم الحاجة إلى بناء دولة مدنية، والدعوة إلى حكومة انتقالية تتمتّع بسلطات تشريعية استثنائية باعتبارها المسار الذي يُفضي إلى الدولة المدنية. أصبحت الشعارات اليوم تصبّ في الاقتراح الذي قدمناه (مواطنون ومواطنات في دولة) في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. لكن كان الثمن باهظاً جداً – أتى على حساب مرور الوقت.
 
بغياب الوضوح السياسي، لا يمكن أن نتوقع من الاحتجاجات نفسها أن تحقق شيئًا. وبالتالي، أين المجموعات السياسية المنظمة التي كانت متواجدة في الشارع من مسؤوليتها في تقديم اقتراح سياسي واضح وحيوي فيكون البديل السياسي؟ نحن (مواطنون ومواطنات في دولة) قدمنا هذا البديل بعد شهر واحد (mmfidawla.com/political-vision) ، وشجعنا كل الذين لم يوافقوا على اقتراحنا على تقديم رؤيتهم الخاصة.
 
وإذ نعترف بحالة الإفلاس المخيفة التي ورثناها وعدم كفاءة النظام الطائفي في أساسه، فإننا نريد حكومة قادرة على تحمل المسؤولية وإدارة الدفّة في هذه المرحلة الانتقالية. وكي تنجح الحكومة، لا بدّ من منحِها صلاحيات تشريعية استثنائية لمدة ثمانية عشر شهراً من أجل تعبيد الطريق نحو اقتصاد مختلف، ومجتمع متماسك، ودولة مدنية. وبطبيعة الحال، يجب أن تتألف هذه الحكومة من أفراد لا يدينون بشيء للطوائف ولا مصالح لهم مع الخارج، كما يجب أن يكونوا متسلّحين بالشجاعة والقوة المعنوية والخبرة، وموحّدين حول رؤية سياسية واضحة مشتركة. إذاً البديل موجود، وهذا البديل هو بناء دولة قادرة وعادلة، ولا يمكن أن تكون سوى دولة مدنية.
 
ما كان يمكن تحقيقه لو قوبِل هذا الغضب المُحق الذي وجد صدى له في الأشهر الأولى من احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر باقتراح سياسي واضح، أو حتى بمجموعة متنوعة من المقترحات السياسية المختلفة التي كان يمكن للمتظاهرين الاختيار بينها، بحيث يكون بيدهم شيء يطالبون به عوضاً عن الاكتفاء بالوقوف ضد شيء معيّن؟ على الرغم من ضياع الوقت الثمين، لا يزال التغيير البنّاء ممكنًا.
 
نزار حسن
من الواضح أن الشعور العام الذي يساور أولئك الذين شاركوا في انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019 هو اليأس وخيبة الأمل. ففي ذروة الانتفاضة، سمحت اللحظة بالإحساس بموجة عارمة من الأمل لدرجة أننا تجرأنا على أن نحلم بالمستحيل بل ونطالب به. حالياً، الثورة المضادة شرسة للغاية لدرجة أنها تجعلنا نتساءل عما إذا كنا قد حققنا أي شيء على الإطلاق من خلال الانتفاضة.
 
أنا لا أؤيد الفكرة القائلة بأننا حققنا الكثير، لأنني أعتبر أن الواقع هو الأهم؛ والواقع أسوأ بكثير اليوم مما كان عليه في 16 تشرين الأول/أكتوبر. فقد تدهور الوضع الاقتصادي والمالي بشكل كبير، ويفتقر البنك المركزي حالياً إلى احتياطيات العملات الأجنبية لاستخدامها لأغراض اجتماعية. أما معدل الفقر والبطالة فقد ارتفع بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان الحديث، في حين أنّ ما كان يُسمّى بالطبقة الوسطى تعيش دوامة الانحدار نحو الأسفل. فضلاً عن ذلك، ألقت جائحة كوفيد- 19 بثقلها على النظام الصحي، حيث سجّلنا أكثر من نصف العدد الإجمالي لحالات كوفيد- 19 المبلّغ عنها في جميع أنحاء الصين. أما على المستوى السياسي، فيبدو أن الطائفية تنتعش من جديد، وربما وصل الاستقطاب الخطير حول أجندات الطبقة الحاكمة إلى أعلى مستوياته منذ عام 2008. فقد تجاوزت الطبقة الحاكمة جميع الحدود في وقاحتها وتجاهلها لمطالبنا وتطلعاتنا، إذ تخوض حرباً طبقية باردة من أعلى الهرم إلى أسفله فيما تُدير الأزمة الاقتصادية وتداعيات انفجار 4 آب/أغسطس بأسوأ طريقة ممكنة. كما نشهد على تراجع وسائل الإعلام والمؤسسات السياسية التي تضخّ في آذاننا خطابًا يضفي الطابع الشرعي على سياسيي الطبقة الحاكمة الذين فقدوا مصداقيتهم بسبب أفعالهم وانتفاضة الشعب.
 
