Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


جسي نصار,  باحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات 


July 2015
أزمة اللاجئين تسلّط الضوء على ضرورة معالجة أوجه القصور في عملية التخلص من النفايات في لبنان

في ظل غياب سياسة رسمية للتعامل مع تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان، تجد البلديات التي تأوي اللاجئين نفسها مضطرّة للعب دور قيادي في إدارة الخدمات وتقديمها. وقد خلّف هذا الوضع ضغطاً كبيراً على البنية التحتية المحلية، مع ارتفاع نسبة توليد النفايات الصلبة التي تشكّل أحد أبرز أثار الأزمة على المستوى المحلي. وأظهر التقييم الذي أجراه البنك الدولي حول الأثر الاجتماعي والاقتصادي للأزمة السورية، أن النفايات قد ارتفعت بنسبة ضعفين أو حتى ثلاثة أضعاف في بعض المناطق، مما يؤدي إلى تلوث المياه وانتشار أنواع مختلفة من الأمراض. ولكن، وفي حين أنه لا يمكن إلا الاعتراف بارتفاع نسبة النفايات نتيجةً لتدفق اللاجئين، يبقى غياب استراتيجية متماسكة ومستدامة لإدارة النفايات الصلبة السبب الرئيسي وراء أزمة النفايات الحاليةالتي خلّفت جبالاً من القمامة في الشوارع  منذ ما يزيد عن الشهر.

وترجع حدّة المشكلة إلى عدم وجود استراتيجية وطنية لإدارة النفايات والعواقب التي خلّفها ذلك على السلطات المحلية المسؤولة عن جمع وإدارة قسم كبير من مجموع النفايات الصلبة في لبنان.  منذ الحرب الأهلية، وفي مرحلة لاحقة بين الأعوام ١٩٩٨ و ٢٠٠٦ ، تعاملت وزارة البيئة ، مع النفايات وفقاً لخطة طوارئ. في عام ١٩٩٦ منحت الدولة شركة سوكلين، وهي شركة خاصة لإدارة النفايات، إذناً بفتح مطمر للنفايات في الناعمة لاستيعاب نفايات بيروت وجبل لبنان. وفيما كان من المفترض أن يكون المطمر حلاً مؤقتاً لحين اعتماد استراتيجية وطنية للنفايات، تطورت الأوضاع بشكل مختلف في الممارسة. وكنتيجة لإطالة أمد خطة الطوارئ، كان مطمر الناعمة لا يزال يستوعب ثلاثة آلاف طن من النفايات الصلبة كل يوم، ثلاثة أضعاف الكميات التي صُمّم من أجلها. ويتكرّر السيناريو نفسه اليوم بعد إغلاق المطمر في 17 تموز 2015، وهي مهلة جرى تأجيلها أكثر من مرّة، مما تسبّب  باحتجاج السكان المحليين على الاستخدام المفرط للموقع. أما المشكلة الأساسية الآن فهي أن قرار الحكومة بإيجاد مواقع بديلة وموقتة لدفن النفايات، فيما تتم المناداة باستمرار بحلّ دائم، قد يفضي إلى العواقب نفسها.

إن تمديد فترة الطوارئ مراراً وتكرارا،ً  الأمر الذي حال دون اعتماد اتفاق حول استراتيجية طويلة الأجل، ترك لأصحاب المصلحة من القطاع الخاص مهمة اختيار مواقع جديدة لدفن النفايات. مع ذلك، لم يتم حتى الآن تحديد مواقع للمطامر التي لا تزال موضوع نقاش حادّ بين الأطراف.  أما المرسوم الوزاري الذي أصدره رئيس الحكومة تمام سلام مؤخراً، فقد دعا إلى جمع النفايات على الفور ونقلها إلى مواقع المطامر التي حدّدتها وزارة البيئة. إلا أن هذه الأخيرة رفضت التصريح في العلن عن مكان وجود تلك المواقع. وأوردت وسائل الإعلام أن المناطق التي حددتها وزارة البيئة تشمل سبلين وشكّا.  

وأدى ذلك بالسكان المحليين ورؤساء البلديات في الجنوب الى إغلاق الطرق المؤدية إلى مداخل هذه المدن اعتراضاً على احتمال استخدام تلك المواقع كمطامر للنفايات. والآن، وفيما تستأنف سوكلين أعمالها تدريجياً في بيروت بعد أن توقفت لمدة أسبوع واحد، يتساءل الكثيرون أين يتم نقل القمامة. وتوجد مشكلة أخرى مصدر قلق وهي أن تهاون الحكومة قد حمل المواطنين للانقلاب على بعضهم البعض عن طريق رمي النفايات في مناطق سوى مناطقهم. ووفقاً لتقرير إخباري صدر مؤخراً، شوهدت إحدى الشركات وهي تنقل النفايات من انطلياس، والمنصورية، والرابية إلى قرية كفريا الشمالية، من غير أن يتم الكشف عن اسمها. وترد أخبار عن وقوع حوادث مماثلة في أماكن أخرى.

