Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله , المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


February 2016
انتخاب الرئيس ليس الحل

 نعم، سمير جعجع فعلها. في 18 كانون الثاني 2016، أعاد ربط أواصر لطالما اعتقد الكثيرون أنها ستبقى مفككة الى الأبد، ورشّح لرئاسة الجمهورية ميشال عون، خصمه اللدود من حركة 8 آذار. من الواضح أن هذا ليس بالأمر السهل بالنسبة الى شخصين تقوم بينهما حرب ساخنة وباردة منذ ثلاثين عاماً. وسرعان ما تجنّد النقاد لتقويض هذا الاتفاق وتصوير آخر اجتماع بين الطرفين على أنه مصالحة ضمن الطائفة المسيحية المنقسمة في لبنان، آملين أن يعطوا هذا الحدث الذي روّج له كثيراً، معنىً يتجاوز النطاق السياسي. إلا أن الواقع يختلف كلياً. في الحقيقة، هذه صفقة سياسية بين شخصين يحتقر كل منهما الآخر  كل الاحتقار ومع ذلك هما على استعداد لوضع العداء بينهما جانباً لمنع خصمهما الثالث، سليمان فرنجية، من الوصول الى سدّة الرئاسة.
 
أتى الاتفاق بين عون وجعجع كردّ على صفقة سياسية منفصلة ومحرجة، حيث أعلن سعد الحريري دعمه ترشيح خصمه من 8 آذار لرئاسة الجمهورية في تشرين الثاني 2015. ووفقاً لبعض المصادر، من شأن هذه الصفقة أن تضع فرنجية في بعبدا والحريري في السراي الحكومي، مع قانون انتخابي يضمن ترسيخ التركيبة السياسية الحالية. على الرغم من خلافاتهما السياسية، هذان الرجلان قادران على التعامل معاً، كونهما ينتميان الى نفس النسيج السياسي. فترشيح بعضهما البعض يعني القيام بالأعمال كالمعتاد (business as usual) مع ما يتضمنه ذلك من توزيع للمال والخدمات من غير إرساء أي عمليات إصلاحية.

وبعد هذه الجولة الأخيرة من المساومات، تسبّب هؤلاء الأربعة ببعثرة ما تبقى من ما يعرف بانقسام 8 و 14 آذار مع تحويل الاهتمام الآن إلى كيفية قيام الأطراف بالاختيار بين المرشحين الرئيسيين. يبدو أولاً أن تأييد الحريري لترشيح فرنجية أتى نتيجة سوء تقدير للأمور، لأنه خسر في طريقه زميله المسيحي من 14 آذار. ثانياً، أصبح الضوء مسلطاً على حزب الله كي يكشف أخيراً عن نواياه الحقيقية ويظهر ما إذا كان يريد حقا أن يكون عون رئيساً للبلاد. بعبارة أخرى، هل إن دعم حسن نصر الله للعماد عون حقيقي أو كان الحزب يراهن على عدم تبلور الظروف التي تجعل من عون رئيساً؟ ورداً على دعم جعجع للعماد عون، اعترض كلّ من نبيه بري ووليد جنبلاط على الاتفاق، على أمل أن يقطعا على عون الطريق الى بعبدا .

سواء توّجت هذه التحركات السياسية والتحركات المضادة منذ قيام الحريري بدعم فرنجية وقيام جعجع  بدعم عون بملء الفراغ الرئاسي أم لا، يبقى أمران أساسيان: أولاً، الانقسامات السياسية التي حاكها السياسيون، والخطوط الحمراء التي رسموها، واستقطاب المجتمع خلال السنوات العشر الماضية، كلها أساسات تسمح لهم بالبقاء في السلطة بدلا من خدمة ناخبيهم أو خدمة لبنان بشكل عام. عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الخاصة، يصبح الزعماء السياسيون في لبنان من كل المشارب على استعداد لخرق الخطوط الحمراء وتغيير خطابهم على النحو الذي يرونه مناسباً كي يحافظوا على وجودهم السياسي وازدهارهم المالي. هذه ليست بالظاهرة الجديدة، لكن لا بدّ من تذكير الناخبين الى أيّ مدى لا تأبه بهم النخبة السياسية التي تتخذ القرارات التي تتعارض ورواياتهم المعلنة ، فيبقى الناخبون في حيرة من أمرهم في أحسن الأحوال، أو يردّدون الخطاب الجديد كالببغاء في أسوأ الأحوال.