في الواقع، لم نحقق أي شيء ملموس على مستوى السياسات المؤسسية والسياسة العامة. ولعلّ المجال الوحيد الذي أرى فيه الإنجازات هو الخطاب والوعي الجماعي. فقد رسّخت الانتفاضة خطابًا مناهضًا للمؤسسة السياسية يصوّر جميع السياسيين والأحزاب الرئيسية على أنها طبقة واحدة ترتكب جرائم ضد الشعب. ومن المفارقات أن الطبقة الحاكمة تستمر في تقوية هذا الخطاب من خلال سوء إدارتها المقيت ومشاحناتها المستمرة حول حصصها في المؤسسات السياسية. وتترافق هذه الظاهرة مع تحسّن آخر هو نزع القدسية عن الشخصيات السياسية، بينها شخصيات كان يستحيل المساس بها. ولا بدّ من الإشارة إلى مدى رمزيّة المشهد لدى رؤية هؤلاء السياسيين معلّقين في ساحة الشهداء خلال الاحتجاجات التي أعقبت تفجير المرفأ. بطريقة ما، أصبح قسم كبير من الشعب، وبحق، ضد الطبقة الحاكمة بشكل راديكالي، فهو مستعد للمقاومة أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب أضعف مما كان عليه قبل عام، فإنه يظل قوياً للغاية عبر معظم السياقات على أنواعها. والإيجابية الأخرى هي تعميم الفكرة القائلة بأن المرحلة الحالية تتطلب "الارتقاء" من العمل العفوي في الشارع إلى التعبئة السياسية المنظمة. وعلى الرغم من وجود شعورٍ عام باليأس، أعتقد أن شريحة متزايدة من السكان تتحدث الآن بلغة التغيير السياسي التي يطرحها النشطاء منذ سنوات. هذا مهم جدًا لإحداث التغيير على المدى المتوسط والطويل، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال العمل السياسي الشعبي المنظّم.
 
سنا تنّوري-كرم
بصراحة، لا أحبّذ استخدام الذكرى السنوية لقياس الإنجازات، وبخاصةٍ عندما يتعلّق الأمر بأحداث مثل الثورات؛ مع ذلك، خلال هذا العام، حصلت بعض التغييرات التي تستحق أن نذكرها ونتوقّف عندها.
 
أولاً، سمحت هذه السنة بظهور طرقٍ جديدة أضفت الطابع الديمقراطي على الخطاب العام الذي تطالب به مجموعة واسعة من الشعب. ولا ينعكس ذلك في تزايد عدد الناس الذين يتحدثون عن القضايا السياسية وحسب، علماً أن هذا كان من الأساسيات اليومية للبنانيين على مدى سنوات، بل الأهم من ذلك هو تسييس بعض القضايا التي لطالما اعتُبرت قضايا شخصية بحت أو غير سياسية. والمثال على ذلك هو طريقة الناس في فهم الأنظمة المصرفية والمالية ومناقشتها، والقضايا النسوية مثل جسد المرأة وحقها في التحكّم به، فضلاً عن الأماكن العامة وطريقة استخدام الناس لها.
 
ثانيًا، ساهمت الثورة في تكوين تجربة جماعية على صعيد التعبئة، وخلقت بعض النقاط المرجعية الزمنية والمكانية التي ستبقى حيّة في ذاكرة الناس. هذه ضرورية لتنمية وتطورّ الوعي السياسي والاجتماعي في المجتمع اللبناني، حيث يمكن على أساسه بناء العمل الجماعي في المستقبل. ثم إنّ كسر حاجز الخوف الذي يشكّل عنصراً حاسماً في الثورات هو جزء من هذه التجربة الجماعية.
 
