Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


May 2016
على الرغم من الخسارة في صناديق الاقتراع، تحمل "بيروت مدينتي" أملاً في التغيير

 في الثامن من أيار 2016، جرت في لبنان الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في بيروت والبقاع في وقتها المحدد. جاءت النتائج في بيروت ملفتة للنظر. فعلى الرغم من فوز لائحة "البيارتة" في الانتخابات، والتي تحظى بدعم النخبة الحاكمة وعلى رأسها رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، فإن الطبقة السياسية الراسخة قد فقدت الكثير من شرعيتها. وعلى النقيض من ذلك، نجحت "بيروت مدينتي" التي خسرت في الانتخابات، والمؤلفة من مجموعة من الخبراء والناشطين الذين يخوضون الانتخابات للمرة الأولى، في الاستيلاء على قلوب المواطنين الذين يؤمنون بأن التغيير الحقيقي والفعلي ممكن.
 
من الضروري هنا شرح سبب اعتبار ذلك انتصاراً سياسياً. فمن جهة، تمكّنت مجموعة من الخبراء والناشطين الهواة في مجال السياسات الانتخابية من تحدّي أربعة عشر حزباً وممثلاً عن الطوائف في الانتخابات. من جهة أخرى، أظهر الناخبون أنهم على استعداد للإدلاء بأصواتهم لصالح مجموعة مستقلة وغير معروفة من الأشخاص الذين ترشحوا على أساس برنامج محدد عوضاً عن التركيز على الخطاب الطائفي أو الاعتماد على شبكات الزبائنية.
 
أعطت "بيروت مدينتي" و"مواطنون ومواطنات في دولة"، وهي اللائحة البديلة التي ترأسها الوزير السابق شربل نحاس، صوتاً لداعمي مرشحي السياسات البديلة، وقد تخطى عددهم توقعات الكثيرين. ولا تقتصر تلك الأفكار على الحدود الانتخابية للعاصمة. ففكرة التصويت لسياسيّ مستقل لديه برنامج سياسي محدّد قد لاقت صدى لدى مناطق أخرى في البلاد وحتى لدى الشتات اللبناني. في الواقع، تبرّع أكثر من 500 شخص لحملة "بيروت مدينتي" عبر شبكة الانترنت. هذه المجموعات هي مصدر إلهام لإحداث تغيير في نظام حكم الأقلية التي، وفي حال لم يحصل هذا التغيير، ستظل تحكم قبضتها على السلطة وتسيطر على قرار السماح بدخول أي كان المعترك السياسي.
 
بالنظر عن كثب الى النتائج الأولية، حصدت "بيروت مدينتي" حوالى 32 ألف صوت من أصل 92 ألفاً، أي أكثر من الثلث بقليل. وقد نجحت في تقليص الفارق مع لائحة "البيارتة" بسبعة آلاف صوت. وحيث أنّ نسبة المشاركة قد بقيت على حالها تقريباً (زيادة بنسبة 2٪) كالعام 2010، فقد تلقّت النخبة الحاكمة صفعة قوية مع انخفاض مؤيديها من 62 ألفاً في العام 2010 إلى 43 ألفاً في 2016. وقد يعود ذلك الى عامل أو مزيج من عاملين: سواء فضّل الكثير من أنصار "البيارتة" لائحة "بيروت مدينتي" على لائحة "البيارتة"، أو أن الكثير من أنصار "البيارتة" لازموا منازلهم فيما نجحت "بيروت مدينتي" في تعبئة الناس الذين لم يصوّتوا في العام 2010.
 
وبالتركيز على الدوائر الانتخابية، حصدت "بيروت مدينتي" في دائرة بيروت الأولى التي تضم الأشرفية والرميل والصيفي، 60 ٪ من الأصوات. وبالرغم من غياب بيانات استطلاعية بعد الاقتراع، لم تتردّد الأحزاب السياسية وجهابذة الاعلام من تحليل النتائج على النحو الذي يرونه مناسباً. فعلى سبيل المثال، تم تفسير خسارة دائرة بيروت الأولى لصالح "بيروت مدينتي" من منظور سياسي طائفي محض، مع تجاهل احتمال وجود تبريرات اجتماعية واقتصادية ومع التغاضي عن  امكانية كون الناخبين يعبرون عن شعورهم العميق بالإحباط تجاه أداء النخبة السياسية. والأسوأ من ذلك هو أن هؤلاء المحللين ينظرون الى الناخبين كسلعة تتاجر بها الأحزاب في سوق السياسة. إلا أن حصد 37 ٪ من أصوات دائرة بيروت الثالثة التي تضم المزرعة والمصيطبة ورأس بيروت وزقاق البلاط وميناء الحصن وعين المريسة، ذات الأكثرية السنية ومن ذوي الدخل المنخفض، قد شكّل ضربة قوية للحريري الذي تعرّضت قاعدته السياسية لتهديد مباشر.
 
