Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله , المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


September 2015
أزمة النفايات تكشف عن غطرسة النخبة السياسية ونزاعاتها

يبدو أن الحكومة لم تفهم بعد. فالاحتجاجات التي انطلقت منذ أسابيع قليلة في لبنان لم تعد محصورة بأزمة النفايات. هي تتعلق بفشل الحكومات اللبنانية المتعاقبة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين. هذه الاحتجاجات محورها الفساد الذي يرافق إدارة الموارد العامة وبالتالي الأكلاف المرتفعة التي يضطرّ اللبنانيون لدفعها مقابل خدمات سيئة للغاية. لنأخذ قطاع الطاقة على سبيل المثال؛ الكثير من اللبنانيين يدفعون فاتورتين: فاتورة لمؤسسة كهرباء لبنان التي لا يمكن الاعتماد عليها وفاتورة أخرى للمولّدات الخاصة المكلفة جداً. وينطبق الأمر نفسه على المياه. بدءاً من العام الماضي، أصبحنا ملزمين بدفع المزيد من المال لمصالح المياه مقابل كميات مياه أقل في خزاناتنا كما ولمزوّدي المياه من القطاع الخاص غير النظاميين. والقاسم المشترك في كلتي الحالتين هو أن القطاع العام فشل في تقديم الخدمات فيما حلّ المورّدون من القطاع الخاص محلّ الدولة مقابل فرض أسعار باهظة.
لكن وجد اللبنانيون في عدم الكفاءة في جمع النفايات مشكلة أصعب من أن يتحمّلوها، وذلك ليس فقط لأنها مثال آخر على سوء الخدمات التي توفّرها الدولة، بل أيضاً بسبب الطبيعة المادية للنفايات، من رائحة كريهة، وآثار على البيئة والصحة، فضلاً عن عدم وجود بدائل من القطاع الخاص للتعامل معها. مما كشف عن غطرسة وفساد النخبة السياسية التي كانت مستعدة لدفن البلاد تحت النفايات لغاية انتزاع المزيد من الموارد بعضها من البعض الآخر. بعبارة أخرى، أزمة النفايات هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

لم تكشف هذه الأزمة عن ازدراء النخبة السياسية للمجتمع اللبناني وحسب، بل فضحت الصراع القائم بين أفراد النخبة حول كيفية "تقاسم الكعكة". وخلافاً للترتيبات السابقة، لم يكن من الممكن التفاوض وراء الأبواب المغلقة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وبداية إعادة الإعمار، عقد أطراف النخبة الحاكمة العديد من الصفقات في ما بينهم حول كيفية تقاسم الغنائم الناتجة عن موارد الدولة. وقد لعب رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري دوراً أساسياً في تأمين ما يكفي من الأموال لإرضاء كلّ من حلفائه وخصومه. ومنذ اغتياله، تضاءلت الأموال التي دخلت البلاد، مما ترك للنخبة السياسية كمية صغيرة من الموارد لتتقاتل عليها. وعندما يستحيل حل الخلاف داخلياً في ما بينها، ربما لحسن حظنا كمواطنين، تُطرح المسألة في العلن، حيث يأمل الزعماء في تحدّي بعضهم البعض الآخر وكشف خداعهم المتبادل. والدعوة التي وجهها رئيس مجلس النواب لعقد جلسة حوار وطني هي لا تعلو عن كونها مجرد محاولة لإعادة ترتيب المنزل الداخلي، وتعزيز التواطؤ بين أطراف النخبة السياسية، والتعاطي بطريقة جماعية مع الشارع الذي لفت انتباه القادة السياسيين من مختلف الأطياف. لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن واقع مفاده أنه عندما تختلف النخبة السياسية، يُصاب النظام بالشلل، وعندما تتفق يحصل تواطؤ. في كلتي الحالتين، يأتي ذلك على حساب المواطنين: إما أن نُحرم من الخدمات أو نضطر لدفع الثمن باهظاً. وعلى خلفية هذا النظام، يطالب الناس بالمساءلة بشكل جماعي. وبالتالي، فإن أزمة النفايات هي ذروة صراعين بارزين: صراع بين المواطنين والنخبة السياسية وصراع بين أطراف النخبة أنفسهم.