ثالثًا، "الإنجاز" الأبرز إذا جاز التعبير، هو على الأرجح إدراك الناشطين للحاجة إلى التنظيم السياسي والاجتماعي. بعبارة أخرى، لقد تنبّهوا لحقيقةٍ مفادُها أن لا مجال لإحداث تغيير حقيقي بغياب التنظيم السياسي المناسب، أكان من خلال الأحزاب السياسية أو النقابات أو الجبهات أو التجمعات أو أي وسائل تنظيمية أخرى. أعتقد أن الجريمة التي ارتكبتها الدولة بحق شعبها في 4 آب /أغسطس قد زادت من هذه الصحوة الأخيرة، إذ أدرك الناشطون في أعقابها غياب التنظيم اللازم لتوجيه العمل السياسي، بما في ذلك محاسبة الجناة على جريمتهم.
 
كارمن جحا
من المستحيل أن أفصل دوري كناشطة ومتظاهرة عن دوري كعالمة عملت على الحركات الاجتماعية لفترة طويلة. وللإجابة على هذا السؤال، أستخدم أدلّة نابعة من تجربتي الشخصية المتأصلة أيضًا في الأدبيات الخاصة بلبنان والمنطقة لأقدّم ثلاثة مواقف حول التأثير الذي خلّفته الثورة. أولاً، أدّت الثورة التي شكّلت منعطفاً تاريخياً إلى كسر طوق المحرّمات المخزّنة والمتجذّرة في نفوس اللبنانيين نتيجة الحرب الأهلية وتداعياتها. أما شعار "كلّن يعني كلّن" الذي تحوّل إلى شعار رئيسي والى نهج لمحاسبة السياسيين، فيؤشّر إلى حدوث تحول اجتماعي لا مثيل له في تاريخنا. ثانيًا، أظهرت حدّة الثورة وطول الفترة التي امتدّت عليها وطبيعتها اللامركزية أن مواجهة النظام والزعماء لا تقتصر على النخبة الحضرية و"المجتمع المدني" في بيروت ومحيطها، بل حصل احتجاج وطني ومطالبة بقيادات سياسية جديدة. وكانت الحركة الاحتجاجية بارعة أيضًا كونها هاجمت البرلمان والمصارف ومنازل السياسيين، فكشفت أنماط الفساد البارزة في نظام التعليم العام، وحريات الإعلام، والصحة، والبيئة، ولكن بشكل أساسي الفساد الذي يستخدم العنف لإسكات المتظاهرين ولإحراق الأماكن. ثالثًا، خلقت الثورة شبكات اجتماعية قوية من التضامن والتعبئة، وحتى صداقات جديدة تخطّت الشارع. وحتى لو دخل الشارع في فترة من التوقف، فإننا نرى شبكات اجتماعية جديدة تظهر للتصدّي للمظالم المختلفة باستخدام المنطق نفسه، أي "كلّن يعني كلّن".
 
التوليفة
 
هل هذه فعلاً ثورة؟
لدى التأمّل في أبرز إنجازات الثورة، لا يسع المرء إلا أن يلحظ أن جميع المشاركين يدركون، ضمنيًا أو صراحةً، أن الأوقات الحالية لا ترقى إطلاقاً إلى التطلعات السياسية الأولية لاحتجاجات 17 تشرين الأول. ويتأسّف البعض على الفرص الضائعة أو يعتبر أنّ إنجازات الثورة المضادة شكّلت اختبارًا للواقع. وليس من المستغرب أن نرى بعض المشاركين يشكّكون في عبارة "ثورة" المستخدمة للإشارة إلى حركة 17 تشرين الأول، حيث أشار أحدهم إلى أنها لم تفضِ إلى تحوّل جذري في المؤسسات السياسية، كما أنها لا تستند بالضرورة إلى نية مشتركة لإجراء تغيير سياسي جذري أصلاً. لكن الأهم من ذلك هو أن هذا التشكيك يقابله آخرون ممّن يصرّون على النية الثورية وراء الحركة، إذ يشيرون إلى وجود رغبة شعبية وحاجة وإرادة واضحة في تحقيق الثورة، أي، بعبارة أخرى، وجود عقلية ثورية. وعلى الرغم من المرحلة المظلمة التي تمرّ بها هذه اللحظة التاريخية، من الواضح وجود إجماع على إمكانية حصول تغيير اجتماعي إيجابي وهذا موقف يبعث إلى الاطمئنان والشعور بالانتعاش والحماس. وقد يكون التغيير أبطأ وأصعب مما هو مرغوب فيه أو متوقع، لكن الرأي السائد هو أن التراجع الحالي مؤقت في هذه الرحلة نحو تحقيق التغيير الاجتماعي. ويصف البعض هذه اللحظة بأنها معلّقة فقط فيما يعترف آخرون بالحاجة إلى الكثير من العمل وبأن هذه الحركة ليست سوى البداية. إحدى المشاركات، وهي مؤرخة، ذكّرتنا بأن استخدام ذكرى العام الأول فيه شيء من التعسّف خاصةً أنه يهدف إلى إصدار حكمٍ بشأن إنجازات الثورة.
 
