Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


كارمن جحا, أستاذة مساعدة في الإدارة العامة والقيادة والتطوير التنظيمي في الجامعة الأميركية في بيروت.


July 2020
سياسات الأمل والبقاء

لا يمكن أن نتوقع من السياسيين اللبنانيين الذين حكموا واستغلوا هذا البلد منذ الحرب الأهلية أن يفيقوا في أحد الأيام ويجدوا أن قلوبهم وعقولهم قد تبدّلت. لن يعتذروا ولن يعترفوا بمسؤوليتهم في تدمير حياة شعبهم وسرقة كل مورد من موارد هذا البلد. لا تنتقل السلطة بدون مواجهة أو بدون معركة حقيقية.
 
لسنوات عديدة، تحدى الناشطون اللبنانيون، ومعهم مجموعات سياسية، النظام ومؤسساته والأشخاص الموجودين خلفها. لكن منذ عام 2015، ظهرت مجموعات منظمة لديها تطلعات إما للترشح للانتخابات أو لتغيير النسيج الاجتماعي والدستوري الذي يحمي السياسات الطائفية وأمراء الحرب الفاسدين. حقيقة الأمر بسيطة: مجموعة من الرجال المسلحين الذين قتلوا جماعات على الأراضي اللبنانية خلال حرب استمرت 15 عامًا، منحوا أنفسهم العفو، وارتدوا الطقم الرسمي، وقسموا غنائم الدولة على بعضهم البعض. ومنذ ذلك الحين، نحن نلهث من أجل البقاء. في الآونة الأخيرة، بدأ الناس يطالبون بأكثر من مجرّد البقاء على قيد الحياة. بدأنا نأمل في أن يكون لدينا صوت ومقعد على الطاولة.
 
أتنقل في هذا المقال بين "نحن" و "هم" لأنني أقف في الوسط. فبصفتي ناشطًة وباحثة، شاركت في بناء مجموعات سياسية بقدر ما قضيت وقتاً في التفكير والكتابة حول الاستراتيجيات السياسية والحركات الاجتماعية. نحن نسعى إلى رؤية سياسة جديدة للأمل في التغيير، ولكن الأمل مخادع لأنه يستغرق وقتًا طويلاً قبل أن يأتي، وعندما يتلاشى الأمل، يستغرق دهراً قبل أن يعود.
 
من هي هذه المجموعات وماذا تريد؟
يُقصد بالمجموعات السياسية هنا المجموعات المنظمة أو غير الرسمية التي تعمل على تحدي ركائز النظام السياسي الذي تكرّس بعد الحرب الأهلية. تلجأ هذه المجموعات الى طيف من الطرق والآليات التي تتحدى السياسات الطائفية والفاسدة والممثلة لجماعات معيّنة والتي ترسم معالم حياتنا. وهي تتراوح بين تجمّعات سياسية منظمة أو شبه منظمة، شاركت أو تخطط للمشاركة في اللوائح الانتخابية ساعية للانضمام الى المجلس النيابي كوسيلة للوصول الى السلطة.
 
ليست هذه المجموعات الوحيدة التي تتحدّى النظام، إذ تضم مجموعات أخرى نقابات بديلة منظمة حديثًا تسعى إلى معالجة التفاوتات الهيكلية وتعبئة العمال للمطالبة بالحقوق الأساسية وبمقعد على طاولة المفاوضات. والمجموعة الأخرى من المنظمات هي تلك التي تختار التقاضي الاستراتيجي وفتح تحقيقات قانونية في ملفات معينة أو أعمال عنف وفساد. وتنظر مجموعات أخرى الى النظام من منظور جنساني وتسعى إلى الحرص على أن يكون للمرأة راي في السياسات التي ترسم حياتها. ويقود مجموعات أخرى طلاب وشباب يستهدفون التعليم الرسمي الذي احتكره السياسيون وسرقوه منهم لعقود. وأنشأت مجموعات أخرى منصات إعلامية جديدة تركز على حرية الرأي والنقد كنقطة دخول للوعي السياسي والمشاركة في الحياة العامة. القائمة طويلة لكن بشكل عام هذه المجموعات سياسية، بمعنى أن لديها مطالب سياسية تهز أركان النظام. وإذا نجحت في تحقيق أيٍّ من مطالبها - أو جميعها - فسيؤدي ذلك إلى تحوّل سياسي. تعود جذور تجربتنا في تشكيل هذه المجموعات إلى عام 2005 الذي شكّل منعطفاً بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، في حين أن الاستراتيجيات والتعبئة تشكلت مؤخرًا نتيجة احتجاجات عام 2015 الناجمة عن أزمة النفايات، والتجربة الانتخابية لعام 2018 وثورة تشرين الأول عام 2019.
 