ثانياً، وجود رئيس للجمهورية لن يحل مشاكل لبنان السياسية والاقتصادية. إن مشاكل الحوكمة في لبنان بنيوية في أساسها، وهي متجذّرة الى حدّ لا يسمح لانتخابات رئاسية بإحداث تغيير حقيقي وجوهري. لذا فإن ملء الفراغ الرئاسي يرقى إلى استبدال قطعة من آلة معطوبة. في لبنان، الغرض الرئيسي من المناصب السياسية الثلاثة الأساسية، أي رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب، ورئاسة مجلس الوزراء، هو توزيع الموارد على زعماء الطوائف بدلاً من تلبية احتياجات الناس والمصلحة العامة. وبالتالي، فإن التنافس العنيف حول الرئاسة هو حول من سيأخذ حصة الأسد من المصادر الريعية باسم الطائفة المسيحية.

إن جعل الزعماء المسيحيين يختارون مرشحهم في إحدى أهم مؤسسات الدولة، بدلاً من أن يختاره زعماء غير مسيحيين، قد يرفع من معنويات المسيحيين من غير أن يحسّن من وضعهم فعلاً. فالأحزاب المسيحية تمارس الزبائنية والطائفية بقدر نظرائها الآخرين، مما يعني أنّ قادة الأحزاب سوف يخدمون مجموعة صغيرة من اتباعهم من خلال التعيينات والعقود مقابل ولائهم السياسي، وسيوظفون الخطاب الطائفي لحشد بقية ناخبيهم أثناء الانتخابات. فبدلاً من الإشادة بهذه المصالحة واعتبارها اتفاقية تاريخية من شأنها أن تعزز الوحدة المسيحية ومنع الزعماء السياسيين غير المسيحيين من تحديد الشخص الذي سيصل الى سدّة الرئاسة، لا بد من التساؤل الى أي حدّ سيسمح ذلك بمساعدة المسيحيين واللبنانيين بشكل عام. بغضّ النظر عما إذا كان الغرض من هذه الصفقة حصول جعجع على نصيبه من دعم التيار الوطني الحر له في المستقبل، أو اتفاق الطرفين على تقاسم موارد الدولة وفقاً لمعايير المحاصصة، يبدو واضحا أن الاتفاق بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر ليس بالصفقة المناسبة للمسيحي العادي.

أكثر من 26 عاماً مضى على قيام هذا النظام السياسي على مبدأ تقاسم الموارد الريعية بين أفراد النخبة السياسية، وقد شكّل مصدراً لاستقرار سياسي نسبي، لكن هذا النظام قد فشل فشلا ذريعاً في تأمين الخدمات العامة للمواطنين وتحسين معيشتهم. والسبب الأبرز هو غياب الحوافز التي تحث السياسيين على القيام بذلك. بعبارة أخرى، طالما استحال على الناخبين مساءلة السياسيين عن فشلهم في ضمان وتقديم خدمات افضل، من خلال آليات انتخابية وتنظيمية فعّالة، سيبقى هذا النظام يخدم فقط مصالح الطبقة السياسية. بالفعل، في نهاية المطاف يستوعب الناخبون التحالفات الجديدة التي تقيمها النخبة وخطاباتها ،  فيبقون مستقطبين حول اختلافات طائفية مركبة ومفبركة.

وعند النظر إلى الصورة بشكل عام، لا بدّ من أن نؤكد، مرة أخرى، على أن النظام الطائفي ليس هو مصدر مشاكلنا. بل هو نظام حكم القلة الذي يختبئ وراء النظام الطائفي ويمأسسه لخدمة غايات النخبة السياسية والمالية. فوراء كل الخطابات، تبقى العلاقات بين السياسيين وديّة نسبياً فيما تبقى مشلولة أو غائبة كلياً الهيكليات التي من المفترض أن تضمن قيام السياسيين بتمثيل ناخبيهم بشكل منصف وملائم. قد يعطي انتخاب الرئيس شعوراً بعودة الحياة إلى طبيعتها ولكن في نهاية المطاف، سيزداد وضعنا سوءاً مع تفاقم مشاكلنا وتراجع سبل عيشنا، فيما لا يشعر من هم في السلطة بأنهم ملزمون أو مسؤولون عن معالجتها، ناهيك عن تقديم الحسابات لنا.
 
 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.