كيف نقيّم نجاح الثورة؟
هذا يدفعنا إلى طرح سؤال مهم: متى وكيف يتم تقييم إنجازات الحركة الاحتجاجية؟ يجوز استخدام نوعين من المعايير في هذه الحالة. الأول هو الفعالية السياسية للحركة، والتي يمكن تعريفها على أنها التغيير السياسي الذي يحصل على مستوى المؤسسات أو النظام السياسي أو السياسة العامة. على هذا المستوى، قد يبدو السجلّ هزيلًا. لكن لو تبنّينا منظور الثورة باعتبارها عملية مستمرة ومتجددة حيث يستغرق التغيير الجذري فترة من الوقت، تبقى الاحتمالات كبيرة ولا شك لحصول مثل هذا التغيير السياسي، لا سيما في ضوء التحولات الاجتماعية التي بدأتها الثورة. وإذ يبقى منظور التغيير الطويل الأمد حاضراً في ذهننا، فإن المعيار الثاني المحتمل لتقييم فعالية الثورة هو دراسة مدى تعزيزها وتوطيدها لموقف الحركة العلمانية المناهضة للمؤسسة، والتي سبقت يوم 17 تشرين الأول وتجنّدت في مناسبات عديدة سابقة، مثل أزمة النفايات في عام 2015، وخلال الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرة. وهنا، يمكن للمرء أن يرى إلى أي مدى نجحت هذه الحركة في بناء القدرات والموارد لمواصلة نضالها من أجل تغيير سياسي جذري أكبر. وهذه هي الناحية التي ركّز عليها المشاركون بشكل أساسي اليوم. ما هي إذن أبرز الإنجازات على هذه الجبهة؟ إشارة إلى أنها ليست مُدرجة بالضرورة من حيث الأهمية.
 
أبرز إنجازات الثورة
  1. رفع غطاء الشرعية عن الزعماء السياسيين: يوجد توافق واضح بين المشاركين على أن هذا أحد أبرز إنجازات الثورة، ولم يتحقق من خلال فضح الممارسات الفاسدة في صفوف الزعماء السياسيين وحسب، بل أيضًا، وهذا الأهم، من خلال رفع القدسيّة عنهم، مما يؤشّر إلى كسر طوق المحرمات السياسية وحاجز الخوف في العلن وعلى المستوى الخاص.
 
  1. نشر وتعميم شعار "كلّن يعني كلّن"، وهو إطار يرى في النخبة الحاكمة بكاملها كياناً إجرامياً متراصاً ضد شعبه.
 
  1. تحوّل نوعي في تركيبة الدوائر المناهضة للمؤسسة: إلى جانب التوسع الكمي الذي سجّلته الحركة المناهضة للمؤسسة، وتعدّد المواقف الراديكالية التي لم يسبق لها مثيل، لم تعد تقتصر الحركة على العاصمة بل توسّعت من خلال جذب وتعبئة الناس من جميع أنحاء البلاد بغض النظر عن انقساماتهم المجتمعية، وإشراك عدد لا سابق له من الشباب، والوصول إلى المجتمعات التي لطالما دعمت الأحزاب الحاكمة. ولا ينبغي تجاهل مشاركة الشتات غير المسبوقة في دعم الثورة.
 
