Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله , المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


February 2016
هل يمكن للبلديات أن تأخذ على عاتقها أزمة اللاجئين؟

 
بعد مرور خمس سنوات على الأزمة السورية التي تدفّق خلالها أكثر من مليون لاجئ إلى لبنان، لا بدّ من الإشارة الى أمرين بارزين: أولاً، العجز الصارخ في تعامل الحكومة المركزية اللبنانية مع أزمة اللاجئين، إذ تراوحت سياساتها بين التنكّر للمشكلة واللامبالاة بها في المراحل الأولى من الأزمة وصولاً إلى تشكيل لجنة وزارية لم تضع حتى الآن استراتيجية لمواجهة المشكلة مباشرةً. والى جانب إغلاق الحدود وفرض القيود القانونية على اللاجئين السوريين، يعود عجز الحكومة بشكل كبير إلى المشاحنات بين الأحزاب السياسية التي أوصلت البلاد، كغيرها من القضايا، إلى حالة من الشلل. ثانياً، وفي هذه الأثناء، ونتيجةً للمشكلة الأولى، تحوّل اللاجئون بحكم الأمر الواقع الى مشكلة محلية، مما ترك العديد من البلديات أمام تحديات هائلة لا تنطوي على إدارة شؤون اللبنانيين المحليين وحسب بل أيضاً شؤون اللاجئين.
 
وقد رحّب بعض المسؤولين الحكوميين بالدورٍ الأكبر للبلديات في هذه الأزمة، إذ اعتبروا أن البلديات هي الآن "أداة للتنمية". وبقدر ما يصحّ هذا القول، يبقى السؤال مطروحاً: هل البلديات قادرة على التعامل مع أزمة اللاجئين، وبخاصة في المناطق حيث تتجاوز أعدادهم عدد اللبنانيين بشكل كبير؟ بعبارة أخرى، هل تتمتّع البلديات بالقدرات الإدارية والموارد المالية التي تسمح لها بمواجهة هذه التحديات؟
في الواقع، يقيّد قدرة البلديات على التعاطي مع أزمة اللاجئين عنصران: ضعف الهيئات الإدارية التي تعجز عن توفير الخدمات الملائمة، فضلاً عن ضعف الإيرادات البلدية. وهذان العنصران يغذيان بعضهما البعض، حيث أن الإدارات الضعيفة تقيّد عملية تحصيل الإيرادات المحلية فيما تحول الموارد المالية الضئيلة دون إنشاء هيئات إدارية سليمة.
 
قبل التوقّف عند هذه المشاكل، لا بدّ من تسليط الضوء على كون البلديات تعاني من مشكلة هيكلية، إذ يكثر عدد البلديات الصغيرة التي لديها قاعدة ضريبية ضعيفة جداً كي تتمكّن من الاضطلاع بواجباتها التي ينص عليها القانون وكي تكون مستقلة مالياً، وهذان عنصران أساسيان لتحقيق اللامركزية. يضمّ لبنان ما يزيد عن ألف بلدية، أي خمس وعشرون مرة أكثر من قبرص (التي تضم أربعين بلدية) التي توازي مساحتها تقريباً مساحة لبنان، وأكثر من ضعف عدد البلديات في كرواتيا التي تبلغ مساحتها خمسة أضعاف مساحة لبنان. وعلاوة على ذلك، يضم 70٪ من هذه البلديات أقل من أربعة آلاف شخص مسجّل. مما يعني أن هذه البلديات لا تملك قاعدة ضريبية تسمح لها بتوليد الإيرادات الخاصة بها. في الواقع، 90٪ من إيرادات هذه البلديات الصغيرة تأتي من الصندوق البلدي المستقل. مع هذا الضعف في تدفق الإيرادات، تعجز البلديات عن بناء الإدارات واستخدام الموظفين لتأدية الواجبات الملقاة على عاتقها، إن شاءت ذلك.
 
ولو نظرنا عن كثب الى الإدارات البلدية القائمة، لوجدنا أن عدداً كبيراً من البلديات لا يستطيع توفير الخدمات التنموية، إما بسبب ضعف إداراتها أو بسبب الثقل البيروقراطي فيها. تلك الإدارات الضعيفة تضمّ عدداً ضئيلاً من الموظفين بدوام كامل، ما متوسطه ​​أربعة موظفين. كما تعاني بلديات كثيرة من الشغور، حيث أن 400 منها تضم موظفاً واحداً فقط و87٪ منها تضم ستة موظفين. بعبارة أخرى، 13٪ فقط من البلديات، وعددها 130 تقريباً، يضم أكثر من ستة موظفين، وهو العدد المعياري المطلوب لتنفّذ الإدارة البلدية واجباتها. كما أن نصف البلديات فقط بذل جهداً لتكوين كادر موثوق به من الموظفين، وتشير إحدى الدراسات الاستقصائية الجديدة نسبياً الى أن 70٪ من البلديات بحاجة إلى موظفين جدد. باختصار، للبلديات هيكلية إدارية ضعيفة جداً كي تتمكّن من التعامل مع العدد الكبير من اللاجئين الموجودين على أبوابها، ناهيك مع سكّانها من اللبنانيين.
 
