Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


جنى مراد, باحثة في المركز اللبناني للدراسات


February 2019
لامبالاة الناخبين وشراء الأصوات يعيقان الديمقراطية اللبنانية

تُعدّ تعبئة الناخبين والمخالفات الانتخابية شواغل أساسية عالمياً، ولبنان ليس بالاستثناء، إذ أنّ لامبالاة الناخبين فيه مرتفعة، لا سيما في صفوف الشباب، وتلجأ الأحزاب السياسية بشكل منتظم إلى ممارسات غير مشروعة ومخادعة، من أجل حشد دعم الناخبين. وقد أظهرت البيانات الرسمية التي تم إصدارها عقب الانتخابات النيابية في العام 2018 أنّ 50% من الناخبين المؤهلين تقريباً قصدوا مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، ما شكّل انخفاضاً مقارنةً مع نسبة ال 53% المسجّلة في العام 2009. ولم يكن اعتماد قانون انتخابي جديد، يشتمل على عناصر من التمثيل النسبي ويتيح للأحزاب السياسية الجديدة ولفاعلين من المجتمع المدني التنافس مع أحزاب راسخة، كافياً لتحفيز مشاركة أوسع. باختصار، لم يكن التفاؤل المبدئي الذي ساد في الفترة المؤدية إلى "العرس الديمقراطي" اللبناني، على النحو الذي وصفه وزير الداخلية السابق، مبرراً، إذ أنّ الاحتفال نُغّص قبل إتمام الزواج بكثير.

من أجل التوصّل إلى فهم أفضل لنسبة الاقتراع في الانتخابات النيابية للعام 2018، وانتشار شراء الأصوات كاستراتيجية انتخابية اعتمدتها الأحزاب السياسية، نظر المركز اللبناني للدراسات في البيانات الخاصة باستطلاع الرأي الذي أجرته شركة ستاتيستكس ليبانون المحدودة للإحصاء في تشرين الأول من العام 2018، والذي استهدف 1200 مستجيب، توزّعوا بشكل متساوٍ بين الجنسين، وعكسوا التوزيع الطائفي والمناطقي للشعب اللبناني.

تشير البيانات إلى ثلاث سمات تشكّل توصيفاً للناخبين المحتملين: الأشخاص الأكبر سناً، والعاطلين عن العمل، وأعضاء الأحزاب السياسية. وكما سبق أن أشرنا، الشباب صوّتوا بنسبة أقل من نظرائهم الأكبر سناً، وبالتالي، عبّروا عن عدم اهتمام وعدم رغبة في المشاركة في أحد الأوجه الأساسية للعملية الديمقراطية. وتترافق هذه النتيجة مع بروز احتمال أعلى بالمشاركة في العملية الانتخابية في صفوف اللبنانيين العاطلين عن العمل وأعضاء الأحزاب السياسية مقارنةً مع غيرهم- غير أنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّهم صوّتوا بنسب أعلى، بل أظهروا عن احتمالية أعلى بالإدلاء بصوتهم.

تُظهر بيانات وزارة الداخلية والبلديات بأنّ الطائفة تؤدي دوراً مهماً في هذا الصدد، إذ كان المواطنون الشيعة الأكثر حماساً للتصويت، فسجلوا نسبة الاقتراع الأعلى (54%)، يليهم الدروز (53%)، فالموارنة (52%). وكان المواطنون الأرمن الكاثوليك (26%)، والأرمن الأرثوذوكس (25%)، والأقليات المسيحية (24%) الأقل حماسة، مع إدلاء عدد متواضع من الناخبين بأصواتهم. وعلى مستوى المناطق، شهدت كسروان، وجبيل، والهرمل نسب الاقتراع الأعلى، في حين جاءت بيروت، وطرابلس، وبشري، وزغرتا، والكورة، وبنت جبيل، وحاصبيا، وراشيا في المراتب الأدنى لجهة نسب الاقتراع.

لم تسمح النتائج وأساليب الحملات التي اعتمدتها الأحزاب خلال انتخابات العام 2018 بالتشكيك بالفرضية القائلة بأنّه من غير المرجّح تحقيق تغيير إيجابي في لبنان. وبالرغم من عدد المرشحين غير المسبوق من مجموعات المجتمع المدني التي تقدّمت للانتخابات النيابية في العام 2018، والتي أطلق كلّ منها برامج سياسية مفصّلة ومتينة، صوّت الناخبون بشكل كبير للأحزاب السياسية القائمة. يُشير هذا إلى سمة أساسية للانتخابات اللبنانية، وهي ولاء الناخبين. فقد صوّت نحو 90% من الناخبين الذين صوّتوا في العام 2009 للحزب نفسه في العام 2018. بشكل خاص، كان الناخبون أكثر ولاءً لحركة أمل (حافظت على 95% من ناخبيها من العام 2009)، وحزب الله (حافظ على 93% من ناخبيه من العام 2009)، والقوات اللبنانية (حافظت على 92% من ناخبيها من العام 2009)، والتيار الوطني الحرّ (حافظ على 90% من ناخبيه من العام 2009). وكان الناخبون أقل ولاءً لتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، بالرغم من أنّ هذين الأخيرين تمكّنا من المحافظة على نحو 75% من حصتهما من الدعم الذي حازا عليه في العام 2009 في الانتخابات.