  1. زيادة الوعي السياسي في صفوف العامّة والالتزام والمشاركة في الخطاب السياسي: ارتفع عدد الناس الذين يريدون الاطّلاع على السياسة والاقتصاد، ويريد المزيد أن يتعلّموا ويتكلموا عن هذه المواضيع. بالفعل اصطحبت الانتفاضة صحوة فكرية غير مسبوقة. فبرزت وانتشرت المحادثات العامة في كل مكان في مواقع الاحتجاج المختلفة، بما في ذلك الحوار والمناقشات بين المواطنين العاديين، فضلاً عن المحادثات بين الخبراء والاجتماعات التي تعالج القضايا العامة. وعلى الرغم من العقبات التي تعترض هذه المبادرات، فإن العديد من المحادثات والحوارات والمناقشات السياسية مستمرة على شبكة الإنترنت اليوم. صحيح أيضاً أن الأصوات الثورية لم تعد حاضرة في وسائل الإعلام التلفزيونية الرئيسية كما في وقت سابق من هذا العام، لكن يبدو أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعطي صوتًا للثورة ما زالت حية وهي بألف خير، كما تظهر منصات جديدة باستمرار.
 
  1. الوعي الجماعي للحاجة إلى التنظيم الاجتماعي والسياسي ضمن مجموعات وتجمّعات مختلفة: أشار بعض المشاركين إلى أهمية الشبكات الاجتماعية الجديدة التي نشأت خلال الثورة، والتي ولّدت مبادرات اجتماعية وجماعات سياسية جديدة تلعب دورًا مهمًا في المساعدة على استدامة التضامن والمقاومة خلال الأزمات المتعددة التي تواجهنا. وتجدر الإشارة إلى أننا نشهد أيضًا على تشكيل تحالفات جديدة بين الجماعات الناشطة. وقد أشار بعض المشاركين إلى توافق الآراء الذي تتوصّل اليه الجماعات الناشطة بشأن التحديات الوطنية المختلفة والى التقارب المتزايد في الوصول إلى رؤية سياسية واحدة. ومن الأمثلة الجديرة بالملاحظة ظهور مبادرة "درابزين" في 17 تشرين الأول، وهي تضمّ العديد من المجموعات الاحتجاجية من جميع أنحاء البلاد.
 
  1. ظهور حركة 17 تشرين الأول كلاعب سياسي مهم على الساحة اللبنانية: هذا واضح على جبهات متعدّدة. أولاً، بدأت حركة 17 تشرين الأول باسترجاع الفضاء العام والسياسي عبر استخدام استراتيجية تصاعدية. ولعلّ التطور المهم الحاصل هنا هو توجيه أنظار المجموعات السياسية المستقلة وبشكل متزايد إلى الهيئات الطلابية والجمعيات المهنية والنقابات العمالية (مثل تجمّع مهنيّات ومهنيّين) وقد حققت انتصارات فعلية. هذه الإستراتيجية تمهّد الطريق لتغيير مؤسسي أكثر صلابة على المدى الطويل. كما تستمر الحملات القائمة على قضايا محدّدة، نذكر منها الانتصارات على المستوى البيئي مثل إنقاذ مرج بسري. ثانيًا، عبّرت الحركة ولا تزال عن إرادتها وقدرتها على محاسبة الطبقة السياسية والمصارف. ويُلاحظ ذلك من خلال الدعاوى القضائية المتكررة التي ينظمها الناس، وكذلك، كما ذكر أحد المشاركين، من خلال التغييرات في الأجندات السياسية التي يشعر الزعماء السياسيون بضرورة القيام بها بسبب الضغوط التي يتعرّضون لها، لكن أيضًا من خلال الانقسامات الداخلية والشروخ الناشئة داخل الأحزاب السياسية حيث بدأوا يتخذون مواقف دفاعية أكثر فأكثر. لكن الأهم هو أن نتذكر أن هذه الحركة تمكّنت منذ عام واحد فقط وبفضل التعبئة الجماعية في الشوارع والسلطة الشعبية، من إجبار حكومة ائتلافية تضم عملياً جميع الأحزاب الرئيسية التي حكمتنا على مدى العقود الماضية، على الاستقالة. ساعدت هذه التجربة الجماعية التاريخية، كما يشير أحد المشاركين، في بناء إدراك ووعي نفسي لسلطة الجماعة التي لا بد أن تغذي أي تحرّكات في المستقبل.
 