وبالتالي، فإن الإفراط في استخدام مطمر الناعمة وغيرها من الممارسات المماثلة لا يشكّل مثالاً على غياب سياسة مستدامة وحسب، بل هو أيضاً أحد الأسباب التي تدفع بالبلديات إلى تحمّل تكاليف باهظة لجمع النفايات ضمن المناطق الخاضعة لسلطتها والتخلص منها. و قد أدى ذلك في الماضي إلى استخدام مجمّعين غير رسميين لرفع القمامة ورميها على مشارف القرى أو في مكبات عشوائية. اليوم، أصبحت هذه الممارسة رائجة وطبيعية على المستوى الوطني، وليس فقط في المناطق حيث لا تعمل شركة خاصة مثل سوكلين.

من الواضح أن السبب الأساسي وراء العجز عن وضع استراتيجية وطنية للنفايات سياسي بحت،  إذ يشير المسؤولون المحليون إلى تضارب في المصالح بين أصحاب السلطة. قد صرّح رئيس بلدية سبلين ورئيس اتحاد بلديات الزهراني أنه يتم إنفاق الجزء الأكبر من المال في مناطقهم على خدمات النظافة، وينسبان الوضع إلى "غياب التخطيط والإدارة السليمين"، وهذا أمر واضح اليوم.  ووصف رئيس بلدية سبلين وغيره من المسؤولين المحليين الاتفاق بين سوكلين والدولة على أنه "فُرِض فرضاً".

فيما تشير السلطات العليا إلى أن البلديات تميل إلى استخدام مواقع الطمر غير المشروعة، يقول القادة المحليون أنهم يشاركون في جهود إدارة النفايات الصلبة بطرق مسؤولة، سواء من خلال التشجير كما في سبلين، أو كما في حالة الزرارية، حيث توجد محطة لتحويل القمامة إلى وقود قابل للاستخدام.
لكن تعنّت السياسيين وإصرارهم على استمرار أزمة النفايات، مع العلم أن بعضهم لديهم مصلحة في قيام شركات خاصة بجمع النفايات، يمثل عقبة أمام دعم الجهود المحلية. وقد أوردت بعض التقارير مؤخراً تورط شقيق وزير سابق في نقل النفايات إلى مكب في بلدة شمالية، بدون علم البلدية المعنية أو موافقتها. وأكد أخصائيون في مجال البيئة على أن اعتماد التدابير العلاجية للتعامل مع النفايات هي أكثر فعالية من حيث التكلفة وهي مربحة لأنه يمكن تحويل القمامة المفرزة إلى وقود. بيد أن المسؤولين في الدولة ما زالوا يفضّلون حرق النفايات على الرغم من أنها تستهلك وقتاً أطول وتتسبّب بأضرار كثيرة.

إذا لا بدّ من الاعتراف بأن اللاجئين ليسوا السبب وراء أزمة إدارة النفايات في لبنان حالياً. من الواضح أن تدفّق اللاجئين قد ساهم في تفاقم الأزمة، وأظهر وجود اللاجئين مشاكل نظامية عوضاً عن الدلالة الى إرهاق النظام الذي كان أصلاً مرهقاً. ونظراً لحجم الأزمة، من غير المحتمل أن تُحل ما لم تقدّم الشركات الخاصة أسعاراً مقبولة، والأهم من ذلك، ما لم تقم الحكومة المركزية بتحرير المال بشكل شفاف، مما يسمح للسلطات المحلية بإدارة مناطقها. هذا يعني أنه لا بدّ من إعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية من أجل تمكين هذه الأخيرة.  في غضون ذلك، على الحكومة تأدية واجباتها بتشارك عبء اللاجئين والمجتمعات المحلية التي تستضيفها على حدّ سواء. من الملحّ أن تتدخّل الحكومة المركزية، لاسيما مع تنامي الحاجات التي ولّدتها الأزمة. إن أخذ المشورة من رؤساء البلديات بداية جيدة لأنهم الأشخاص الذين يتعاملون بشكل مباشر سواء مع أزمة اللاجئين أو مع إدارة النفايات الصلبة.
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.