وعلى الرغم من أن جذور أزمة النفايات تعود إلى منتصف التسعينيات، تبيّن الطرق التي تعاملت بها الحكومات المتعاقبة مع المواطنين اللبنانيين مدى عدم مبالاتها المستمرة بمشاغل الناس ومصالحهم. أولاً، كانت الحكومة على علم تام بأن الأزمة عند قاب قوسين إذا لم يتم التوصل إلى حل لمطمر الناعمة الذي استُنفذت قدراته منذ فترة طويلة. ثم تصرفت الحكومة فجأة كما لو أنها تفعل شيئاً حيال أزمة إدارة النفايات من خلال الدعوة الى مناقصات بقيت معاييرها غير واضحة. وبسبب غياب الشفافية في عملية استدراج العروض، ازداد ارتباك اللبنانيين عندما فازت بعض الشركات بالمناقصة في بعض المناطق فيما خسرتها في مناطق أخرى، وتبيّن أن تكلفة الخدمات التي تقدمها الشركات الجديدة أعلى من التكاليف التي فرضتها سوكلين والتي كانت أصلاً مرتفعة جداً مقارنةً بالمعايير الدولية. ثم أعلنت اللجنة المعنية بإدارة العملية مساء الاثنين أن المناقصات ناجحة، لكي تعود وتلغي نتائجها في صباح اليوم التالي. وكأن ذلك لم يكن كافياً، أعلنت الحكومة أنها قررت طمر النفايات في عكار مقابل مائة مليون دولار أميركي مخصّصة للتنمية بعد سنوات إن لم يكن عقود من الإهمال في منطقة شمال لبنان.

لم تفشل الحكومة في إدارة العملية وحسب، بل أظهرت أيضاً مدى تجاهلها التام لمبادرات البلديات ومنظمات المجتمع المدني التي حاولت جمع الأشلاء وحل أزمة النفايات في خلال الأسابيع القليلة الماضية. وبدلاً من فتح عملية صنع القرار ودعوة المجتمع المدني ليكون جزءاً من الحل الذي يمكن أن يوفّر على الخزينة مبلغاً كبيراً من المال، فعلت أفضل ما تجيد فعله: احتكار العملية، وتجاهل أصوات المجتمع، ومحاولة تقاسم الكعكة بين أطراف النخبة السياسية.
 
علاوةً على ذلك، وصلت غطرسة الأحزاب السياسية إلى حدّ استغلال الوضع على الأرض ومحاولة الاستفادة منه لصالحها في وجه خصومها السياسيين. على سبيل المثال، أيّد أحد الأحزاب المتظاهرين بشكل صريح، عن طريق إرسال وزير له للمشاركة في إحدى المظاهرات. وقد طُلب منه المغادرة على الفور. وقام نائب تابع للحزب نفسه بحيلة أخرى من خلال تعليق عضويته في البرلمان. لكنه لم يملك العزم الكافي للاستقالة فعلياً من مجلس نواب مدّد ولايته بطريقة غير شرعية. وأحد القادة السياسيين الذي ساهم في جذور الأزمة لم يصفّق للمتظاهرين وحسب، بل طلب منهم البقاء في وسط المدينة على أمل ابعاد التهمة عن دوره في خلق الأزمة أو لتشويه مصداقية الحراك من خلال دعمه له، أو كلاهما معاً.