في الختام، ومع مراعاة كل هذه الإنجازات، يبدو أن ثورة 17 تشرين الأول قد أحدثت تغييرات ذات قوة تحويلية، ستتجسد آثارها ومفاعيلها بشكل أوضح على المدى المتوسط والطويل. بالنسبة إلى بعض المشاركين، لا تنطوي المسألة على معرفة ما إذا كان النظام السياسي الحالي سيتغير، بل متى وكيف، وقد بدأ هذا الانهيار على ما يبدو. وسط هذه العقبات الهائلة التي تواجه الثورة، يستمر النضال البطولي، ربما بأعجوبة. فالروح الثورية لا تزال حيّة، رغم كل الصعاب. هي مرهقة صحيح لكنها محفّزة وذلك بفضل نفس القوى السياسية والاقتصادية التي تسعى إلى تدميرها. اليوم، لا يبدو 17 تشرين الأول مجرد ذكرى، بل هو مشروع سياسي مستمر ومتطور يتكيف مع صعوبات الأزمنة الحالية، وهو شهادة على مقاومة إرادة الشعوب للاضطهاد إلى الأبد.
 
السيرة الذاتية للمشاركين
ريم صعب أستاذة مساعدة في علم النفس الاجتماعي في الجامعة الأميركية في بيروت وزميلة في المركز اللبناني للدراسات. تدور خبرتها البحثية حول العلاقات بين المجموعات من جهة، والمواقف السياسية من جهة أخرى، مع التركيز بشكل خاص على العوامل النفسية الاجتماعية التي تدفع بالناس للانخراط في العمل السياسي الجماعي. كانت من بين المتظاهرين على مدار الثورة، وهي عضو نشط في رابطة أساتذة الجامعات المستقلين، ومؤسّسة مشارِكة لمبادرة "بدنا نثور بدنا نعرف" لمناقشة مواضيع تهمّ الرأي العام.
 
لينا قماطي
عضو ناشط في حزب الكتلة الوطنية. كانت مسؤولة خلال الأشهر الستة الأولى لثورة تشرين الأول عن إطلاق وتنفيذ منصة تفاعلية للمواطنين ضمن الحزب. حاصلة على درجة الدكتوراه من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف، ومؤلفة كتاب "المرحلة الانتقالية ما بعد الصراع في لبنان: مفقودو الحرب الأهلية" والصادر عن منشورات "روتليدج" في عام 2019. تحاضر على المستوى الجامعي وتعمل بانتظام مع المنظمات المحلية والدولية على الصعيد الاستشاري. وهي عضو مؤسس في Act for the Disappeared (لنعمل من اجل المفقودين).
 
منى فواز
أستاذة في الدراسات الحضرية والتخطيط المدني وباحثة رئيسية في مختبر بيروت العمراني في الجامعة الأميركية في بيروت وزميلة أقدم في المركز اللبناني للدراسات. وبين تشرين الأول وكانون الأول 2019، شاركت يوميًا في الانتفاضة من خلال تقديم واستضافة مناقشات حول القضايا العامة، حيث كانت تتعلّم من خلال الاصغاء والتبادل مع العديد من الأشخاص، وتنظيم الاحتجاجات والمشاركة فيها، وتصميم المحتويات الإعلامية وإرسالها، ومحاولة تنسيق الحركات وجمعها للتوفيق في المواقف والمساعدة في بناء تحالف، وذلك بصفتها كانت عضوًا في بيروت مدينتي (استقالت منذ ذلك الحين) وكباحثة تبحث في التقاطعات الوثيقة بين العقارات والتمويل وآثارها السلبية على حياة الناس.
 