وعلاوة على ذلك، يعتمد العديد من البلديات على العاملين بدوام جزئي عوضاً عن الدوام الكامل، مما يزيد الضغط على قدراتها الإدارية والمؤسسية. وتبلغ حصة العمال المؤقتين إلى العدد الإجمالي للموظفين حوالي 50 ٪ مقارنة بحوالي 28 ٪ من الموظفين بدوام كامل .
 
وفيما يعجز العديد من البلديات عن توفير الخدمات بسبب الضعف الإداري، يواجه البعض الآخر المصير نفسه لسببٍ آخر، إذ تعاني تلك البلديات من فائض في عدد الموظفين الذين يستهلكون جزءاً كبيراً من ميزانيتها، مما يعيق قدرتها على القيام بمشاريع تنموية. هذا حال بلديات صور، وبرج حمود، والدكوانة، حيث يتجاوز عدد العاملين بدوام كامل ومؤقت على حدّ سواء المائة عامل، وهو عدد أعلى بكثير من المعدل الوطني الإجمالي. ويبلغ متوسط ​​الحصة الإدارية لمجموع نفقات هذه البلديات حوالي 60٪ بالمقارنة مع 20٪ في بلديات أخرى تفتقر الى الموظفين.
 
ضعف الإدارة هو من ضعف العائدات التي تتراوح حول 6٪ من إيرادات الحكومة المركزية، وهي نسبة قليلة مقارنةً بمعدل متوسط يزيد عن 25٪ في بلدان أخرى. ولزيادة الإيرادات البلدية، يدور أغلب الحديث حول الصندوق البلدي المستقل وما إذا تحول الحكومة الأموال الموجودة فيه أم لا. لكن ينبغي أن يكون التركيز في مكان آخر. فعلى الرغم من أن التركيز على توزيع أموال الصندوق أمر مهم، لا بد أيضاً من تسليط الضوء على حجمه، أي ما هي نسبة الأموال التي ذهبت إلى الصندوق في المقام الأول، وهذا يبقى سرّ من أسرار الدولة. أيضاً، لا بدّ من مناقشة معايير التوزيع التي يعتمدها الصندوق، حيث تقوم حالياً على السكان المسجّلين والإيرادات المحصّلة في العامين الماضيين. تأتي المعايير الحالية لصالح البلديات التي تضم عدداً كبيراً من السكان المسجلين وبالتالي تجبي نسبة أكبر من الإيرادات المباشرة. وكون هذه المسألة تعتمد بشكل كبير على العقارات، أي رسوم القيمة التأجيرية على الوحدات السكنية والتجارية، فهذا يعني أن المعايير تأتي لصالح المناطق الحضرية بدلاً من المناطق الريفية.
 
يجب أن تكون زيادة الإيرادات المحلية شأناً محلياً. أي أن على البلديات بذل الجهد لتحصيل رسومها الخاصة بشكل مباشر. وتعتمد البلديات على ستة وثلاثين رسماً مباشراً، منها ثلاثة رسوم تشكّل 85٪ من إجمالي الإيرادات المحصّلة. أما الضعف في تحصيل الإيرادات المباشرة فينطوي على مجموعة خاصة من التحديات التي تشمل تقدير العقارات، وتحصيل الرسوم، وإدارة الحسابات. فعلى سبيل المثال، معظم البلديات عاجزة عن إعادة تقدير الممتلكات، السكنية والتجارية منها، من أجل إعادة النظر في رسوم القيمة التأجيرية ، علماً أنها مصدر مهم للدخل. يجب أن تكون البلديات قادرة على إحصاء عدد الوحدات السكنية والتجارية، وتطوير معايير التقدير، وإعادة النظر في قيم الممتلكات كل ثلاث إلى خمس سنوات. لا شيء من هذا يحدث في معظم أو جميع البلديات في لبنان. ولا تقتصر المشكلة على الإيرادات بل أيضاً على إعداد الموازنة وتنفيذها، كون البلديات عاجزة عن الفصل بين الوظائف الإدارية والتنفيذية لضمان عدم وجود تضارب واضح في المصالح.
 
كي تلعب  البلديات دوراً تنموياً، لا بدّ من إجراء إصلاحات كبيرة على مختلف المستويات. من المفترض أن تكون البلديات قادرة على جمع ما يكفي من الإيرادات لبناء جهاز إداري قادر وفعّال. ولكنها تحتاج الى هيئة إدارية تكون قادرة على جمع الإيرادات. من هنا ضرورة الحصول على المساعدة من الحكومة المركزية، مما يؤدي إلى الإصلاحات الجادة القادرة على رفع الإيرادات البلدية من خلال قيام الصندوق البلدي المستقل بتوزيع الايرادات بشكل أفضل وفي الوقت المناسب، فضلاً عن تذليل العوائق في استخدام موظفي البلديات. واذا كانت الحكومة المركزية قد فتحت عينيها أخيراً لتعتبر أن البلديات هي أداة للتنمية، ينبغي عليها أن تخطو خطوة الى الأمام وتمكّن البلديات من تحمّل عبء التنمية بشكل فعّال.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.