كيف تمكّنت الأحزاب إذاً من المحافظة على قبضتها الظاهرة على الناخبين، بالرغم من كونها قد فشلت في حشد المزيد من الدعم؟ من بين التبريرات العديدة المحتملة، نجد غياب الأطر القانونية التي تُعاقب الممارسات غير الشرعية في الحملات في الفترة المؤدية إلى الانتخابات وخلالها. وبصريح العبارة، تم الإفادة على نطاق واسع عن مزاعم وقوع حالات غش ومخالفات انتخابية مسجّلة ارتكبها مرشحون وأحزاب سياسية. تتطرّق الدراسة الاستقصائية إلى ممارسة محددة واحدة، وهي شراء الأصوات. ينطوي شراء الأصوات على هدايا، على شكل مال أو سلع، يتم التزويد بها من أجل اقناع الناخبين بالتصويت بطريقة معيّنة، أو التعبئة يوم الانتخابات، أو الامتناع عن التصويت. وقد أفاد نحو 40% من المستجيبين في الدراسة الاستقصائية عن حوادث شراء أصوات في أحيائهم. وحين سئلوا مباشرة عمّا إذا كانوا قد تلقّوا تقديمات شخصياً مقابل أصواتهم، انخفض العدد إلى 20% فقط. وبغية توضيح الأمر بصورة أفضل، إنّ الناخبين الأكثر تأثراً بشراء الأصوات لديهم مكانة اجتماعية واقتصادية أدنى، وشبكات سياسية قليلة، وهوية طائفية قوية.

وتجدر الإشارة إلى ميل الأحزاب إلى اللجوء إلى شراء الأصوات من أجل المحافظة على الناخبين الأوفياء، بدلاً من تعبئة الناخبين المتأرجحين. وتتماشى هذه النتيجة مع ما يُسمّى بـ "نموذج شراء نسبة الاقتراع" (مقابل "نموذج شراء الأصوات"). ويُبنى هذا النموذج على شراء الأحزاب الفعلي لأصوات الناخبين الأوفياء، من أجل أن ترصد ما إذا كانوا قد صوّتوا أم لا، إذ يمكن أن تثق الأحزاب أنّه حين يحين الوقت للتصويت للائحة والمرشح "الصحيحين"، سيقوم الناخب الذي تم شراء صوته بما وعد به. بالمقابل، يتطلّب ضمان الامتثال في صفوف الناخبين المتأرجحين، بالتوازي، التأكيد على أنّ الناخب الذي تم شراء صوته سيقوم بالتصويت، وأن يتم رصده لضمان الاختيار "الصحيح" للائحة والمرشح التفضيلي.

من الواضح أنّ الجهود الآيلة إلى تعبئة الناخبين وإشراكهم في العملية الانتخابية، بالإضافة إلى مكافحة الممارسات الانتخابية غير المشروعة، مثل شراء الأصوات، تواجه معركة صعبة. وتشير نتائج هذه الدراسة الاستقصائية بقوة إلى انخراط قسم كبير من الناخبين والسياسيّين في الممارسات الفاسدة. تدعو خلاصات مماثلة إلى إجراء حملة توعية، تركز على التأثير الذي يمكن أن يحدثه الناخبون الفرديون على نتيجة الانتخابات، والأهم، كيف يمكن أن يؤثر هذا في رفاههم ورفاه أسرهم وأصدقائهم.

أضف إلى ذلك أن ضمان سرية الاقتراع يمكن أن يعالج الإشكاليتين اللتين تمت الإشارة إليهما في هذا المقال. يتطلّب القانون الانتخابي الجديد على الأقل اعتماد بطاقات اقتراع مطبوعة سلفاً، لعدم السماح للقائمين بالفرز (الذين هم أنفسهم ممثلون عن الأحزاب السياسية) من التعرّف على الأوراق المتلاعب بها عند الفرز. لكن بالكاد ما يكفي ذلك. إذ تشير التقارير إلى أنّ الأحزاب وجدت طرقاً لتخطي هذا التدبير، من خلال مرافقة الناخبين في حالات عدّة لدى إدلائهم بأصواتهم. وسيكون إلغاء ما يرتقي إلى مستوى الترهيب خطوة أولى إيجابية في تقليص عدد الأشخاص الذين يشعرون بأنّهم ملزمين ببيع أصواتهم، بالإضافة إلى إرساء الثقة بنظام لطالما أدام من خلال ممارساته العكس. وهذا على الأقل، يمكن أن يزيل إحدى الحجج التي تُبقي الفئات المتذمرة من الناخبين في منازلها يوم الانتخابات، أو تجعلهم يشعرون بأنّه ما من خيار لديهم سوى الخضوع لضغوطات أصحاب المصالح القائمين في البلد، الذين يحافظون على قبضتهم على السلطة، على حساب الشعب الذين يدّعون خدمته.






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.