ما هي مشكلتهم (أو مشكلتنا)؟
تواجه هذه المجموعات أو الحركات مصدرين للمشاكل على الأقل. أحدهما خارجي ومعروف من الجميع: نظام قمعي وعنيف وفاسد وأبوي/ذكوري وطائفي يلاحق الناس ويقبض عليهم ويوقف أعمالهم ويقتل أمثال علاء أبو فخر وفواز السمان من دون عقاب. أما المصدر الآخر فداخلي: هي الشبكات والتجارب الاجتماعية والعلاقات الشخصية التي تؤثر على قدرتهم على العمل معًا وإشراك المواطنين في عملية بناء جماعي. ليست مسألة افتقار إلى الخبرة بل إلى الرؤية والقيادة - ليس المعنى من ذلك ضرورة وجود قائد مركزي بل القدرة على بناء الثقة مع المواطنين وإنشاء أنظمة تمثيل تشاركية وشمولية. كل من هذه المجموعات، سواء كانت بقيادة الطلاب أو كانت انتخابية أو إصلاحية، بحاجة إلى بناء مسار حيث يشارك المواطنون في وضع برنامج عملها ويساهمون في عمليات الحشد التي تقوم بها هذه المجموعات.
 
فشلت هذه المجموعات البديلة حتى الآن في التحول من مجموعة من النشطاء أغلبيتهم من النخبة الحضرية إلى منصة سياسية تمتد على مساحة الوطن. وقد غيرت ثورة تشرين الأول هذه الحالة، بمعنى أنها كانت أكبر من كل تلك المجموعات مجتمعة. للانتقال من التعبئة في الشوارع إلى التعبئة المنظمة والمؤسسية الهادفة إلى تحدي النظام، لا بدّ من إشراك الجماهير وقيادة المطالب والاستراتيجيات وتمثيل الأولويات.

ماذا عسانا نفعل في المرحلة التالية؟
لا يمكن لأي مجموعة أن تقطع وعداً ببناء أي شيء، ناهيك عن الترشح لأي منصب، بدون وجود قاعدة دعم تمنحها الثقة والشرعية. سواء من خلال المواجهة في الشوارع، أو عبر جمع الأموال، أو الترشح للمناصب، يجب أن يرسم نهجنا وبرنامج عملنا أشخاصُ يريدون وضع ثقتهم في منصة سياسية ثورية ويمكن الوثوق بهم والاعتماد عليهم لمواصلة النضال لفترة طويلة بعد انتهاء التعبئة في الشوارع. يدرك الناس تماماً ما الذي يناسبهم، فهم منطقيون، وسيسحبون دعمهم لهذا النظام إذا رأوا أمامهم مستقبلًا قابلاً للحياة. من مسؤوليتنا أن نبني معاً رؤية مستقبلية قابلة للتطبيق، رؤية قادرة على الصمود والوقوف في وجه الضربات التي سيوجهها السياسيون إليها.
 
ليست المهمة المقبلة مستحيلة، فالثورة جعلتها قابلة للتحقيق، شريطة أن نكوّن على الفور آليات استشارية تشرك الناس من جميع الأعمار والطبقات على مساحة الوطن. ثانيًا، يجب أن نفك المركزية عن عملية تحديد الأجندة، إذ على الناس أن يحددوا ما هي القوانين التي تحتاج الى التغيير أولاً. وبالمثل، على الناس أن يحددوا من هم الأشخاص الذين يودون رؤيتهم في السلطة. لكن التفكير في هذه الأمور أثناء جلوسنا في المقاهي والحانات والجامعات في بيروت لا يجعل منا حراساً على هذه العملية. ثالثاً، يجب أن نتوقع مواجهة مضادة. فقد مات أشخاص، وآخرون خسروا عينهم، أو دفعوا كل مدخراتهم، أو دخلوا السجن، أو تعرضوا للضرب، أو تم تسريحهم بسبب مشاركتهم في المظاهرات الاحتجاجية. إذا كنا جادين في تغيير النظام، يجب أن نتوقع انتقامًا وحشيًا. نحن بحاجة إلى بناء تحالفات واسعة داخل لبنان وخارجه وإلى تحصين أنفسنا من التعب والفشل والأضرار الجسدية.
 
لا يزال الأمل يحدو الكثيرين بيننا، ولكن المشكلة في الأمل هي أنه إذا تلاشى من الصعب أن يستعيد وهجه. أمام هذه المجموعات الجديدة فرصة. فإذا أرادت فعلاً المشاركة في لبنان ما بعد الثورة، عليها إيجاد طرق لبناء هياكل داخلية قوية تحميها من مخاطر المشاحنات والدوافع الأنانية. في هذه الأيام، المخاطر عالية للغاية والأحزاب السياسية الطائفية تستغل أي نقاط ضعف من أجل انتزاع آخر بصيص أمل بقي لدى الناس. لقد انتقلنا بالفعل من حالة البقاء إلى حالة الأمل. السؤال هو كيف يمكننا حماية الأمل وجعل التغيير حقيقة؟
 
 
 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.