Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


ريكاردو خوري, مهندس بيئي وشريك مدير في مجموعة إيلارد الاستشاريّة


July 2016
استكمال نظام الحماية البيئيّة في لبنان

إن احتياطي النفط، الذي يحتمل تواجده بوفرة قبالة الشاطئ اللبناني، دفع بالكثيرين إلى التفكير في كيفيّة استفادة البلاد من استخراج هذه الموارد العالية المردود. ولكن، مع إطلاق أعمال التنقيب بشكل جدي، لا بدّ من الإقرار بأنّ نشوء القطاع النفطي من شأنه أن يترافق مع عدد من المخاطر البيئيّة الّتي يتعيّن على لبنان الاستعداد لها.

ونظرًا لاستخراج النفط الذي يتم في بيئة نائية وصعبة قبالة الشواطئ، فإن هذه العمليّة قد تؤدّي إلى مجموعة من الآثار السلبيّة على الحياة البريّة، والمياه البحريّة، وحتّى البشر، حيث يتسبب التنقيب البحري بأضرار في الموائل الّتي تعتمد عليها الحياة البحريّة عند حفر آبار التنقيب على سبيل المثال، أو قد يتسبب بتغيّرات سلوكيّة لدى بعض الحيوانات عند استخدام المدافع الهوائيّة خلال إجراء المسوح الزلزاليّة. وخلال مرحلة الإنتاج، يمكن أن يكون للمنصّات البحريّة أثراً على أنماط ارتحال الطيور المهاجرة، كما يمكن للانبعاثات أن تؤثّر سلبًا على جودة الهواء. أمّا تصريف المياه الناتجة عن عمليات التنقيب، فمن شأنها أن تتسبّب بتدهور جودة المياه البحريّة أو بإحداث نشاط زلزالي عند ضخّها في التكوينات الصخريّة العميقة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد  تتعرّض آبار الغاز لانفجارات أو تحدث تسّربات نفطيّة أو كيميائيّة، ولذلك آثار سلبيّة طويلة الأمد ليس على البيئة البحريّة وحسب، بل على السياحة ومصايد الأسماك أيضاً. وقد تؤدّي النشاطات النفطية أيضاً إلى زيادة كبيرة في بصمة الكربون اللبنانيّة وانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، في حين أنّ المرحلة الراهنة تشهد بذل جهود عالميّة للحدّ من التغيّر المناخي.

وباختصار، ثمّة مجموعة من المخاطر البيئيّة الّتي قد تنشأ عن استخراج  النفط، ما يعني أن الحاجة تدعو إلى وضع أنظمة ملائمة. والواقع أنّ نظام حماية البيئة في لبنان يستوفي المعايير الدوليّة في نواحٍ شتّى منه، وهو مؤشّر واعد بالنسبة إلى البلاد. ولكن، هناك ثغرات لا بدّ من معالجتها لضمان استعداد مؤسسات الدولة المعنيّة لإدارة التحديات البيئيّة المحتملة والمتّصلة بإدارة القطاع.

ولهذه الغاية، لا بدّ من اعتماد تشريعات مختلفة وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية. ورغم أنّ التشريع المعمول به يغطيّ معظم الجوانب البيئيّة المتّصلة بقطاع النفط والغاز، فهو يغفل بعض المتطلّبات، كإدارة المقشتات والسوائل الناشئة عن الحفر، والمياه المنتجة، ومخلفات المواد المشعة الطبيعيّة المنشأ، والتخلّص منها. هذه هي أبرز فئات الملوّثات الناشئة عن قطاع النفط البحري، ومن الضروري إصدار التشريعات المتعلقة بإدارة تلك الملوَثات لإرساء الخطوط التوجيهيّة الخاصة بقطاع النفط والغاز في هذا الصدد.

أمّا لجهة إجراءات التراخيص، فعلى الرغم من أنّ متطلّبات الاستحصال على الرخص المختلفة واردة في التشريعات اللبنانيّة ذات الصلة، إلاّ أنّ نطاق إصدار هذه الرخص وشروطها وإجراءاتها لم تُحدّد بعد. على أنه يتعين إيلاء الأولويّة لذلك، إذ لا يجوز الشروع بأنشطة في قطاع النفط والغاز في غياب إجراءات ترخيص بيئيّة محدّدة.

وفيما خصّ دراسات تقييم الأثر البيئي، من الأهميّة بمكان الإتفاق حول ما إذا كان من الضروري اشتراط إجراؤها لمرحلة التنقيب، ولا سيّما فيما يتعلّق بنشاطات حفر آبار التنقيب، التي يمكن أن يتأتى عنها آثار بيئيّة مهمّة إذا لم تتمّ إدارتها بالشكل الملائم. ذلك أنّ سوء معالجة هذه المسألة قد يؤدّي إلى معارضة شعبيّة كبيرة وتأخير في مرحلة التنقيب، علماً بأنّ تشريعات تقييم الأثر البيئي هي أيضاً ملائمة ولا تتطلّب تعديلات، ولكن لا بدّ من تطوير خطوط توجيهيّة محدّدة لإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي لمختلف الأنشطة النفطية.

ومن حيث آليّات الرقابة والإنفاذ والتحقق، فيجب تحديد المسؤوليّات لمختلف الأطراف المعنية من أصحاب العلاقة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توقيع مذكّرات التفاهم بين هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان والوزارات المعنيّة، سيّما منها وزارة البيئة. وفي حين أنّ الهيئة مسؤولة عن الرقابة والتفتيش على صعيد النشاطات، فلا بدّ من تمكين وزارة البيئة من رصد التغييرات في المؤشّرات البيئيّة، كما يتعيّن عليها إجراء عمليّات تدقيق وتفتيش دوريّة وغير معلن عنها لضمان المطابقة مع شروط الرخص الممنوحة وخطط الإدارة البيئيّة المقترحة في دراسات تقييم الأثر البيئي، بالإضافة إلى إصدار تقارير المطابقة السنويّة كأساس لاحتفاظ شركات النفط والغاز بالتراخيص النفطية. إلى ذلك، يجب تحديد إجراءات الاستعانة بطرف ثالث لإجراء التفتيش، في حين يتعيّن اعتماد منظّمة مستقلّة لإجراء التحقيقات في الحوادث.

ومن الضروري أيضاً وضع وثيقة إرشاديّة مفصّلة استعداداً لحالات الطوارئ والاستجابة لها، والتي تحدد إجراءات الطوارئ والأدوار والمسؤوليّات لمختلف مستويات الطوارئ، بالإضافة إلى تمكين السلطات المعنيّة وتعزيز قدراتها لتولّي هذه الأدوار. ولا بدّ أيضاً من إرساء الآليّات الهادفة إلى تعزيز التعاون الحدودي في مجال الإدارة البيئيّة، مع الأخذ بالاعتبار تعقّد الوضع الجيوسياسي في منطقة شرقي المتوسّط.
فلا داعٍ لأن ينطوي استخراج النفط على مخاطر غير مبررة من الناحية البيئيّة إذا ما تمّ اتّخاذ الإجراءات الملائمة لضمان السلامة وحماية البيئة. وبغية ضمان تحقيق لبنان الاستفادة القصوى من هذه الموارد المحتملة، يتعيّن تعزيز نظام الحماية البيئيّة في البلد من خلال أخذ تجارب البلدان الأخرى بالحسبان. وإذا ما اقترن ذلك بتوفير التدريب الملائم للمؤسسات الحكوميّة المكلّفة بالرقابة، فمن شأنه أن يكمّل نظام الحماية البيئيّة القائم والذي يعتبر سليماً نسبيّاً. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.