يعود نجاح "بيروت مدينتي" في جزء كبير منه الى تمكّنها من مواجهة "العدو الداخلي". فتميل معظم مبادرات المجتمع المدني الى التبدّد أو الانهيار بسبب فشل أعضائها في حل الصراعات الداخلية. وتنشأ بعض هذه الصراعات نتيجة تضارب الرؤى والاستراتيجيات كما ويعود الكثير منها للأسف الى الغرور. أما "بيروت مدينتي" فقد تجاوزت هذا التحدي في الأغلب بفضل بنيتها الداخلية التي ساعدت في حل النزاعات من خلال تقسيم الأدوار فضلاَ عن اعتماد آلية تشاركية في اتخاذ القرار بحيث تُتخذ القرارات الرئيسية على أساس مبدأ التصويت. ويوجد عامل رئيسي آخر، غير مرئي للكثيرين، ساهم في نجاح "بيروت مدينتي" وهو الدور القيادي للمرأة. بقدر ما ساعد آلاف المتطوعين في هذه المبادرة، لا بدّ من الاعتراف بدور المرأة في وضع برنامج ورؤيا "بيروت مدينتي"، وتقديم المشورة القانونية في جميع مراحل العملية، وصياغة معايير اختيار مرشحي اللائحة، وتوصيل "بيروت مدينتي" الى الجمهور على نطاق أوسع، ومساءلة المسؤولين عن الفرز خلال الساعات الطويلة قبل الإعلان الرسمي عن النتائج، من بين أمور أخرى.
 
وعلى الرغم من النجاحات النسبية التي سجّلتها "بيروت مدينتي"، أظهر اليوم الانتخابي السبب وراء استمرار المشاكل البنيوية الخطيرة في نظام الاقتراع في لبنان. صحيح أن الحكومة احترمت أخيراً المهلة الدستورية وأجرت الانتخابات البلدية – مما يلغي سبب عدم إجراء الانتخابات البرلمانية المتمثّل بالمخاوف الأمنية - لكنها فشلت في فرز الأصوات بشكل فعّال. وعلى الرغم من استثمار ملايين الدولارات في العملية الانتخابية خلال العقد الماضي، تبيّن في الأيام القليلة الماضية أن النظام قد مرّ عليه الزمن. فرؤساء الأقلام غير مدرّبين وقد استخدموا أساليب غير فعّالة لفرز الأصوات. والأسوأ هو الإفادة عن نقل بعض صناديق الاقتراع في سيارات مدنية، مما يثير تساؤلات جدية حول نزاهة النظام. وفي مجمّع "البيال" حيث تم فرز الأصوات، لزم الأمر 36 ساعة لتعداد 92 ألف صوت فقط، بسبب بدائية النظام. وقد يتساءل المرء عما كان سيحدث لو كانت نسبة الاقتراع أعلى. هذا يسلط الضوء على قضايا أكبر لم يتم التطرق لها في نظامنا الانتخابي، تترك المجال واسعاً أمام شراء الأصوات وتزوير الانتخابات. على سبيل المثال، يحق لكل مرشح بمندوب في كل مركز اقتراع ومندوب آخر متنقّل بين ثلاثة مراكز اقتراع. هذه الممارسة المقبولة عموماً حيث يتقاضى المندوبون أجر يوم كامل من العمل، تترك المجال مفتوحاً أمام شراء الأصوات. برز ذلك بوضوح في شريط الفيديو الشهير الذي عرضه تلفزيون "الجديد" والذي يظهر مواطنين يعلنون صراحة أنهم مسجلون كمندوبين، علماً أنهم على الأرجح تلقّوا المال للتصويت للائحة "البيارتة". ويضاف إلى ذلك حقيقة مفادها أن وزارة الداخلية والبلديات اختارت عدم تشكيل هيئة إشراف على الحملات الانتخابات لتسجيل الانتهاكات. فضلاً عن رفض الحكومة استخدام أوراق الاقتراع المطبوعة رسمياً والتي تسمح للناخبين باختيار مرشحيهم بوعي وإدراك تامين، ما يشكل محاولة لإجبار الناخبين على التصديق على قرارات الأحزاب بشأن المرشحين.
 
في هذا الجو السائد، على المواطنين والناخبين اللبنانيين أن يدركوا أن "بيروت مدينتي" ليست محاولة عابرة لإحداث التغيير. فهي جزء من حركة أكبر داخل المجتمع تناضل من أجل تحسين العيش منذ عدة سنوات. وعلى الرغم من أن "الحراك" المكوّن من ناشطين ومن منظمات من مجتمع المدني الذين شاركوا في احتجاجات صيف 2015، قد أعطى دفعاً لتشكيل "بيروت مدينتي"، فهذه الحركة لديها جذور أعمق لدى الأفراد والجماعات الساعين لتغيير بيروت نحو الأفضل منذ فترة. فقد بنت "بيروت مدينتي" على تجارب سابقة بينها حملة تنظيم الانتخابات البلدية عام 1997 والعديد من المحاولات الأخرى لإصلاح القوانين وللضغط من أجل تغيير السياسات على المستوى البلدي والمدني. وبالتالي، لا بدّ من أن ننظر الى "بيروت مدينتي" على أنها تراكم للخبرات والمعارف التي بنتها وتستمر ببنائها منظمات المجتمع المدني.
 
لا يأتي التغيير من العدم، وهذه ليست سوى خطوة نحو الإصلاح الحقيقي في لبنان. والآن، علينا أن نتصرّف على أساس ما تعلمناه من هذه الجولة من الانتخابات مع تخفيف التركيز على تغيير القناعات السياسية والطائفية لدى الناخبين والعمل على توفير بدائل للطبقة السياسية الراسخة مبنية على أهداف برنامجية من شأنها أن تعود بالنفع الى كافة المواطنين.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.