أوغاريت يونان
من روّاد التربية اللاعنفية في لبنان والمنطقة العربية، ومؤسِسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان www.aunohr.edu.lb. متخصّصة في علم الاجتماع وفي العلوم التربوية–السياسية (الجامعة اللبنانية، السوربون – باريس). خبيرة مُبتكِرة لنهج خاص في التدريب، ومؤلِّفة للعديد من الطرائق الحديثة وبعضها تُرجـِم إلى أكثر من لغة. كاتبة وباحثة ومناضلة لاعنفية واكبت أولى هيئات حقوق الإنسان وحركات اللاعنف في لبنان والعالم العربي، وأول شبكة عالمية للروّاد المدرّبين على حقوق الإنسان وحلّ النزاعات والمواطنة والسلام. تُعرَف بأنها وجهٌ مؤثّر في أجيال من الشباب وناشطي المجتمع المدني وفي الطاقات العليا.
 
رانية المصري
رانية ناشطة سياسية وتنظّم أنشطة سياسية منذ فترة طويلة. وبعد عقود من التنظيم الشعبي، انضمت إلى الحزب السياسي "مواطنون ومواطنات في دولة" للعمل على تغيير الوضع الراهن في لبنان من خلال العمل السياسي المباشر، ولبناء علاقات مباشرة بين الدولة ومواطنيها تحكمها الحقوق والمسؤوليات وليس مجرّد علاقات زبائنية تحكمها الانتماءات الطائفية. انتُخبت رانية في كانون الأول/ديسمبر 2017 رئيسة للمجلس التفويضي داخل الحزب، وكانت مرشحة للانتخابات النيابية في لبنان عام 2018. بالإضافة إلى نشاطها السياسي، كانت أستاذة علوم البيئة في جامعة البلمند، وإخصائية في سياسات البيئة والطاقة في المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومديرة مشاركة ومؤسِّسة في معهد المجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأميركية في بيروت. وهي تُدرِّس حاليًا في الجامعة اللبنانية الأميركية.
 
نزار حسن
نزار حسن باحث لبناني ومنظّم سياسي ومعلّق. يشارك في استضافة بودكاست السياسة اللبنانيةThe Lebanese Politics Podcast، وقد نشر مقالات حول لبنان في العديد من المنافذ الإخبارية العربية. وهو عضو في المنظمة السياسية الشعبية التقدمية "لِـ حَقّي"، حيث عمل في لجنة الشؤون العامة. يقود نزار بحثًا اجتماعيًا واقتصاديًا مع شبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية، وقد عمل سابقًا كباحث في السياسات في المركز اللبناني للدراسات. حاصل على بكالوريوس في الدراسات السياسية ودبلوم في الاتصال الإعلامي من الجامعة الأميركية في بيروت، ودرجة الماجستير في العمل والحركات الاجتماعية والتنمية من SOAS في لندن، حيث كتب أطروحته عن الحركة الاحتجاجية في لبنان عام 2015.
 
سنا تنوري كرم
سنا تنوري كرم كاتبة ومؤرخة عن الشرق الأوسط الحديث، تعمل على تأليف كتاب عن التاريخ الثقافي والفكري لليسار اللبناني خلال فترة الانتداب. وهي حاليًا زميلة في EUME في Forum Transregionale Studien في برلين. وردت أعمالها في مجموعة من المنشورات بينها "مجلة تاريخ العالم" و"جدلية" و "ميغافون" و "ترافو بلوغ". كانت سنا تنوري كرم من بين أساتذة الجامعات والمهنيين الناشطين خلال وبعد ثورة تشرين الأول في لبنان.
 
كارمن جحا
أستاذة مساعدة في الإدارة العامة والقيادة والتطوير التنظيمي في الجامعة الأميركية في بيروت. تتركز خبرتها البحثية في المؤسسات السياسية وتقاسم السلطة وتمثيل المرأة والمجتمع المدني والحركات الاحتجاجية. وهي أيضًا مؤسسة مساعدة وباحثة مشاركة في مركز إدارة الأعمال والقيادة الشاملة للمرأة ((CIBL، وهو منصة إقليمية متعددة التخصصات لتعزيز سياسات أصحاب العمل الشمولية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. شغلت منصب المديرة المؤسسة لبرنامج المنح الدراسية "التعليم من أجل القيادة في الأزمات" للنساء الأفغانيات في الجامعة الأميركية في بيروت. وهي ناشطة تعمل من أجل المساواة بين الجنسين وحماية اللاجئين وحرية التعبير. خلال الثورة، كانت بين المتظاهرين وشاركت في التعبئة والتحليل ووضع الاستراتيجيات مع العديد من الحركات والجماعات السياسية.






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.