أحد الوزراء الذي لم تكن لديه الشجاعة الكافية حتى للتظاهر بأنه مهتم بالتخفيف من الإحباط في صفوف المواطنين، سأل بكل تعجرف: من هم هؤلاء المتظاهرون ومن يمثلون فعلياً. فهنا بلغت الغطرسة ذروتها لدى مسؤول في الدولة. هذا النوع من المواقف هو الخطأ الأساسي في نظامنا حيث تظهر النخبة السياسية كل الازدراء لمصالح الشعب. فهم مستعدون للاستجابة لبعض مطالب الناس طالما أظهر لهم هؤلاء الولاء السياسي. بعبارة أخرى، يعترف نظامنا السياسي بالناس كزبائن وليس كمواطنين. إذاً فالناس الذين يطالبون بالخدمات على أنها حق من حقوقهم ويطالبون بمساءلة الحكومة و الوزراء الذين فشلوا في تقديم تلك الخدمات، يتم تجاهلهم أو استبعادهم، أو لا يتم الاعتراف بهم. ولا يمكن فهم بيان الوزير المذكور إلا ضمن هذا السياق.

في الواقع، السؤال الحقيقي المطروح هو التالي: من تمثّل النخبة السياسية في المقام الأول في بلد تشكل الانتخابات فيه فرصة للنخبة السياسية لاختيار جمهور ناخبيها بدلاً من أن تكون فرصة للمواطنين كي ينتخبوا ممثليهم؟ ففي نهاية المطاف، لطالما قامت الأحزاب السياسية بهندسة طريقها إلى السلطة من خلال قانون انتخابي مكيّف يضمن لها الحصول على الأصوات عن طريق التقسيم الكيفي للدوائر الانتخابية، وفرز الأصوات، وشراء الأصوات خلال موسم الانتخابات، واستخدام الخطاب الطائفي لزرع الخوف في صفوف ناخبيها بحيث تحتشد وتتوجه الى مراكز الاقتراع. هذه الاستراتيجيات الانتخابية قد أحجمت فعلاً غالبية الناخبين عن التعبير عن تفضيلاتهم الحقيقية. في الواقع، معظم استطلاعات الرأي تظهر باستمرار أن عدد المواطنين اللبنانيين الذين يثقون بالحكومة والبرلمان لا يتجاوز 10٪.

وإذ فشلت الحكومة في التغلّب على المتظاهرين حتى الآن، لجأت بشكل مخجل إلى استعمال العنف لإسكات الناس. فقد ضربت المواطنين، واتهمت المعتقلين بأنهم مدمنو مخدرات، وأجبرتهم على الخضوع لفحص البول لإثبات براءتهم. يظهر سلوك الأجهزة الأمنية أنها في أحسن الأحوال غير كفؤة لحماية حرية التعبير وحقوق الإنسان، فيما تقوم بحماية النخبة الحاكمة. هذا الأمر يطرح أسئلة جادة حول جميع الاستثمارات التي قامت بها الجهات المانحة الدولية لإصلاح القطاع الأمني وكيف ينبغي أن يتمحور الإصلاح حول الناس. تفترض المساءلة كشف معلومات حول مصير هذه الأموال، كيف تم إنفاقها، وكيف أثرت على أداء الأجهزة الأمنية في التعامل مع هذه الأزمة.

وعندما فشلت الطرق القمعية لوضع حدّ للاحتجاجات، ذهب وزير الداخلية الى أبعد من ذلك من خلال وصف المتظاهرين بالأجانب - ويا لها من مفارقة سيّما أن الحكومة الحالية وسابقاتها في لبنان تشكّلت جزئياً من خلال التدخّل الأجنبي – في محاولة لتشويه سمعتهم فيما لمّح إلى أنّ التمويل يأتي من بلد عربي صغير. ما لم يستوعبه وزير الداخلية والحكومة هو أنّ المتظاهرين هم جماعات محلية تشعر بالاحباط من نظام الحكم الفاسد. وتشير تصريحات الزعماء السياسيين مرة أخرى إلى مدى انقطاعهم عن المجتمع وإصرارهم على تفسير هذا الحراك من المنظور الضيق للسياسة الطائفية والمؤامرات الخارجية، متى ناسبهم ذلك، لتبرير ضرورة وجودهم في هذا النظام المفلس. في الواقع، يعبّر المتظاهرون عن شعور الغضب والإحباط لدى الأغلبية الصامتة التي بكل بساطة قد ضاقت ذرعاً بالحالة الراهنة.
 
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.